أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيرالله قاسم المالكي - **مدن الضياع: سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**















المزيد.....

**مدن الضياع: سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**


خيرالله قاسم المالكي

الحوار المتمدن-العدد: 8434 - 2025 / 8 / 14 - 22:31
المحور: الادب والفن
    


**مدن الضياع:
سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**

فَقِيرَةٌ هِيَ مَدَائِنُنَا...
شَوَارِعُهَا مَسْلُوبَةٌ مِنْ حُلْمِ الْعَابِرِينَ،
وَأَزِقَّتُهَا تَسْقُطُ كَأَوْرَاقِ الْخَرِيفِ تَحْتَ أَقْدَامِ السُّكَّارَى وَالْمُهَوَّسِينَ.
يَتَّكِئُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ كَالظِّلَالِ الْعَطِشَى،
وَيَتَنَاجَوْنَ أَمَامَ الْأَنْظَارِ فِي سَمَاءٍ مُثَقَّلَةٍ بِالْأَنْجُمِ الْمُسْتَعَارَةِ،
فَوْقَ أَضْرِحَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُغْبَرَّةِ،
وَتَحْتَ تُرَابِ الْأَسْلَافِ فِي زَمَنٍ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْإِهَانَةَ.

زَفَّةُ عُرْسٍ بِدُونِ رَاقِصِينَ،
وَلَا دُفُوفَ إِلَّا هَلَاهِلَ بِهَائِمِيَّةٍ،
وَصَدَى أَيْدٍ مَجْرُوحَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْنِيَ مِنَ الْأَوْجَاعِ مَقَامَاتٍ لِلسُّجُودِ.
هُنَاكَ، حَيْثُ يُذْكَرُ اسْمُ اللهِ فِي صَلَاةِ الْمَوْتَى،
وَتُشَيَّعُ الْجَنَائِزُ فِي صَمْتٍ يُشْبِهُ نَشِيدَ الْمَلَائِكَةِ الْعَلْقَى.

مَلَاذَاتُ الْمَدِينَةِ؟
مَسَاطِبُ خَشَبِيَّةٌ تَحْتَ ظِلَالِ الْآسِ،
تَعْبَقُ بِعِطْرِ "مَلَكَاتِ اللَّيْلِ"،
وَتَهْتَزُّ بِإِيقَاعِ طُبُولِ بَائِعِي الْهَوَى،
فِي زَحْمَةِ نَخْلٍ زَرَعَتْهُ أَيْدٍ مِنْ صُلْبِ مَدِينَةٍ مَنْسِيَّةٍ.
شَوَارِعُهَا تَنَامُ عَلَى خَاصِرَةِ الطِّينِ الْفُرَاتِيِّ،
الطِّينِ الْمَمْزُوجِ بِالْمَاءِ وَالْهُذَيَانِ،
الْمُهَوَّسِ بِفَرَحٍ لَمْ يَعُدْ يُوجَدُ.

فِي هَذِهِ الْمَدَائِنِ،
لَا وَطَنَ لِلْعِبَادِ إِلَّا الْجُرُوحُ،
وَلَا ذِكْرَى إِلَّا لِطُفُولَةٍ مُنْسِيَّةٍ.
يَعْبُدُونَ الْأَرْصِفَةَ،
وَيَبْنُونَ لِلْمَقَامَاتِ مَنَابِرَ مِنْ سِحْتٍ مُقَدَّسٍ،
بِأَرْدِيَةٍ مُرَقَّطَةٍ،
طَوِيلَةٍ كَزَمَنٍ مُلْتَبِسٍ،
قَصِيرَةٍ كَحَيَاةِ شَحَّاذٍ عَلَى أَبْوَابِ الْقُبُورِ،
يُرَتِّلُ أَدْعِيَةً لَا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ.

مَقَامَاتُ الرَّبِّ؟
أَرْضٌ وَمَدَائِنُ،
فِيهَا مَنْ لَمْ يَرْتَقِ مِنْبَرًا قَطُّ،
لِأَنَّ الْمَنَابِرَ صُنِعَتْ مِنْ أَشْجَارٍ مُقْتَلَعَةٍ مِنْ مَدَائِنَ مَسْلُوبَةٍ.
مَدَائِنُ بِأَنْسَابٍ عَتِيقَةٍ،
وَمَآذِنُهَا مُخَضَّبَةٌ بِدَمٍ قَانٍ،
يَسْفَحُ عَلَى جُدْرَانِ الْمَقَامَاتِ،
كَشَوَاهِدَ لَا تَبْلَى،
أَوْ كَكَلِمَاتٍ انْفَلَتَتْ مِنْ فَمِ حَجَرٍ قَدِيمٍ،
يُحْسِنُ النَّوَاحَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَشَرِ.

فِي مَسَاءٍ لَا يُشْبِهُ أَيَّ مَسَاءٍ،
دَخَلَ "الرَّاوِي" مَدِينَةً لَا اسْمَ لَهَا.
لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عَلَى الْخَرَائِطِ،
وَلَا تَصِلُهَا طُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ.
كُلُّ مَا يَذْكُرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فِي "مَدَائِنِ الضِّيَاعِ".

عِنْدَ بَوَّابَتِهَا، اسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَةٌ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَوَجْهٍ مَشْقُوقٍ،
قَالَتْ لَهُ دُونَ أَنْ تَفْتَحَ فَمَهَا:
**"لَا تَسْأَلْ عَنِ الطَّرِيقِ، فَالطَّرِيقُ أَنْتَ."**

دَخَلَ.

كَانَتِ الشَّوَارِعُ مَسْلُوبَةً،
مَرْمِيَّةً كَجُثَثِ حَرْبٍ لَمْ تُحْصَ بَعْدُ.
رَأَى السُّكَّارَى يَتَرَنَّحُونَ،
وَالْمُهَوَّسِينَ يَتَهَافَتُونَ خَلْفَ الْأَبْوَابِ،
وَتَحْتَ سَمَاءٍ غَرِيبَةٍ تُشْبِهُ سَقْفَ مَعْبَدٍ مَكْسُورٍ.

مَرَّ بِمَقْهًى لَا يَجْلِسُ فِيهِ أَحَدٌ،
وَلَكِنَّ ضَحِكَ الْأَشْبَاحِ يَتَعَالَى مِنْهُ.
وَمَرَّ بِمَقْبَرَةٍ لَا تُوجَدُ فِيهَا جُثَثٌ،
وَلَكِنَّ الْجَنَائِزَ تَمُرُّ كُلَّ سَاعَةٍ.

فِي السَّاحَةِ الْكُبْرَى،
وَجَدَ مَقَامًا ضَخْمًا تُدَلِّي مِنْهُ رَايَاتٌ بَيْضَاءُ،
مُلَوَّثَةٌ بِحِبْرٍ أَسْوَدَ.
كَانَ النَّاسُ يَسْجُدُونَ هُنَاكَ،
لَيْسَ لِلرَّبِّ،
بَلْ لِظِلٍّ لَا يُرَى.

فِي زُقَاقٍ خَلْفَ الْمَقَامِ،
وَجَدَ رَجُلًا بِثَوْبٍ مُرَقَّطٍ،
طَوِيلٍ كَعُمْرِ الْخَطِيئَةِ،
قَصِيرٍ كَعُمْرِ الْوَعْيِ.
كَانَ يُهَمْهِمُ بِأَدْعِيَةٍ لَا تُفْهَمُ،
يَمُدُّ يَدَهُ لِلْمَارَّةِ،
وَلَكِنَّهُ لَا يَطْلُبُ مَالًا،
بَلْ ذِكْرَيَاتٍ.

اقْتَرَبَ مِنْهُ الرَّاوِي وَهَمَسَ:
**"مَنْ أَنْتَ؟"**
أَجَابَ الرَّجُلُ دُونَ صَوْتٍ:
**"أَنَا مَا تَبَقَّى مِنْكَ."**

هَرَبَ الرَّاوِي مِنَ الزُّقَاقِ،
فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي بُسْتَانٍ مِنَ النَّخِيلِ،
نَخِيلٍ مَزْرُوعٍ فِي طِينٍ فُرَاتِيٍّ،
مَمْزُوجٍ بِمَاءٍ غَرِيبِ الطَّعْمِ،
كَأَنَّهُ دُمُوعٌ فَاسِدَةٌ.

هُنَاكَ، رَأَى طِفْلَةً تَرْسُمُ عَلَى الْحَائِطِ،
تَرْسُمُ مَقَامَاتٍ وَمَنَابِرَ وَمَسَاطِبَ،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَرْسُمُهَا كُلَّهَا مَقْلُوبَةً.
سَأَلَهَا:
**"لِمَاذَا مَقْلُوبَةٌ؟"**
أَجَابَتْ:
**"لِأَنَّ الرَّبَّ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ لَا يُحِبُّ أَنْ يُرَى.. بَلْ أَنْ يُلْمَسَ."**

فِي الْأَخِيرِ،
وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ مِرْآةٍ.
وَلَكِنَّ الْمِرْآةَ لَمْ تَعْكِسْ وَجْهَهُ،
بَلْ عَكَسَتْ صُورَةَ الْمَدِينَةِ.

عِنْدَهَا أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ "مَدَائِنَ الضِّيَاعِ"،
بَلْ أَنَّهُ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ،
كَانَ أَحَدَ أَبْنِيَتِهَا.

هَذِهِ الْمَدَائِنُ لَيْسَتْ مَكَانًا،
بَلْ حَالَةٌ.
لَيْسَتْ وَطَنًا،
بَلْ جُرْحٌ لَا يَبْرَى.
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا،
يُولَدُ سَفَرٌ جَدِيدٌ،
وَيَمُوتُ ذِكْرَى قَدِيمَةٌ.
وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُهَا،
يَجِدُ نَفْسَهُ فِي النِّهَايَةِ،
مِثْلَ الرَّاوِي،
مُجَرَّدَ حَجَرٍ فِي جِدَارِهَا الْعَتِيقِ.
*لِمَنْ يَسْأَلُ: أَيْنَ الْخُرُوجُ؟*



#خيرالله_قاسم_المالكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- **-عزاء أولاد آدم-**
- هلوسة الفجر**
- كتاب اللاوجود
- صرّة السوداء
- مذكرات من زمن الحلم
- أرجوحةُ الغياب
- احاسيس مراهق
- صندوق امي السيسبي
- ارهاصات مراهقٍ ثمل
- من “سيرة حب في الأسواق”)
- **سُوقُ العَشَّارِ: مُنَاجَاةٌ فِي عَصْرِ البقاء**
- **اغتيال القمح**
- بين نُورَين
- سَرَاجُ الجَفَافِ
- هزيمةرجل نقي
- باب الشيطان المغلق
- أغاني الناي المفقود
- مدنٌ من وحي الغياب
- تراتيل الجوع
- يا وطني…


المزيد.....




- ورشة في -زمن الأبطال- تناقش أخلاقيات صناعة الأفلام وبناء الص ...
- -عبر 3 مستويات صخرية تحت الأرض-.. مقابر -كوم الشقافة- تروي ت ...
- ضبط آلاف الوسائط الصوتية خلال مداهمات واسعة في عدة ولايات أل ...
- بعد هجوم واسع.. فنانة مصرية توضح حقيقة زفاف الرجال الثلاثة
- علماء آثار فلسطينيون يسابقون الزمن لإنقاذ تراث غزة
- 163 دار نشر و90 ندوة في الدورة 67 لمعرض بيروت الدولي للكتاب ...
- ورشة -الفيلم الوثائقي: من الفكرة إلى الإنتاج- في ملتقى -زمن ...
- التقدم والاشتراكية يعزي عائلة الفنان المغربي الأصيل عمر بوتم ...
- -هتلر كان مجرما كسولا ينام حتى الظهر-.. كتاب جديد يتحدى الرو ...
- هل أثرت الاستقالة وانسحاب النجوم على موعد مهرجان الموسيقى ال ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خيرالله قاسم المالكي - **مدن الضياع: سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**