أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - الْبَارَحْ كُنْتِي سَارَحْ وَالْيُومْ رَاكْ مَسْرُوحْ















المزيد.....

الْبَارَحْ كُنْتِي سَارَحْ وَالْيُومْ رَاكْ مَسْرُوحْ


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 7760 - 2023 / 10 / 10 - 15:47
المحور: الادب والفن
    


خطيئة (وينستون سميث) لم تك كلمة، لم تك عبارة، بل مجرد خاطرة خطرتْ على حين غرة في دماغه آستوجبتْ عواقبَ وخيمة عاشها في بشاعة قاسية تحت جريرة جريمة فكر بعدها بكى دمعتيْن قبل يسلم روحه لغير محبة (الأخ الأكبر) .. لقد وصف جورج أورويل في روايته "1984" بشكل دقيق تحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية نتيجة سطوة الأحزاب السلطوية الشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر بلا عواطف بلا طموحات أو آمال، يعملون كالآلات خوفا من سطوة جبروت (الأخ الأكبر) ورغبة في نيل رضاه .. إنه دوما هنا حاضر في اللحظة في المكان يراقبهم على مدار الساعة .. اننا نعيش في زريبة مُغلقة للحيوانات الآدمية المُروضَة رغم أنفها تماما كما في وقائعنا الراهنة وغير الراهنة في مجتمعات “ديسوتوبية" كابوسية قائمة على التحكم المتطرف الشمولي المطلق المتسلط القامع المستبد السالب للإرادات والحريات وكل شيء .. الأكل والشرب والمعرفة والهواء والتراب .. والحياة والموت ... في (أوشيانيا) يستبد الحزب الداخلي بقيادة (الأخ الأكبر) استبدادا مذهلا جبارا على باقي الطبقات؛ فهو يزرع شاشات الرصد في فضاءات الزريبة كلها؛ وهذه الشاشات مهمتها مراقبة الشعب ونشر الأخبار الملفقة وإصدار الأوامر للأفراد، ويغرس الحزب الميكروفونات ولاقطات الاستشعارات في كل مكان لرصد كل همسة من المسمى شعبا؛ بل ويتجاوز الحزب ذلك فيعمد لتحطيم العلاقات الأسرية لإفناء كل ولاء ليس موجه له؛ ولإذلال العملية الحميمية يجعلها مجرد وسيلة بيولوجية ميكانيكية لخدمة مخططاته وأجنداته مُجرِدا إياها من أي رغبة أو وله أو عاطفة أو روح قاطعا دابر أي احتمال لنشوء ولاء لغير الخضوع ل (الأخ الأكبر) .. يصل الحزب المتسلط ذروة تحكمه حين يتفوق على نفسه ليصل لمرحلة الاستبداد العقلي، فيسيطر على اللغة مدمرا أعرافها وعاداتها المتوارثة معيدا تركيب كلماتها بدلالات جديدة؛ بل يصنع لغة جديدة قاطعا الاتصال بالحضارات الأخرى محرفا التاريخ ملفّقا الماضي، قالبا الحقائق ليصنع عوالم جديدة مبتورة الجذور والأوصال حتى تتوه العقول تتلف القلوب فلا تجد إلا الحزب الراعي الأكبر كحقيقة ثابتة تستطيع أن يؤمن بها قطيع الرعايا المتناسل ليل نهار ...
أحداث الرواية تدور في دولة "أوشيانيا" حيث الايدلوجية الاشتراكية الإنجليزية أو ما يسميه الحزب الداخلي بـ:(الإنجسوك)، ينقسم المجتمع فيه لثلاث طبقات : طبقة “الحزب الداخلي”، نسبتها اثنان من المئة من السكان، وطبقة “الحزب الخارجي”، نسبتها ثلاثة عشرة من المئة، وأخيرا طبقة “العامة” التي تشكل الأغلبية في كمها لا في نوعها .. وفوق هذه الطبقات كلها يوجد الحاكم بأمره المسيطر المستبد راعي الرعايا (الأخ الأكبر) .. هذه الشخصية التي أصبحت من أكثر الشخصيات الروائية شهرة؛ بل إنها أضحتْ رمزا لأي عملية استبداد أو تجسس أو قمع في عوالمنا الراهنة ... وبالمناسبة، سبب تسمية إحدى برامج التلفزيون الغربي بداية ٢٠٠٠ ب(الأخ الأكبر) راجع إلى عملية المراقبة الدائمة للمشاركين فيه وهي مراقبة طوعية آختيارية يتنافس فيها المتبارون على إخلاص الولاء والطاعة .. ولعلنا نلفي الكثيرَ من الأمثلة المشابهة في حيواتنا المُطَوَّقَة بأسلاك سجون الإعلام بأنواعه وسياسات وزارات الداخلية والخارجية في حكوماتنا المتخلفة التي تبيع تشتري في نسمات مواطنيها معتبرةً أنفاسهم ملكَ سلطتها الواهمة .. رواية (أورويل) تعرض طريق الخلاص من ذلك كله، رغم كثرة الصعوبات وتشعب العراقيل .. والخطوة الأولى في التحرر من مزرعة "سي السيد" الحاكم بأمره هي الوعي بالمسألة .. المسألة كلها .. وطريق ألف ميل يبدأ دائما بخطوة واحدة .. وهذه الخطوة في هذه القضية هي : الوعي .. !! ..
في رواية (الدون الهادئ) لميخائيل شولوخوف نقرأ الحوار التالي :
_ إنَّ أفْرَادَ الشَّعْبِ جهلة، والحاكمون يُبْقُونَهُم في الجهل خَوْفَ أَنْ يطيحوا بهم؛ لكن هذا الجهل لنْ يَطُولَ، فَسَتُزَعْزِعُهُ الحَرْبُ و ويلاتها، والرَّعْدُ تتبعه العواصِفُ .. هل فهمت؟
_لا أدري لستُ مُتَأَكِّدا.
_إذن، افهمْ .. مِنْ واجبنا أَنْ نُدِيرَ بنادقنا الى صُدور مَنْ ساقُونا الى الحرْبِ، وبعد ذلك يَغْرَقُ نظامُهم بأكمله في مَوْجَةِ حُقوق الشعْبِ.
_إذن، أنتَ تَرَى أَنْ يُقْلَبَ كلُّ شيء ؟
_نعم، لقد جَزُّوا الصُّوفَ عَنْ ظهورنا طويلا .. فَلْنجزَّهُ لأنفسِنا بعد الآن.
_والحرب !! ماذا تفعلُ بها بعد قَلْبِ كل شيء ! سيظلُّ الناس يتحاربون .. هكذا كانوا منذ أجيال، وسوفَ لا يغيرون عاداتهم.
_هذا صحيح، إنَّ الحربَ ستظلُّ حتى يتم نَكْسُ الحكم الفاسد .. حكم القياصرة والأغنياء .. أما حين يكونُ الحُكْمُ للعُمَّال والفُقراء، فلنْ يكونَ هناك حُروب .. عندما يحكمُ العُمَّال في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا بلادَهُم ولصالحهم .. لنْ تكونَ هنالك مصلحة لأحَدٍ في الحرب وسيعيشون جميعا إخْوَةً مُتَحَابينَ .. آه .. ليتنِي أشهدُ ذلك اليوم .. فأنا أفديه بكل قطرة من دمي .. (١)
هذا الحوار بين شخصيتيْ "كارنجا" و "غريغوري" يعكس مثالية طوباوية حالمة بعالم يوتوبي متعال لن يوجد أبدا مادامت الوقائع على مدى تاريخ الشعوب والحكام تبث عكس ذلك، ومادام الوعي لم يصل بعد رغم طول مراس حياة هذه الشعوب إلى محطة أمان يتوازن فيها هذا الوعي ويستقر .. ما علينا إلا أن نستعيد شريط ما وقع من أحداث في ما نُعِتَ بالتمردات والثورات والاحتجاجات التي خاض غمارها مُفَقرو العالم في الثورة الفرنسية والسوفياتية وما لف لفهما سنجد النتيجة نفسها : شعب يلتهم نفسه بطرق بشعة في ساديتها كأنه بسلوكه الصاخب الأرعن يطلب ويلح في الطلب رعاية الراعي الذي ألف رعايته .. للأسف، أضحى لدينا، كشعوب، منسوب "تمردي" خبزي بيولوجي يقتاتنا قبل نقتات من فتاته، ضعفنا أصابنا الهوان انتكسنا خسرنا أنفسنا قبل نخسر قضايانا تاه الوعي تملقت الثقافة تشوهت تضبب الإدراك لما انحصر اهتمامنا بمصالحنا الشخصية الضيقة، تخاذلنا في الدفاع عن تحدياتنا الكبرى الاجتماعية والسياسية والحضارية .. أفسدنا موعدنا مع مصائرنا في أكثر من مناسبة في التاريخ الآدمي .. سَعْداتْنَا وا فرحتنا لقد تم تدجيننا بآمتياز في زريبة نحن مَن آختار، للأسف، سجانيها ومُرَوضيها .. يقول (الغيوان) صادقين مخاطبين مصائر هؤلاء المدجنين :
يــا خَيِــي يــا خيــي
عيد لي خبار لبــارح
راه قلبي مجـروح
البارح كنتي سـارح
واليوم راك مســروح (٢)

☆إشارات :
١_ رواية"الدون الهادئ"/ميخائيل شولوخوف/الكتاب الثاني/الفصل الثاني/صفحة:205+206
٢_السارح في اللسان الدارج المغربي هو الراعي، والمسروح هو القطيع الذي يتلقى فعل السرح بطواعية وخنوع ..
مما جاء في الأغنية في مقطعها الأخير :
(وادايْني يا دايْنـــــــي
أشنو غطاك الليلـــــي
عيدْ لي خْبار لبــارحْ
راه قلبي مجــــروحْ
البارحْ كنتي ســـارَحْ
واليوم راك مســروح
أشنو ذنب يــــــافــــا
وحيفــــــــا وعكـــــــا
ياك غلبو ما عفــــــو
يـــاك ثقـلـو ما خفـــو
ياك عذبونا وكلـفــــو
يـــا دينــي يــا دينــي
صبرك عَلْ الذل خيي
ما يزيدك غير مذلـــة
وإلى سكتـــي خيـــي
على الظالم زادْ تعــــلا
وإلى كنتِ حر خيـــي
زول هـــــــاذ العلـــة)



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حتى لا نَنْسَى حتى لا نُنْسَى
- لَمَّنْ نَشْكِي حَالِي
- سَالَّاسْ Sallas
- نَتَمَلْمَلُ بِلَا مَعْنَى
- فِينْ غَادِي بِيَا خُويَا
- مَا هَمُّونِي غِيرْ الرجالْ إِلى ضَاعُو
- وَأُخْرَيَااااتٌ مَازِلْنَ عَلَى بَالِي
- لَا فَااااائِدَة
- عَبْرَ مَعَارِجِ آلْغُيُومِ يَحْلُمُ بِآلطَّيَرَان
- أقْطَعُ بيَدي دابرَ كُلَّ مَنْ يُبْكِي الأمَّهاااات
- باركاااا...
- اَلْمَوْتُ لَيْسَ حَلًّا وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ
- حِنَّاءُ آلْمَوْتَى
- خَاطِرَة عَشْرِينْ
- لَقَدْ كَانَتْ سَعِيييييدَة
- مُنَاجَاة
- لَا لِقَاءَ بَيْنَ آلْمُتَوَازِيَات
- أَشُمُّ أَسْمَعُ أَلْمُسُ وأرَى
- بَلْدَةُ (الْفَحْص) .. تِلْكَ آلْقِيَامَةُ آلْمُنْتَظَرَة
- آهَاااوَااا..ذاكَ آلصوتُ آلقادمُ مِنَ آلجنوب


المزيد.....




- الفنانة يسرا: فرحانة إني عملت -شقو- ودوري مليان شر (فيديو)
- حوار قديم مع الراحل صلاح السعدني يكشف عن حبه لرئيس مصري ساب ...
- تجربة الروائي الراحل إلياس فركوح.. السرد والسيرة والانعتاق م ...
- قصة علم النَّحو.. نشأته وأعلامه ومدارسه وتطوّره
- قريبه يكشف.. كيف دخل صلاح السعدني عالم التمثيل؟
- بالأرقام.. 4 أفلام مصرية تنافس من حيث الإيرادات في موسم عيد ...
- الموسيقى الحزينة قد تفيد صحتك.. ألبوم تايلور سويفت الجديد مث ...
- أحمد عز ومحمد إمام.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 وأفضل الأعم ...
- تيلور سويفت تفاجئ الجمهور بألبومها الجديد
- هتستمتع بمسلسلات و أفلام و برامج هتخليك تنبسط من أول ما تشوف ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - الْبَارَحْ كُنْتِي سَارَحْ وَالْيُومْ رَاكْ مَسْرُوحْ