أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - مسيحيون عرب...حماة العروبة وحملة روح الاسلام الحضارية















المزيد.....

مسيحيون عرب...حماة العروبة وحملة روح الاسلام الحضارية


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8396 - 2025 / 7 / 7 - 12:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في لحظة تعصف بها مشاريع التفرقة، وتهبّ فيها رياح الاصطفاف الطائفي والمذهبي، تبرز الحاجة الملحّة لاستعادة الحقيقة الجوهريّة: أن المسيحيين العرب ليسوا "أقليات" تعيش في ظل أكثرية، بل هم مكوّن أصيل في جسد هذه الأمة، وأحد أعمدتها الثقافية والروحية والحضارية.
فالعروبة التي ننتمي إليها، لا تُختزَل في بعد عرقي أو مذهبي، بل هي حاضن الهوية المشتركة، وهي التعبير التاريخي عن مشروع حضاري جمع المسلمين والمسيحيين على مدى قرون، في سياق من التفاعل والتكامل.

وإذا كانت العروبة في وجداننا لا تنفصل عن رسالة الإسلام الكبرى بوصفه مشروعًا تحرّريًا وقيميًا، فإن هذا الإسلام – الذي ننتسب إليه بإيمان – لا يرى في "الآخر المسيحي" غريبًا عن الحق أو ناقصًا في الإنسانية، بل يوصي به خيرًا، ويكرّمه بالعيش الكريم، ويشركه في حمل أمانة الأرض.

ومن هنا، فإن الدفاع عن الدور المسيحي في نهضة العرب، ليس مجرد خطاب تسامحي أو دعوة إلى "العيش المشترك"، بل هو تجديد لعهد الشراكة، واعتراف تاريخي بدور مسيحيين تنفّسوا العروبة، وكتبوا بالإسلام روحًا، دون أن يتخلوا عن إيمانهم، ولا عن حبّهم لهذه الأرض التي هي أرضهم كما هي أرض المسلمين.

في هذا المقال، نحاول أن نعيد الاعتبار لهذه الحقيقة: أن المسيحيين العرب، وبالأخص في لبنان والشام، كانوا – وما زالوا – حرّاسًا للغة الضاد، وروّادًا للفكر العربي، ومجاهدين بالكلمة، في معركة الحفاظ على الهوية.




1. اللغة العربية... خدمة من القلب لا من منّة

اللغة ليست فقط أداة تواصل، بل وعاء للهوية، ومستودع للذاكرة. وقد أدرك المسيحيون العرب هذه الحقيقة مبكرًا، فهبّوا لحماية العربية حين كانت مهدّدة بالاندثار أو التهميش، خاصة في مرحلة الهيمنة العثمانية ثم الاستعمار الغربي.

لم يكن صدفة أن تكون أولى المطابع العربية في دير لبناني. ولم يكن مصادفة أن تظهر أولى المعاجم الحديثة على أيدي رجال دين مسيحيين. من بطرس البستاني الذي أصدر "دائرة المعارف" و"محاسن اللغة"، إلى ناصيف اليازجي الذي كرّس حياته لخدمة النحو والبلاغة، إلى إبراهيم اليازجي الذي طوّر اللغة الصحفية بمهارة مدهشة.

هؤلاء لم ينظروا إلى اللغة كأداة دينية إسلامية، بل كأمّ حنون للعرب جميعًا، مسلمين ومسيحيين. حملوها على أكتافهم، ورفعوها إلى مقام الحداثة، من دون أن يفقدوها نكهتها الأصيلة.




2. أدب بنكهة القرآن... وشعر يشبه المآذن

حين تقرأ جبران خليل جبران، أو ميخائيل نعيمة، أو إيليا أبو ماضي، تشعر كأنك أمام صوت ينبض بالروح الصوفية الإسلامية، وإن كان إيمانهم مسيحيًا خالصًا.

لم تكن هذه مصادفة أدبية، بل انعكاسًا لاندماجهم الوجداني في فضاء الإسلام الحضاري. لقد قرأوا القرآن لا ليؤمنوا به كعقيدة، بل ليستلهموا منه بلاغة البيان، وعمق الروح، وثراء اللغة.
شعروا أن هذا الكتاب لا يخص المسلمين وحدهم، بل هو ميراث ثقافي لجميع الناطقين بالعربية، وكنز بياني يثري كل أدب وفكر.

وهكذا، ظهر شعر عربي كتبه مسيحيون، لكنه يُقرأ بنكهة إسلامية: نبرة التوحيد، وحنين الوجود، ولغة الأوابين، كلّها حاضرة بين سطورهم.

في شعر سعيد عقل، الذي لا يُصنّف بسهولة، ترى مزيجًا من المسيحية المشرقية والقرآن، ومن التوراة والحديث، ومن العروبة والقداسة.
هذا التداخل لم يكن تصنّعًا، بل انعكاسًا لهوية مركّبة، شديدة الصدق، لا ترى في الإسلام خطرًا على الإيمان، بل امتدادًا للروح المشرقية العريقة.



3. المسيحيون المشرقيون في حضن الإسلام الحضاري

لم يكن وجود المسيحيين العرب في قلب الحضارة الإسلامية مجرّد "تعايش"، بل تفاعل واندماج خلاق. لم يسكنوا الهوامش، بل صنعوا مع المسلمين متن الثقافة، وكتبوا معها فصول النهضة.

من بيت الحكمة في بغداد إلى حلب ودمشق والقاهرة، كان المسيحيون شركاء في التأليف، والترجمة، والفلسفة، والطب، والفلك.
لم يُسائلهم أحد عن صلاتهم، بل عن إسهامهم.

في ظل الإسلام، لم تُفرض عليهم اللغة، بل أحبوها. لم يُكرهوا على الذوبان، بل كانوا أحرارًا في تعبيرهم، صادقين في ولائهم للثقافة الجديدة التي لم تستعبدهم، بل رحّبت بهم.
كان الإسلام الحضاري جامعًا، يتّسع لمن يحمل قلوبًا مفتوحة وعقولاً مشغولة بحمل المعرفة.

وهكذا، أصبح المسيحيون المشرقيون – خصوصًا في لبنان والشام – أبناءً أوفياء لحضارةٍ إسلامية روحية لم تلغِ مسيحيته، بل أضاءتها بلغةٍ جديدةٍ ورؤيةٍ شاملة.




4. المسيحيون والعروبة: انتماء لا مساومة

ربما لم تعرف العروبة أنصارًا من غير المسلمين أقوى من هؤلاء المسيحيين المشرقيين.
هم لم يعتنقوا العروبة كمجرد ردّ فعل على التتريك أو الاستعمار، بل رأوا فيها إطارًا جامعًا للهويتين: الدينية والقومية.

ففي وجه مشاريع التقسيم الطائفي، رفعوا راية الأمة.
وفي وجه التغريب الثقافي، دافعوا عن الشخصية العربية.
وفي وجه الصهيونية، لم يكونوا محايدين. بل كان بعضهم – كـ جورج حبش ووديع حداد – في مقدّمة الصفوف.

أنطون سعادة – مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي – لم يرَ في العروبة صراعًا دينيًا، بل وحدة جغرافيا وتاريخ وثقافة.
قسطنطين زريق كان من أوائل من نظّروا للهُوية القومية كطريق للنهضة.
شارل مالك، رغم انخراطه في الفلسفة والحقوق الدولية، لم يتنكر لعروبته ولا لروحانية المشرق.

لم تكن العروبة بالنسبة لهم شعارًا، بل حقيقة عميقة، تتجاوز المذهب، والطائفة، واللغة، لتصبح هوية حضارية ناهضة.



5. لبنان: مختبر التنوّع الحضاري لا الصيغة الطائفية

لبنان، كما أراده روّاده من المسيحيين والمسلمين، لم يكن مشروعًا طائفيًا، بل مختبرًا حضاريًا لهوية عربية جامعة.
من بيروت، خرجت صحف النهضة، ومجلات الفكر، ومن جامعاته انطلقت معاجم اللغة، ومن صالوناته الأدبية تفتّحت زهرة الأدب العربي الحديث.

لم يرَ بطرس البستاني أو سعيد عقل أو جبران في لبنان "وطنًا مسيحيًا"، بل مساحة حرة للروح العربية أن تزهر وتبدع.
ولم تكن هويّتهم مبنية على الخوف، بل على الثقة. لم يطلبوا حماية، بل شاركوا في البناء.
ولم يتحدثوا عن "العيش المشترك" كما يتحدث الخائف، بل عاشوا الوحدة كما يعيش العاشق مع محبوبه: بحرية، واختيار، ووعي.

أما الصيغة الطائفية التي تُفرض اليوم تحت ذريعة "طمأنة الأقليات"، فهي ليست من روحهم ولا من فكرهم، بل من صناعة أنظمة مأزومة تسعى لتثبيت حكمها عبر التخويف لا الثقة.


-

6. عندما نعلو فوق الطوائف باسم الهوية الجامعة

آن الأوان أن نكفّ عن الحديث عن "الأقليات" في أوطان هي لنا جميعًا، وعن "العيش المشترك" وكأننا غرباء مضطرون للتسامح.

إن مسيحيي المشرق – في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق – ليسوا ضيوفًا في حضارة الإسلام، بل شركاء في بنائها، وروّاد في نهضتها، ومؤمنون بها كفضاء ثقافي وروحي وحضاري مشترك.

والمسلمون بدورهم، حين يعون هذا البعد العميق، يدركون أن الإسلام لم يكن يومًا طائفة، بل حضارة.
حضارة وسعت الجميع، وجعلت من التنوع مصدر غنى، لا تهديد.

وحدها الهوية العربية الحضارية الجامعة قادرة على جمع ما فرّقته الطوائف، وتوحيد ما مزقته الحدود، وبعث روح جديدة في هذه الأمة التي طال سباتها.

فلنكن أبناء هذا الحلم الكبير، لا عبيدًا لمصطلحات الاستعمار الناعمة.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وثيقة باراك ورد لبنان: منعطف حاسم في المعادلة السياسية والأم ...
- لذلك...اعتذر من الحمير مع تقبيل الحافر والأذنين
- من طوفان الأقصى إلى ضرب طهران: هل الشرق الأوسط على شفا إعادة ...
- إبادة المدنيين: جوهر العقيدة الصهيونية ومنطلقها التوراتي
- الحرب الإيرانية الإسرائيلية بوابة (اسرائيل الكبرى)
- اسرائيل بين نيران غزة وحرائق واشنطن: تبدلات الدعم وصراع المص ...
- حدود الموقف العربي من العدوان الإسرائيلي وآفاق تجاوزه
- العدالة في مهب المحروقات: رفع الأسعار يكشف
- لبنان بين خيارين: مقاومة الردع أو انفجار الدولة
- لبنان في عين عاصفة التحولات الكبرى: حزب الله بين نتائج الحرب ...
- غزة تُفرَّغ تحت النار: حين يصبح التطبيع غطاءً للإبادة
- من يحرك الشارع العربي ؟ بين قبضة السلطة وسطوة المال وتآكل ال ...
- فلسطين والخرائط الممزقة: من التواطؤ الرسمي إلى حتمية المقاوم ...
- فلسطين خارج الحسابات: صفقات تُعقد على أنقاض غزة
- جولة ترامب الخليجية: اختبار نوايا أم إعادة تموضع؟
- جبهة اليمن في حرب غزة: إسناد استراتيجي أربك نظرية الأمن الإس ...
- العجز العربي أمام الإبادة في غزة: تشريح لأسباب الصمت والتواط ...
- كشمير من جديد والسيناريوهات المحتملة
- حين يتوحش الإنسان من فرط القهر
- الصهيونية ذات انياب فاحذروها...زيف حماية الأقليات


المزيد.....




- لقطات تُعرض لأول مرة.. شاهد الحياة الخفية داخل كوريا الشمالي ...
- ترند -الماء المغلي- في مصر يثير الجدل والجهات الرسمية تحذّر ...
- صعوبة أداء المهام اليومية قد تنذر بارتفاع خطر الوفاة
- بيان مصري حاد دعما للسعودية بعد محاولة استهداف الطائف وينبع ...
- زاخاروفا: -الثمانية الكارباتية- فاشلة ودول الجوار ترفض الانج ...
- فولكس فاغن وأودي تستدعيان أكثر من 2.1 مليون سيارة حول العالم ...
- ليبيا تطلب مساعدة -الجنائية الدولية- لكشف المسؤولين عن هجمات ...
- الدفاع الروسية تستهدف مركز بيانات ومركز لوجستي وسفينة شحن في ...
- بعد سلسلة فيديوهات مثيرة.. بلوغر مصرية في قبضة الأمن باتهاما ...
- خطوة تخفف عبء الحقن اليومية.. موافقة أمريكية على اعتماد إنسو ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - مسيحيون عرب...حماة العروبة وحملة روح الاسلام الحضارية