أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - العالم الذي هناك..(بخصوص فيلم:-vivre sa vie-لجون لوك غودار)















المزيد.....

العالم الذي هناك..(بخصوص فيلم:-vivre sa vie-لجون لوك غودار)


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 7328 - 2022 / 8 / 2 - 16:59
المحور: الادب والفن
    


إن قراءة شريط سينمائي مِن فَصيلة"أفلام المؤلف" التي انتشرت في أوربا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تجعلنا لا نفارق فضاءات القراءة والكتابة، بل نوازيها نعمقها أكثر بمحاولة آستقراء مؤشرات لاقطة من أجل تشكيل دلالات آفتراضية غير مغلقة وغير نهائية مُتْرَعة بأفياء رحيبة من الاستعارات والرموز لا تنتهي عوالمُها الدلالية الا لتبدأ من جديد،ولعل أفلام من طينة ما أخرجه"لويس بونويل"و"جون كوكتو"في أفلامهما القصيرة خير مثال على هذه الرحابة التي أتحدثُ عنها؛بيد أني لنْ أُقاربَ هنا أفلام هذيْن المُخرجَيْنِ.لنْ أتكلم عن"دم شاعر"ولا عن"الكلب الأندلسي"ولا عن غيرهما من الأشرطة التي لم تقفُوا آثار سوق هوليوود التجارية؛ بل سأخصُّ بالحديث شريطا لِمَنْ آعْتُبِرَ تلميذا وَفيا لذيْنك المُخرجيْن ولِ"جون رونوار"الى درجة أصبح الحديث عاديا في فرنسا الثقافية عن الموجة الجديدة في السينما قُبيل لحظات زمنية قصيرة مما سُمي بثورة 1968 التي جاءتْ في خضم زخم وقلق وتأمل تفاعَلَتْ فيه تيارات فلسفية وأدبية وسياسية واجتماعية بطريقة قَلّ نظيرها في تاريخ فرنسا الحديث...
"vivre sa vie"يمكن ترجمته ب"لِتَحْيَ حياتها" أو"عاشت حياتها"فيلم للمخرج الفرنسي"جون لوك غودار"، يلعب فيه الصمت والصورة والشكل واللغة المكتوبة والعناوين وصوت المخرج دورا مهما في إنتاج الدلالة في إطار ما عُرف ب"سينما المؤلف"أو الموجة الجديدة..
ولد"غودار"في باريس.أخرج أول أفلامه "a bout de soufle"عام1959، و"vivre sa vie "عام 1962.
و"Pierrot le fou"(بيير المجنون)، وفيلم الخيال العلمي "Alphaville"مدينة ألفا..وغيرها التي اهتمت بالعناصر الجمالية وبالصورة وبالنظرة الوجودية للحياة، لذلك لا غرابة في تعامل المخرج مع روائيين من شاكلة الايطالي"ألبيرتو مورافيا"في رواية "الاحتقار"مثلا ...
يُعبر فيلمه"لتعشْ حياتها"عن رفض للمتاهات التي غرق فيها المجتمع الاستهلاكي الحديث وعن سيزيفية البحث عن شيء جميل آسمه:السعادة وعن اقرار الحق بالحلم والاصرار على محاولة تحقيقه رغم العلم المسبق بصعوبة أو باستحالة المحاولة...
السيناريو يحدد آثنتي عشرة لوحة بشخصيات كثيرة أكتفي بذكر شخصيتيْن رئيسيتيْن وهما:المرأة التي تمارس أقدم مهنة في تاريخ الانسانية، ويذكرنا آسمها بآسم شخصية"نانا"النسائية في رواية فرنسية ل"اميل زولا" "Nana d’Emile Zola"التي تحولت بدورها الى السينما مرارا، كانت إحداها على يد المخرج"جون غونوار"أحد أساتذة"غودار" ...
إن فيلمنا هذا حاول نقلَ الحياة كما هي على الشاشة دون رتوشات أو أصباغ أو تعديلات على شاكلة ما كان يفعل الألماني"بريخت"في مسرحه الملحمي، فليس هناك ذاك التتابع والتسلسل المنطقي المعهود في الأفلام التي تَروم إحداث تشويق تشد به الانتباه ولو على حساب اللغة السينمائيةوخصوصيتها.الأحداث بالمفهوم التقليدي ملغاة هنا.لا تشويق..لا أحلام مجانية.لا سحر على الشاشة.هناك فقط واقع منهار نعيشه وكفى.إنه القدر الذي لا مناص من العيش فيه وبه.انه المبتدأالمنتهى..الواقع المَعيش مجرد من التشويق ومن الأشياء الخارقة للعادة.كل شيء عادي.واقع مفروض علينا.ونحن مَجبرون على تقبله كما هو.لا خَيار لدينا."نانا"تعيش وجودها الخاص في تحولاته المقيتة.تتحولُ من جوهرها الانساني إلى سلعة قابلة للاستهلاك ليس الا..لا مُفاجآت في الطريق الذي هناك، لا حلول لمشاكل الحياة الراهنة..لا زمنَ آت يخالف الزمن الذي فاتَ، أو على حد تعبير شاعرنا "أحمد شوقي":

سنون تُعَادُ و دهر يعيدُ
لعمرُكَ ما في الليالي جديدُ

يُقسم"غودار"شريطه الى آثنتيْ عشرة لوحة معنونة بطريقة تُكَسِّرُ تشويقنا وتستفز رغبتنا"الزائفة"المفتعلة في متابعة وتيرة الأحداث الممكنة.العناوين تُحددُ سلفا ما سيحدثُ للشخصية فلا داعي للانتظار لأن لاَ جديد تحت شمس المَوجودين.."نانا"تبحثُ بإلحاح عن معنى ما لوجودها، عن كَينونتها الخاصة في عالمها الخاص الأصيل بعيدا عن مجتمع التشييئ والاستهلاك.تترك عملها بمحل بيع الاسطوانات التي تكرر اللحن نفسَهُ والنوتات الموسيقية نفسها دون تغيير، دون تحول ليغرق وجودها في دوامة الدوران الذي يطوقُ أصالة الوجود و يحاصرها بشكل يحس فيه الانسان بسجن وجود زائف.وهذا الشعور نفسه انتشرَ عند شعرائنا العرب في المرحلة نفسها(شعراء التفعيلة)الى درجة أصبح عاديا أن نقارب في أشعارهم تيمات:التيه والغربة والضياع واليُتْم والقلق والألم والحياة والموت والانتظار العبثي لحل لا يأتي، ولو في موت سعيد على شاكلة رائعة "ألبير كامو":الموت السعيد..يقول شاعرنا بدر شاكر السياب في بداية قصيدته"عكاز في الجحيم" :

و بقيتُ أدُورُ
حول الطاحونة من ألمِي
ثَوْراً معصوبا كالصخرة هيهات تثورُ
لكني أعجز عن سير ويْلاه على قَدمِي
و سَريري سجني تابوتي منفاي إلى الألمِ
و إلى العَدَمِ

تغرق"نانا"في دوامة اليومي الرتيب الفاتر الحادر..وليعمقَ المخرجُ دلالةَ هذا الفتور في اليومي المعاد والمكرر، عمد الى توظيف صوته الشخصي المباشر والى تقنيات السينما المباشرة والأحاديث التلفزيونية والصحفية والتسجيلية والوثائقية؛ وأفتحُ قوسا هنا لأشير الى أن ظاهرة الوثائقية أصبحت مَلمحا لافتا وظاهرة متكررة في سينما هوليود ما بعد الألفية، وهناك عناوين كثيرة تثبت ذلك لا داعي للخوض فيها الآن، فهي معروفة على أية حال..لقد استحضر المخرج أشخاصا ليمثلوا شخصياتهم الحقيقية كما هي في الواقع خارج الفيلم كما فعل مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي"بريس باران"وهو يتحاور مع الشخصية الرئيسة في حَان كانت تألف آرتباده..وفيما يلي مقطع من الحوار الذي دار بين الشخصيتيْن وهما في بداية تعارفهما:

( قالت نانا:_ يضايقك أن أنظر اليك؟؟
الرجل :_كلا
نانا:_ يبدو عليك أنك تشعر بالضيق
الرجل:_كلا على الاطـلاق
نانا:_ وما الذي تفعله؟
الرجل : _أقرَأُ
نانا:أتَتَرَدَّدُ كثيرا على هذا المكان؟
الرجل:_كلا..بل في بعض الأحيان..اليوم مثلا أتيتُ بالصدفـة
نانا:لماذا تقرأ؟
الرجل:_انها مهنتــي...)

ان حوار هذا المشهد يجعلنا أمام"نانا"مفكرة و"فيلسوفة"بالرغم منها.انها تمارس فطرتها وسليقتها ولا فرق بينها في ذلك وبين الفيلسوف المحترف؛ لكن شروط الوصول الى هذه المرتبة من الصفاء والرواء الوجوديين رغم حجم كثافة الدخان الذي ينفثانه رهينة بترك الآخرين الغارقين في الزيف في غبش حان مُتْرَعٍ بالضجيج والصخب دون أن يلفتَ ذلك انتباههما أو يؤثر فيهما سلبا، ودون أنْ يعيراه ملاحظتهما أو يفقدهما تركيزهما في حوارهما العميق في كينونة الوجود وصيرورته؛ مما يعكس امكانية اثبات عيش وجود خاص رغم محاصرته بوجود عام، بل وطرح أسئلة فارقة بخصوصه شريطة التوغل في عمق الذات وإفراغها من شوائب الوجود الزائف..هذا الوجود غير الأصيل هو الذي تتحدث عنه شخصية"راؤول"عندما تتكلم عن ظاهرة الدعارة بطريقة تسجيلية بحتة مركزا على النظام الذي يحكمها وقوانينها بالأرقام والاحصاءات الدقيقة بشكل تقريري صرف..ان الشاشة هنا لا تنغلق عن العالم الذي تركناه هناك خارجا بل تنفتح عليه وتعيد اجتراره كما هو.ان الفيلم يضرب عُرض الفراغ مبدأ التطهير الذي طالما وُجِدَ في الدراما اليونانية القديمة، ليبقى العالم كما هو، والأزمة كما هي، وعلى كل واحد منا البحث عن معنى ما في وجوده الخاص بعيدا عن تراكمات عوالم الزيف والغش...
إننا مدعوون في مثل عالمنا الموبوء الى عملية قَيئ بتعبير سارتري واضح.قيئ الأوباء والمسوخات والتشيؤات التي أمسينا مُطَوقين بها في دُنانا الدنية ليل نهار...



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فِي آلْعَاشِرةِ أَوْ يَزِيدُ
- لِطَنْجَةَ غَوْرٌ أحِنُّ إلَيْهِ
- هَا أَنَذَا !!
- بَلْدَاتُ أعْمَاقِ آلْعِنَادِ
- ثُمَّ تَنْسَحِبُ ...
- مُطْلَقُ آلجنون وكفى
- مُطاردة
- غِياب
- مُولايْ عَبقادرْ جيلالي تَزَكَّا
- شُمُوسٌ سُود
- أُوَار...(قصة)
- ضرورة آلثقافة
- رَجُلٌ يَنَامُ
- حُلْمٌ بَارِد
- عِيدٌ لَا يشبه باقي آلأعياد
- زُرْقَةٌ لَا تُطَاقُ ...
- الجبل السحري المازيغي
- مقام الخوف
- عنبر كورونا
- عطسة


المزيد.....




- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق
- الكاتب الأوكراني أندري كوركوف: أعيش زمن الحرب بجوارحي وأكتب ...
- مكتبة البوابة: -الصريم- روايةٌ بنكهةِ الأصالةِ
- -الاستبدال الكبير يقع بأعماق البحر أيضا-.. ضجة مستمرة بعد لع ...
- روسيا وأوكرانيا: إلغاء حفلات روجر ووترز في بولندا وسط رد فعل ...
- استشهاد شيرين أبو عاقلة في سجل توثيقي جديد لمؤسسة الدراسات ا ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - العالم الذي هناك..(بخصوص فيلم:-vivre sa vie-لجون لوك غودار)