أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - جيهان ونزار... وحدهُما في حُضنِ الغيابِ!














المزيد.....

جيهان ونزار... وحدهُما في حُضنِ الغيابِ!


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8373 - 2025 / 6 / 14 - 15:23
المحور: القضية الفلسطينية
    


في ذاك الصباح، لم تكن "جيهان" تعلم أن الأمان سيغادر بيتها إلى الأبد.
كانت الأصوات تعلو من حولها، ضحكات الأطفال وهمس الذكريات، لكنها شعرت بوخز غريب في قلبها.
خرج نزار بابتسامة اعتادت رؤيتها كل يوم، لكنها لم تكن تعرف أنها آخر ابتسامة ستراها منه.
وتركها خلفه وحيدةً مع صمتٍ ثقيل، وغيابٍ لا يُملأ، وحياةٍ لن تعود كما كانت.

اغتيل نزار...
ليس فقط بالعتلات، بل بالصمت، بالخذلان.
تركها في ربيع صباها،
تخيط وحدها جرحاً لا يلتئم،
وتجمع فتات الأيام لتصنع منه وطناً صغيراً لأطفالها.

"جيهان" لم تكن بطلةً في رواية،
كانت امرأةً تُحبّ زوجها، بيته، ضحكته، حضوره، وفوضاه.
كانت تُحبّ رجلاً لا يشبه أحداً،
رجلاً اغتالوه،
فاغتالوا معه قلبها.

منذ ذلك الصباح، تغيّر كلّ شيء،
البيت كما هو، لكن لا دفءَ فيه.
الأصوات كما كانت، لكنها باهتة.
الضحكات تأتي... لكنها قصيرة، متردّدة،
كأنّها تعتذر لأنّها جاءت من دون حضوره.

"جيهان"، التي كانت تتّكئ على صوته كي تنهض،
أصبحت تنهض من دون صوت.
تُخفي وجعها في عتمة المطبخ، في صوت الملاعق، في ترتيب الأسرة،
وفي الهدوء الذي يُرعب القلب أكثر من الضجيج.

في الليل، حين تنام المصابيح،
وتغفو الحدائق،
تبقى "جيهان" مستيقظة،
تحضن صغارها كأنّها تحضنه،
تُسند وجعها إلى وسادةٍ تعرف كم بَكَت،
وتُحدّق في الظلام كأنّها تنتظره… أن يعود، أن يفتح الباب، أن يعتذر عن الغياب.

لكن الباب لا يُفتح،
والصوت لا يعود،
والدموع لا تنتهي.

"جيهان" لا تطلب شيئاً،
لا تنتظر عدالةً، ولا ترفع صوتها،
هي فقط تُريد يوماً لا تبكي فيه أمام أبنائها،
ليلاً تنام فيه دون أن يخنقها البكاء،
وصباحاً لا يُذكّرها باللحظة التي انتهى فيها كلّ شيء.

لم تكن زوجة شهيدٍ فقط،
كانت امرأةً آمنت بأنَّ الحبّ لا يموت،
لكنّها عرفت أنَّ من نُحبّ يمكن أن يُنتزع منّا كأنّه لم يكن.

وأنَّ الحياة بعدهُ لا تُعاشُ،
بل تُجَرُّ كما تُجَرُّ بقايا الوقتِ في الممرّاتِ الضيّقة.

"جيهان" لا تكتب، لا تخطب، ولا تروي حكايتها في المنابر،
لكن دموعها تعرف كيف تكتب،
وصمتها أشدُّ بلاغةً من كلّ الخُطب.

اغتيل زوجها نزار بنات… واغتيل عمرُها معه.
ورغم كلّ ذلك،
ما زالت تقف،
تغرس الأمل في أولادها،
وتحمل اسمه كأنّه آخر ما تبقّى لها من الحياة.

لكن أكثر ما يُوجِع في حكاية "جيهان"،
أنّها لم تُودّعه.
لم تحتضنه للمرّة الأخيرة،
لم تقُل له: لا تتأخّر.
خرج ولم يلتفت،
وغابت الضحكة من بعده... إلى الأبد.

كلّ ما تبقّى لها الآن:
صورتُه على الحائط،
وصوتُه في ذاكرة الأطفال،
وذكرياتٌ لا يعرفها أحد،
ولا يفهمها سواها،
وشوقٌ لا ينطفئ،
يؤنس وحدتها كلّ ليلة،
ويُوقظها على غيابٍ لا يُطاق.

وفي آخر الليل، لا تبقى سوى "جيهان"...
تعدّ الأيام بلا نزار،
وتحرس الغياب كي لا ينساه أحد.
يأتيها نزار في المنام كلّما أغمضت عينيها،
يسألها عن "خليل"، ويوصيها بـ "كَشكَش"،
ويبتسم حين تذكر له "مارية"... آخر العنقود، ثم يرحل بصمت، ويتركها تغرق في دمعةٍ لا تجف.

[محمود كلّم] كاتب فلسطيني يكتُبُ في الشَّأنين السِّياسيِّ والوجدانيِّ، وَيُعنَى بقضايا الانتماء والهُويَّة الفلسطينيَّة. يرى في الكلمة امتداداً للصَّوت الحُرِّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النِّضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُناديه الأُمُّ... ولا يُجيبُ!
- حين ينكسرُ قلبُ الأب… ولا أحدَ يسمع!
- مجزرة مدرسة صيدا الرسميَّة – المدخل الجنوبي: حين تحوَّل المل ...
- محمد نمر غضبان: ضميرُ الثورة الذي خذله الزمن!
- غزّة لا تنتظر القيامة... إنّها تعيشها!
- حين يموتُ المُؤرِّخُ... وتبقى غزّة تكتُبُ المأساة!
- الدكتورة آلاء النجار... أُمُّ الشهداء وصبرُ الجبال في وجه ال ...
- غزّة تمُوتُ ببُطءٍ... والعالمُ يغُضُّ الطّرف
- غزّة... النَّعشُ الذي يمشي وحدهُ
- غزّة تكتُبُ قصيدة الشّاعر نزار قبّاني الأَخيرة!
- بدر فلسطين التي غابت دون وداعٍ!
- شهد الصوّاف... صرخةٌ جائعةٌ في وجه أُمَّةٍ خذلتها!
- مارغريت تاتشر... حين قالت: -أنا لست زعيماً عربياً-!
- خوسيه موخيكا يغيب... وغزة تزداد نزفاً
- الإنسان الفلسطيني: المعجزة التي هزمت السلاح!
- جائزة لصانع السلام... ورصاصةٌ لنزار بنات الذي نادى بالحق!
- إنزو مايوركا أنقذ دلفيناً... فمن يُنقذ غزّة؟
- لا تصالح... أمل دنقل والقصيدة التي تنزف من غزة!
- خلف الحمير… إلى الهاوية!
- غزة وحدها... تقاتل كما قاتل الحسين في كربلاء!


المزيد.....




- ما هي الأشياء المثيرة المتوقعة في حفل زفاف تايلور سويفت؟
- إيران.. هل يحضر مجتبى خامنئي جنازة والده -التاريخية-؟
- سوريا.. قتلى إثر انفجار عبوة ناسفة في مقهى بدمشق
- -قبة حرارية- مسؤولة عن لهيب أوروبا، فما سر هذه الظاهرة؟
- بعد ستة أيام تحت الأنقاض، كيف نجح فريق أردني في إنقاذ طفل من ...
- بين الغموض والتفسيرات المتضاربة.. هل تنجح مذكرة واشنطن وطهرا ...
- لوبان تشترط توفير الحرية لحملة الترشح.. وتستبعد خوض الانتخاب ...
- أول ظهور لقائد الحرس الثوري الإيراني الجديد (صور)
- وزير الدفاع الإسرائيلي: سنبقى في سوريا ولبنان وغزة حتى إشعار ...
- إندونيسيا.. جلد 6 أشخاص بتهمة التقبيل العلني والمقامرة (فيدي ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - جيهان ونزار... وحدهُما في حُضنِ الغيابِ!