أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - ذِئْبُ آلْوِهَاد















المزيد.....


ذِئْبُ آلْوِهَاد


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 7767 - 2023 / 10 / 17 - 17:44
المحور: الادب والفن
    


في زمن من آلأزمااان قديم، كان حنين الناقة وسَليل آلغزال وسجع الحمام وصفير آلنسور وصَـرْصَـرَة آلبُـزاة وصهيل آلصافنات من الجياد و ... بكاء الإنسان وقهقاهته آلشاهقة نوتات إيقاعية في ترنيمة واحدة تولد من قلوب نابضة بآلحياة .. لا أحَدَ يعيش على حساب آلآخر .. لا أحدَ يلغي نظيره الذي يعيش وإياه في بسيطة مركبة واحدة، حتى سفينة نوح لم تلغ بقية الأحياء بعد ذاك الطوفان العظيم ...
لقد استأنس الإنسان بالذئب في البداية، إذْ صَوَّرته آلثقافة آلعربية مثلا جزءا من آلكيان آلداخلي لهذا الإنسان .. إنه كائن سَيّدٌ محترم نبيل رغم كل آلمستجدات وآلمتغيرات، فهو السرحان الأطلسُ آلطِّلْسُ العَسّال آلأويس الأزل الخاطف العملس السلق السمسام و ... غيرها من آلأسماء وآلصفات التي أطلقتْ على هالته الموقرة التي خصها الشعراء بصُور فريدة تميزه عن باقي الكائنات المتوحشة .. يقول الجاحظ : " لأن السباع القوية، الأسد والنمور و ... لا تعرض للناس إلا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش، وإن لم يكن بها جوع شديد فمر بها إنسان لم تعرض له.وليس الذئب كذلك.فالذئب أشد مطالبة.فان خاف العجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذئاب واقبلت، فليس دون أكل ذلك الانسان شيء “ (٢) .. الذئب يراود الإنسان طيلة حياته لا ينتظر موسم العجز ليفعل ذلك، إنه كائن متربص يقظ حذر مستعد للاحتمالات كلها في الأزمنة كلها، وما على هذا الإنسان إلا أنْ يعد العدة والعتاد ويترقب .. إن حالة الاستنفار هذه التي يفرضها تجعل آبن آدم حيا حيويا متحركا غاطسا في معارك الحياة يكر يفر ويفرض الوجود الذاتي، ولولا سلوك مثل هذا الحيوان لآستكان وسكن الإنسان ولتراجعت نزوعاته لإثبات الذات إلى وراء تُعاشُ فيه الحياة كيفما ترد لا كما ينبغي أنْ تُعاش .. الحيوان هنا لقــاح مصيري يستنفر مضادات البوار والموات من أجل أن تقوم بمهماتها في إيقاظ همة الوجود في الوجود، الشيء الذي لم ترتضه وتقبل به الحياة الجديدة في المدن والبوادي النائيات عن الصحاري وغابات الجوار ... نجد آمرأ القيس في العصر الذي يسمى (جاهليا) قد رأى في هذا آلسيد آلمحترم نفسه، يقول :

كلانا إذا مانال شيئا أفاته
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ

صوت الكائنييْن يلتقي بطريقة أسطورية أقرب الى الإعجاز منها الى الواقع :

" فقلتُ له لما عوى ... " .. إلى درجة الحلول، أي حلول الصوت في الصوت في الصمـت، صوت الشاعر في صوت الذئب في صمت الوجود ... وبنية الذئب في معلقة أميرنا آلخليع دليل واضح على هذا الانسجـام ... والشيء نفسه يقال مع الشعراء الذين سموا بالصعاليك حيث الاستئناس ب "الوحوش" أضحى أمرا عاديا عندهم ... ورديف هذا التماهي بالحيوانات غير المروضة والتعالق مع أجوائها والتوازي معها نلفيه عادة في المراحل التي تكون فيها الإنسانية جزءا لا يتجزأ من الطبيعة مثل ما هو منتشر لدى الشعوب المسماة "بدائية" إذْ تبلغ درجة العلاقة بالحيوان التقديس، وما ترك الأبقار والجرذان و ... لحالها في الهند مثلا الا مظهرا من هذا الاحترام للحيوان الذي يتجلى حتى في بعض أسماء الحيوان التي ورثناها عن أجدادنا وحملناها لقبا لنا كما هو واضح كذلك في بعض أسماء القبائل العربية "ذئيب + كليب + بنو أنف الناقة ..." وعَبيدُ بن الأبرص يرضى عيشة آلصحراء بوحوشها عوض عيشة القبيلة الهاربة من "لعنة" الفيافي : "وبُدلت من أهلها وحوشا"، وذئبُ الشنفرى آنعكاس لنفسية الإنسان الهارب من سطوة التغيير الذي تفرضه قوانين التغيير .. وهو يُبدل آلإنسيَّ بالوحوش كلها رغبة في زفير عميق يُخرجُ هشيمَ آلأنفاس شاهقا شهقة ميلاد حياة جديـدة، تماما كما في بداية آلخليقة، يقول :

وَلي دونكم أَهْلون : سِيدٌ عَمَلَّسٌ
وَأرْقط زُهْلولٌ وَعَرْفاءُ جَيْأَلُ
هُمُ الأَهلُ لا مُستَوْدَعُ السِّرِ ذائع
لَـدَيْهِمْ، وَلا الْجاني بما جَـرَّ يُخْـذَلُ

الخيانة وسوء العشرة والأنانية والغدر ظلت منذ الأزل صفات بشرية في الوقت الذي ظلت الذئاب وفية لسَمْتها الفطري الذي عُرِفَت به منذ الأزل كالوفاء لل"عائلة" والعشرة وعيش القطيع المشترك، والإخلاص وعدم الخيانة، والرعاية وتحمل المسؤولية وتجشم الصعاب وركوب المخاطر لخدمة الجماعة، والعفة والأنَفَة، إذ لا تقتات الذئاب على الجيف وما فضل من آلفتات وآلبقايا كما يفعل أغلب آل آلافتراس من نسور وضباع وكلاب آلبر (١)، لذلك رأى فيه بدو آلفيافي نسل سلالة الملوك .. قال الأعرابي لأخيه أنا "ذيبك" يقصد : أنا حاميك ومسند ظهرك ... الفرق بين كينونة الذئب وكينونة الإنسان، أن الأولى آحتفظت بنقاء سريرتها الأولى التي خُلِقت بها، بينما تفننت الثانية في إتقان صنعة التحولات إلى درجة تقمص المسوخ والتفاخر بتشوهاتها المتطرفة ..
الذئب ظل بريئا من دم يوسف الذي أهدر دمه إخوة له من دمه أعزاء رعاة سقطت بين أيديهم حيلتهم البلهاء فألصقوا التهمة بحيوان بريء، فلم نعد ندرك بعدها مَنِ الإنسان في هذه المعادلة ومَنِ الحيوان؛ بل أضحى المفهومان شديدي الالتباس يحتاجان لمزيد مراجعة من أجل ضبط دلالات الكلمات في الإحالة على المعنيين بها .. يبدو أن (نجيب محفوظ) كان لبيبا لما آختار لروايته عنوان (اللص والكلاب) عوض (اللص والذئاب) .. يقول الشافعي ..

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا
وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ
وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضا عَيانا

... حاولت بعض الفرق الموسيقية الحديثة إعادة الاعتبار لهذه العلاقة بين الذئب والإنسان وأضرب مثلا بمجموعة "بينك فلويد" الإنجليزية في ألبومها الموسوم ب "الحيوان" عندما يحل صوت الذئب في صوت الآلة الموسيقة وتحل الآلة في عواء الذئب حتى يغدوان صوتا واحدا، بل ان الفرقة في بعض تجاربها أدخلت كلبا الاستوديو وطفق أفراد المجموعة يعزفون بآلاتهم مرافقين إياه في نباحه الذي يمتد يمتد الى درجة غدا فيها صوت الآلة الموسيقية يشبه عواء الذئاب بشكل يعيد الينا صورة الذئب وأخيه الانسان في العصر المسمى "الجاهلي"...

وَوَادٍ كَجَوْفٍ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ
بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعَيَّلِ
فقلت له لما عوى: أن شأننا
قليل الغنى إن كنت لما تمولِ
كلانا إذا ما نال شيئاً أفاته
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ

وهذا الكلام أشبه بكلام اللص والصعلوك، لا بكلام الملوك .. يقول آلشراح رابطين آنغماس الإنسان بالطبيعة الفطرية بالشذوذ عن الحياة العامة التي آختارت الابتعاد عن الطبيعة عن طريق الهروب من سيطرتها وجبروتها أو عن طريق مواجهة آمتداداتها بمحاولة السيطرة على أبعادها الحية والمتحركة من الأشجار والكائنات والحيوانات والجمادات المثيرة للرعب والفزع؛ وأي نكوص عن هذا المنحى الجماعي عُدَّ لحظتها آستثناء غير مرغوب فيه يُنظر إليه بعين غير راضية، فتحصل التجمعات المعيشية داخل بيئة مُـرَوَضَــة، تٌُسَاسُ كينوناتها ويُسَيْطَــرُ عليها، وأي خروج عن القاعدة يُجابهُ بالمعارضة الصارمة والإقصاء، فالأمير المتجول في الصحراء غدا خليعاً مُخَلَّعاً تماما كصاحبنا الذئب، والنبلاء الذين أنفوا من عيشة الظلم والقهر في المجتمع القبلي وأعلنوا نفورهم وتمردهم على نظام الجماعة سُمُّــوا بالصعاليك، إذْ لا مجال لإعلان الخصوصية الفردية إلا في إطار ما تسمح به الجماعة وليس هناك حل غير القَبول بشروط عيش هذه الجموع في الجماعة ولو كان ذلك على حساب حميمية وسليقة النفس الانسانية وما ترتضيه من سُبل عيش بدون أطواق ولا متاريس حصار .. وكلما أوغلنا في التقدم في الزمن إلا وأغلنا آبتعادا عن الطبيعة من خلال النزوع إلى الاستقلال عنها ومواجهة كل مكوناتها بإقحامها ضمن مسار عام متداول كي تصبح الطبيعة جزءا من حياة الانسان لا العكس .. لنجد الشعراء يحنون في بعض لحظاتهم المتأزمة إلى عيشة الذئاب عوض ما يعيشونه من آللانسجام ومحيطهم الموسوم ب "الحضاري" .. يقول الأحيمر السعدي :

عوى الذئب فآسْتأنسْتُ بالذئب إذْ عوى
وصوّت إنسان فكدتُ أطيرُ

في العصر الاموي تخف حدة "الصداقة" بين الكائنين لنجد شاعرا مثل الفرزدق يأخذ آحتياطه من الذئب ويتقي شرا خالَه فيه لتنفصل عُرى المودة بينهما، وهذا ما تظهره الأبيات، حيث أضحى الحـذر خصيصة تسدل بستائرها على الاستئناس القديم ...

وأطلس عسال وما كان صاحبا
دعـَوت بنـاري مـَوهِـنا فأتـاني
فلما دنـا قلت ادن ،دونـك ، إنّني
وإيـاك في زادي لـمشـتـركـان
فـَبـتّ أقـُدّ الـزاد بـيـني وبـيـنـه
على ضَـوء نـارٍ مـرّة ودخـان
فقـُلـت لـه لـمّـا تكشّـر ضاحكـا
وقائـم سـيـفي من يدي بمكـان
تعـشّ فإن عاهدتني لا تخـونني
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما
أخـَيـّيـْن كـانـا أرضِعـا بـِلـَبـان
ولو غيـْرَنـا نبّهـتَ تلتمس القـِرى
أتـاك بسـهـم أو شـَبـاة سـِـنـان
وكلّ رفيـقـَي كلّ رحل وإن هما
تعـاطى القنـا قوماهما أخـَوَان
وإنـا لـَتـَرعى الـوحـشُ آمنـةً بنا
ويرهبنا – إن نغضبِ - الثقلان

بيد أن الضربة القاصمة لعُرى هذه الصداقة ستبدأ في أدبنا العربي مع العصر العباسي عندما نجد شاعرا في حجم البحتري يُدخل ذاته في صراع مع الذئب فتنشب معركة وجودية بين الكائنين تنتهي بقتل الحيوان من طرف الانسان و"نيل خسيس منه" .. وبعد أن كان عـواء الذئاب رديفا لجُــؤار الانسان تغيرت الترنيمـة، ولم يشفع للحيوان عواءه الأسطوري حين عمد الشاعر مباشرة بعد سماعه إلى الفتك به خشية وطمعا .. يقول البحتري :

عوى ثم أقعى، فارتجزت فهجته
فأقبل مثل البرق يتبعه الرعد
فأوجرته خرقاء، تحسب ريشها
على كوكب ينقض، والليل مسود
فما ازداد الا جرأة وصرامة
و أيقنت أن الأمر منه هو الجد
فأتبعتها أخرى، فأضللت نصلها
بحيث يكون اللب والرعب و الحقد
فخر، و قد أوردته منهل الردى
على ظمأ، لو أنه عذب الورد
و قمت فجمعت الحصى, فاشتويته
عليه، و للرمضاء من تحته و قد
و نلت خسيسا منه، ثم تركته
وأقلعت عنه، وهو منعفرد فرد

لقد أكل الذئبَ إنسانٌ، ولم تأكلْ إنسانًا آلذئابُ .. هذا ما رواه الرواة هذا ما حكته الحكايات وجرت بذكره الركبان؛ أما خرافة (ليلى والذئب) فيبدو أنها تشدق أوروبي لم يفقه عمق هذا المخلوق ولم يدرك بلاغة وجوده في الوجود؛ وإلا ما سر وله هوليوود والحكايات الشعبية الأوروبية والأمريكية بهرطقات فونطاسم الاستئذاب وتحولات البشر إلى ذئاب .. يبدو أنها حكاية عشق وإعجاب وآستيهام من طرف واحد ناااكر للجميل جاحد مفرط في صلف الفتك بكينونة تُذَكر ببدايات أولى للخلق والخليقة خانها الإنسان (هبوط آدم) وصانتها الذئاااااب ...
في نهاية القرن التاسع عشر بقليل من السنوات رَسَمَ (إدْفَارْدْ مُونْشْ) النرويجي لوحته الزيتية "الصرخة" .. وتعتبر هذه اللوحة التعبيرية تجسيدا حديثا للقلق، وهي تمثل رَجُلا يعكس وجهه مشاعر الرّعب واقفاً على جسر ماسكاً رأسه بيديْه مُطْلِقاً صرخةً مُدويةً ،على خلفية من الأشكال المُتماوجة وتدرجات للّون الأحمر الصارخة، إنه يتألم، هذا أكيد، لكن صُراخَه وإنْ وُجِّهَتْ نبراتُهُ إلى الخارج، فإنها سرعان ما تَرْتَدُّ إلى الداخل في آنتكاسةٍ لا تسمح في إيصال صدَى إحساسها المرهف إلى أبعد مدى، إنها صرخة تكتفي باللوعةِ وتَجَرُّعِ سُمِّ سياط حريق وجود أرعن لا يرحم .. هذا ما سيميز جميع آلصرخات الحديثة في آلأدب وآلفن آبتداء من مسوخات كافكا ودهاليز إدغار ألان بو وخربشات سالفادور دالي وهندسات بيكاسو ومختلف مدارس آلتجريد وآلانطباع والسريال وأشعار آلبوهيمين آلمتمردة وصور بونويل آلمرعبة وعوالم هاديس الذي لا مخارج لبواباته المشرعة دائما تستقبل آلوافدين من مريدي آلانتحار وعذابات الوجود التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد ... لقد حاول آنتصار أنصار ما يُوسم بالتقدم الإنساني أنْ ينال من غيره من الكائنات، بل إنه فتك حتى ببني جلدته من البشر الذين آرتضوا عيشة غير عيشة "الحضر"، فآستعملتْ المبيدات المدمرة من أسلحة وجائحات من أجل ذلك، فكانت الإبادات الجماعية للإنسان الهندي والإفريقي والأمازيغي وغيرها من الشعوب التي آرتضت عيش الغاب الفطري السليقي الطبيعي بعيدا عن قوانين الغابات المحديثة والمعاصرة التي ما فتئت تنص على آغتيال كل صراخ أو .. جُـؤَار يصرخ من حناجر المكلومين بعصف المكننة والآلات المُشيئة لطبيعة البدء فينا .. لا مجالَ إذن لأي آحتجاج أو تمرد أو إعلاء صراخ، ليصبح هذا الجؤار آستعارة رمزية لكل الراغبين في خرق آلأطواق وكسر آلسلاسل وفك القيود عن الرقاب المعتقلة كي لا يصبح الإنسان نفسه كراكوزا في سيرك الحياة الجديدة ... الْجُؤَارُ لُغَةً .. صخب وعنف .. أَنْ تَجْأَرَ .. أَنْ تصْدحَ بما يُخالجُكَ به الضميرُ والشعورُ .. ولعلَّ هذه إحدى أهم التيمات التي يمكن ملاحظتها في بعض أهم الإشارات الفنية والأدبية الانسانية في القرن الماضي. موسيقى"الهاردروك" الصاخبة و "البلوز" الزنجية الصارخة وإيقاعات الغيتار الكهرائي مع "جيمي هندريكس" وهو يُلَوِّحُ به الى الجمهور مُكَسِّراً جميع الأعراف الاحتفالية .. فرقة "بينك فلويد" الإنجليزية وهي تُحَطِّمُ جِدَارَ الوهم الذي بناهُ التوجُّسُ والخوفُ لدى الانسان المعاصر في أوروبا وأمريكا بعد الحربين العالميتين .."ناس الغيوان" في المغرب عَمَدتْ الى النهج نفسه بصرخات حادَّة مُسْتَمَّدَةٍ من جذور التراث الشعبي المغربي الإفريقي الأصيل بألوانه المختلفة لعلَّ النبرات الزنجية جنوب الصحراء "الغناوية" _ نسبة الى غانا _ قد لعبتْ دورا كبيرا في مَسار الصُّراخ لدى هذه الفرقة بشكل يذكرنا بالبلُوز الزنجي الأمريكي .. تقول في إحدى أغانيها :
تَصْغىَ لَ قوال الهَايْجـَا
كل عديم ينــوح عديـم وغادي
تصغى لرايح الهايمـا
بين الفصول تروح تجيـب تنهادي
تصغى لصوت المظلوم
حـال الظــلام نايم
حال المظلوم هـــايم

لقد عبرت بوضوح عن رفضها للتغييرات الطارئة على سليقة الإنسان ومحاولات تدجينه في أقفاص كبيرة آسمها الوطن والمدنية الحديثة وهلم جرا من آلأسماء المفرغة من المعنى الحقيقي لكينونة الإنسان ..

يا من هو بَازْ فْ القفازْ
يا من هو فرّوج
على الكَنْدْرَة ونشر جناحو
يا من هو تِلِّيسْ
أعطى ظهره لَلتَّغـْـرَازْ
عمّرني ما ريت الغزال
تمشي بَالْمْهْمَازْ
وفراخ الخيل عَادُوا سُرَّاحُو
عمرني ما ريت النخلة
تعطي حب الْغـَازْ
بعد التمر وُتَبْلاَحُهْ
يا من هو ديـــب
فْ الْغـْيَابْ كْثَرْ صْيَاحُو ...
آليام آلياااام
يَا بَتِّي مَالْكْ عُوْجَا
واش من سباب عْرَجْتِي لِي بِهْ
تَارَة تسقني حْليبْ . . .
تَارَة تسقني حَدْجَة كِي مُولَى هِيهْ
صَدَّقْ حتى عْيَا
وگالوا راها فيه تبقى فيه
أنا گاع بنادم نبغيه
وظانو مثلي يبغيني
كيف نبغي نگول عليه . . .
للي فَ خْلاَگِي مَا يْخْلِّينِي

هذا الجُــؤار المغربي الرافض استغرق فترتيْ السبعينيات والثمانينيات، حيث القمع والقهر السياسييْن بَلَغَا أوجهما في الضغط على الفئات المسحوقة في البلد، فكثُرَتْ المنافي والسجون والشطط في استعمال السُّلَطِ المختلفة، غير أنَّ امتدادَ وتأثيرَ هذه الأصوات الصَّارخة ظلَّ مَحدودا في واقعٍ مُحَاصَرٍ من جميع الجهات، نظرا لعدة عوامل، الشيء الذي جعل هذه المحاولات الشابة قاصرةً ترواحُ زمنا ساكنا ومكانا تابثا أشبهَ بثورة في فنجان ...
والآن بعد كل هذا العُمر .. هااااهو هذا الذئب الصامت يترك العنان للعواء يصدحُ من جديد بما يُؤمَر .. يَرُومُ صعود آلجبال، ارتقاء آلأعالي بعيدا عن صخب الوجود الأعرج الأهوك أو على حد تعبير شاعرنا الصعلوك الضليل المغضوب عليه "الشنفرى" :

وَمَرْقَبَةٍ عَنْـقاءَ يَـقْصُرُ دونَها
أَخو الضِّرْوَةِ الرِّجْلُ الْحَفِيُّ الْمُـخَفَّـفُ
نَعَيْتُ إلى أَدْنـى ذُراها وَقَدْ دَنـا
مِنَ اللَّيْـلِ مُلْتَفُّ الْحَـــديقَةِ أَسْــدَفُ
فَبِتُّ على حَدِّ الذِّراعَيْن مُجْذِيًــا
كَما يَــتَطَوّى الأَرْقَــمُ الْمُتَعَــطِّفُ
وَلَيْسَ جَهازي غَيْرُ نَعْلَيْن أَسْحَقَتْ
صُـدورُهــما مَخـْصورَةً لا تُــخَصَّف
وَضُنِّيَّةٍ، جُرْدٍ وَإخْلاقِ رَيْطــةٍ
إذا أَنْـــهَجَــتْ مِنْ جانِبٍ لا تُـكَفَّفُ

تاريخ الأدب والفن عندنا أو عند غيرنا تاريخ مُحاولات مواجهة ومقاومة اغتيال هذا الصراخ الموجود بالقوة وبالفعل شئنا ذلك ام أبيناه .. محاولة حصار النزوع الفردي للذات كي لا تقول قولها الفاصل الحاسم الذي يجب رغم جبروت الجو الماطر والإعصار أنْ تصدح بما تحسه مهما كلف ذلك من تكلفة، فلا شيء يمكن أنْ ينزع من آلإنسان إنسانيته آلأولى آلتي خُلق عليها منذ بدء آلبدء .. فما علينا الا أنْ نحاولَ تسليط الأضواء على الجانب المظلم من القمر فينا كيْ نَجْـأَرَ به عَلَنَـا ونُنِيرَ سُبُلَ الحياة الكريمة في مهامههِا الثكلى بآلاف القروح والكلوم والجروح .. ويجبُ أن يكون جُؤارُنَا مُنَظَّماً رصينا عقلانيا يتجنب العواطف والحماسة المبالغ فيها ويحسب للأحداث وظروفها وعواملها ألف حساب لينبس بالصوت المناسب في الوقت والمكان المناسبين _ وبالطريقة المناسبة كي لا تَمُرَّ فصولنا الجميلة ونحن عنها لاهون، فيصحُّ فينا قول الآية الكريمة : (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ) ...
مجمل القول، في كل منا ذئبُ وِهادٍ صامتٌ يحاول ما أمكنه إخراج عُوائه آلمُخَلّع إلى أقصى مَدًى في آلمدى دون تستطيعَ ذلك قُواه آلخائرة، ليحصلَ في آلنهاية على مجرد حيرة مضاعفة وبعضًا من لواعج رنين آلصدَى .. مجمل القول، هذا، مصيرنا آلمحتوم، لتدق آلساعة، إذن، ليُنْفَخ في آلصور، فَآلمَوْتُ، أَعْذَرُ لي وآلصَّبْرُ أَجْمَلُ بي و ... لا يهم نسيتُ بقية آلبقية لما نسيتُ نشوةَ نجاة آلغَلبةَ كيف تكونُ .. فلأحْترقْ، يا عَزائيَ آلأزليَّ، صَقيعيَ آلقابعَ في آلعَراء .. لِأَكُنْ، روح ذئب في غيابات آلوهاد .. لأكُنْ، يا نفسُ، آخرَ عُوَاءٍ صاخب تنجبه أشلاءُ فارس أجمات هذِه آلصحراء ..!!.. لأكن ذئبا في آلوهااااد ...

☆إشارات :
١_(ذئب الوهاد) استعارة من عنوان للألماني هرمان هيسه
٢_كتاب ( الحيوان) الجاحظ
٣_يطلقون لقب الذئب على إنسان بغاية أن يحمل صفات الشجاعة والوفاء للقطيع والزوجة والترفع عن الدنايا وعزة النفس وبر الوالدين.
_أغنية (مَكْوَاني) ناس الغيوان
_أغنية (فين غادي بيا خويا) ناس الغيوان
_سورة (المؤمنون)



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زَحِيييير
- لِيغَارَا لِيغَارَا
- يَمَّا .. مَمِّي .. مَاااايْمِي
- صَرْعَةُ قَتْلِ آلْأَبِ
- إِغْوَاء
- آوِيدْ آمَانْ آوِيدْ آمَانْ أَدَسْوَغْ
- الْبَارَحْ كُنْتِي سَارَحْ وَالْيُومْ رَاكْ مَسْرُوحْ
- حتى لا نَنْسَى حتى لا نُنْسَى
- لَمَّنْ نَشْكِي حَالِي
- سَالَّاسْ Sallas
- نَتَمَلْمَلُ بِلَا مَعْنَى
- فِينْ غَادِي بِيَا خُويَا
- مَا هَمُّونِي غِيرْ الرجالْ إِلى ضَاعُو
- وَأُخْرَيَااااتٌ مَازِلْنَ عَلَى بَالِي
- لَا فَااااائِدَة
- عَبْرَ مَعَارِجِ آلْغُيُومِ يَحْلُمُ بِآلطَّيَرَان
- أقْطَعُ بيَدي دابرَ كُلَّ مَنْ يُبْكِي الأمَّهاااات
- باركاااا...
- اَلْمَوْتُ لَيْسَ حَلًّا وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ
- حِنَّاءُ آلْمَوْتَى


المزيد.....




- شاهد: فيل هارب من السيرك يعرقل حركة المرور في ولاية مونتانا ...
- تردد القنوات الناقلة لمسلسل قيامة عثمان الحلقة 156 Kurulus O ...
- مايكل دوغلاس يطلب قتله في فيلم -الرجل النملة والدبور: كوانتم ...
- تسارع وتيرة محاكمة ترمب في قضية -الممثلة الإباحية-
- فيديو يحبس الأنفاس لفيل ضخم هارب من السيرك يتجول بشوارع إحدى ...
- بعد تكذيب الرواية الإسرائيلية.. ماذا نعرف عن الطفلة الفلسطين ...
- ترامب يثير جدلا بطلب غير عادى في قضية الممثلة الإباحية
- فنان مصري مشهور ينفعل على شخص في عزاء شيرين سيف النصر
- أفلام فلسطينية ومصرية ولبنانية تنافس في -نصف شهر المخرجين- ب ...
- -يونيسكو-ضيفة شرف المعرض  الدولي للنشر والكتاب بالرباط


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - ذِئْبُ آلْوِهَاد