أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - مُطاردة















المزيد.....

مُطاردة


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 7323 - 2022 / 7 / 28 - 21:47
المحور: الادب والفن
    


تَجَمَّدَ في مكانه.تَنَمَّلَ كُلُّ شيء فيه.خَدَرٌ لَذيذٌ آعْتَرَاهُ أفْشَلَ قُدْرَتَهُ على الحركة.المكان هو المكان، أمّا الزمن فلم يتوقفْ لم يتجمدْ.هو تَجَمَّدَ لحظةً حتى بَدَأ رتْلٌ من النمل يصعدُ من رجليْهِ ليشملَ بقية أطرافه.هذا يومٌ عَصيبٌ، قال يخاطب ننفسه فلمّا لَمْ ترد عليه نفسُهُ التفتَ خلفه.إِنه لا يزال هناك وراءه يتربص..ذلك الشبح يتبعه منذ فترة غير قصيرة.توقف يتيقن المسألةَ، ربما تكون هلوسةً من هلوساته المتكررة..لِمَ لا؟..فقد آعتادَتْه في الأيام الأخيرة حتى إنه لا يستطيعُ منها فكاكا..فًلْيُجَرّبْ.ما عساه يخسر..لا شيء..بل سيستريحُ من هذا الخاطر الذي يجهز عليه.لقد كانت شجاعةً كبيرةً منه أن يهم بالوقوف..مَنْ يدري..ربما هاجَمَهُ المتربِّصُ..اُووف مرةً أخرى هذه الهلوسة..تبا..!!..إنها مجرد خَطَرَات رُؤًى في وضح النهار..تهيؤات ليس غير.حَاوَلَ النظرَ خلفه لكنه لم يفعل، إنه يُصغي لأنفاسه تلاحقه..لازال وراءه متربصاً واقفا.أجهزَ عليه صوتٌ من داخله يُوَبِّخُهُ..تشَجعْ حَدِّقْ فيه..!!..لَمْ يفعلْ.تجمد في مكانه.كل شيء تَخَدَّرَ فيه إِلا شيء أخذ يتدحرجُ شيئا فشيئا..من داخل أحشائه ابتدأتِ الحركةُ خَفيفةً من عمق معدته آستمرتْ تتصاعدُ الى فوق حتى بلغتِ الحلقومَ..تذكر آية كان يتلوها فَقِيهُ الكُتّاب في ذلك الزمن"بلغت الروح الحلقوم"..فعلاً إنها رُوحُه الآن التي وصلتِ الحَنْجَرَةَ وقفتْ دون أنْ تخرجَ.تَصَلبتْ هي الأخرى مكانَها.تنملَّتْ.باضَ نملٌ بيضَهُ فيها فَرّخَتِ يَعَاسِيبُ.يَبْسُرُ وجْهُهُ.يشتدُّ عبوسُهُ ينفُذُ صبرُهُ.يضيق الصدرُ تنقبض الأنفاسُ..رمالٌ خشنةٌ غبراء أشواكٌ مُسَنَّنَةٌ تُطَوِّقُ رأسَه.تحيط العنق.تُغْلِقُ فَتْحَتَيْ الأنف تَقيئُ ديداناً عملاقةً في فَمٍ ظل فارغا مشدوها من هول المشهد..سَيتحركُ..لابد أن يتحرك..يفعلَ شيئا.. يَدْعَسَ هذا البيضَ،هذي الفراخ المُتعفنة في تناسلها..المُتربصُ لازال متربصا.يُؤْمِنُ الآن أكثر من أي لحظة مَضَتْ بوُجوب فك الأغلالِ عن صدره المحاصَرِ..سيتحرك..لا بد.. تحَرَّكْ..!!..تململْ..!!..كُنْ شُجاعا ولو مرة في حياتكَ المتوجسة..انظرْ..حَدِّقْ..تَرَبَّصْ أنتَ الآخر..!!..اُدخلِ اللعبةَ..ماذا ستخسر؟لا شيء..هي تجربةٌ إِنْ لمْ تنفعْ لن تضرّ..اُنظرْ وراءك في تحد دون مواربة؟ماذا رأيتَ..؟؟..المتربصُ يمتطي سيارةً..السيارة خلفكَ رابضةٌ.هو يتحركُ.أنتَ تتحركُ.ببُطْءٍ تمشيان.هي تتبعكَ.أنتَ أمامها.هي وراءَكَ تطاردكَ.أنتَ مُطارَدٌ..لَكَمْ تَمْقُتُ أنْ تكونَ كذلك،لكن ما عساكَ تفعل؟هي وضعية لَمْ تخترها..يجب أن تُخَلِّصَ نفسَكَ منها بأية وسيلة وبأقل الخسائر..نَظَرَ إلى الوراء.تَجَرّأَ هذه المرة بشكل يبعث على الارتياح،أمعنَ النظرَ..كان هناك..لازال هناك..مَنْ تُراهُ يكون؟لَمْ يستطعْ الكشف عن مظهره كاملا..هالةٌ من ضباب أسود تلفه.بَدَا طيفا أو ظلا شبحٍ باهثِ الملامح.وجهٌ غارقٌ في دكنة حالكة..عينان تغطيهما نظارتان سميكتان تحجبانهما..مثل هذه المخلوقات غير مألوفة لديه.لا يعرف شخصا بهذه الصفات..كَسَرْتَ جُمُودَكَ تحرَّكْتَ.تبعكَ.تذكَّرْتَ هيتشكوك.أسرعتَ الخُـطى..الى الأمام..الأمام دائما..تحركْ..لا تنظُرْ جهته..ما هذه الأصوات..!؟..إِنَّها حادة عنيفة..ربما العجلات..نعم هي عَجلاتُ يَتَمَادَى صوتُ دَورانِها البطيئ على الطريق المزفت خفيفا رشيقا هادئا كَيَدِ عاشقٍ يداعبُ شعرَ محبوبته..العشق!؟ما هذا السخف؟هذا مأزق خطير، ما دخْلُ العشق هنا؟خَطَرَاتٌ غريبةٌ تنتظم في أسلاك مُشوشَّة التنظيم..آه..!!..بدأتُ أفقدُ صَوَابي إِنها الهَلْوساتُ مرة أخرى تزلزلُ ثقتي في السيطرة على نفسي..لطالما حاربْتُها مُحاولا إِقصاءها من حياتي دون جدوى..إِنها دائما تهم تودي بي في شعاب مجاهلَ أتيهُ فيها أضيعُ..ألَيْسَتْْ هذه قصة عشق عنيفة؟العشق مرة أخرى..؟!..تبا..!!..لا تتأففْ،لا تقلقْ..!!..تقولُ لك نفسُكَ..كنتَ خائفا.أحْسَسْتَ سائلاً لزجاً يدغدغُ ساقيْكَ.كنتَ تحب أفلامَ هيتشكوك، أما الآن فأمسيتَ تكرهه تكرهها..يجب أن تهرب..هو هاربٌ الآنَ المُتربص وراءه.في بداية الأمر لم يكن يريد أنْ يُشْعِرَه بقلقه وتوتره، غير أن الأمورَ وصلت الى حَدٍّ لَمْ يَعُدْ يَحتمل فيه هذا الوضع ولم يعدْ باستطاعته التفكير أو التصرف بحكمة.إِنهُ الهَرَبُ المَنْفَذُ الوحيد للنجاة من هذا الشّرَك الذي لم يكن في الحسبان، خصوصا وأنّ الطريقَ فارغة إلا منه ومن مطارده..ماذا يريد مني؟مَنْ يكون؟ما قصته؟ما شأنه معي؟أسئلةٌ كُنْتَ تطرحها.تُلِحُّ عليكَ فتعاود طرحها باستمرار مع تصاعد عملية المُلاحقة دون تهتديَ الى أجوبة هادية شافية تُهَدِّئُ رَوْعَكَ تساعدكَ على مواجهة وضعك الشاذ..قلتَ لنفسكَ..سأقفُ وأتجه صوبه مباشرة أضعُ بين يديه وساوسي كلها..لكن الخوف من العواقب ومن ردود الأفعال غير المُتوقعة أقصى الفكرةَ من رأسكَ، فأسْلَمْتَ رجليْكَ للريح دون تخمين أو تفكير..غريزيا، ألفيْتَ ساقيْكَ تَحُثانكَ على العدو فعدوتَ...
في الفيلم،عند هيتشكوك..البطلُ المُطارَدُ كان برفقة حبيبته، أما أنتَ فوحدكَ كنتَ، ليس معك حبيبةٌ.مَعَكَ رجْلاكَ اللتان تعدوان.معكَ نفسكَ التي يجب عليكَ إِنْقاها.هَرَبَ.فَرّ إلى الأمام.تبعته السيارة.أسرعَ الخَطَى. أسرعتْ عجلاتُها الدورانَ.سرعتُها كبيرة.سرعتُه بطيئة.يلهثُ.تُفْرِزُ دخاناً أسودَ.يفرز لهاثا بخارا.يَعْدو.تتبعه. تلاحقُهُ.يتعبُ.يتنفس بصعوبة.حِبَالٌ من رمال خشنة غبراء وأشواك ذات براثن مَعقوفة تقطع السبيلَ..أكيد، إِنّه رآها أمامه تسد مسلكه.هي نفسها تطوقه من كل الجهات.يتوقفُ.يُقَوِّسُ ظهره جاعلاً يديْهِ على ركبتيْهِ.يختنقُ. يسعلُ مراراً.يتسارع شهيقه والزفيرُ حتى خَالَهُمَا يتوقفان فجأةً عند الصعود و الهبوط عبر مسالك الهواء.. يستمر لهاثه كَمَسْلولٍ انتفخ جوفُه على حين غرة..تصلُ السيارة.تصبح حِذاءهُ مباشرة ثُمّ كما في الحلم تَمُرُّ. تتجاوزه في حركة مُتثاقلة شيئا فشيئا مُنسابة كأفعى مُدَرّبة حتى غابت في المدى بعيدا عنه..تقفُ مُتصلبا في مكانكَ من جديد.تهوي.تُقْعِي على الأرض كيفما اتفق كذئب عجوز متعب.تُسَرحُ رِجليْكَ أمامكَ مُمسكابقبضة يَدَيْكَ على يافوخكَ تُخَففُ عنه صداعا يَحُومُ حولكَ من كل اتجاه.مَطارق صاخبة يتوالى دقها في نخاعكَ، فتحس لوقعها زلزلةً عنيفةً ترتعد لها فرائصكَ..ثم بدأتْ أطرافكَ تغيبُ عنكَ في دَعة في هناء.لَمْ تَعُدْ تحس بسيلان العرق عبر مسامكَ. أغلقتَ مُقلتيْكَ.كل شيء فيكَ تَنَّمَلَ، وأخذتَ تحس بخدر لذيذ يَعْتريكَ رُويدا رُويدا.قاوَمْتَهُ في البداية، بيد أنكَ سرعان ما استسلمتَ له..عالم أرجواني بأضواء ساطعة بَدَا لكَ مُغريا..لو أنكَ فقط تستطيعُ السباحةَ في هذه الأضواء لَينْطَلَقَ كُلُّ شيء فيكَ مُحلقاً مُرفرفاً في هذا الفضاء الرحيب الوهاج.. وبدأتْ تغرقُ في غِلالةٍ من ضباب أسود كالسخام..من أين أتى؟؟لستَ تدري..و في أذنيْكَ عَلاَ صَدَى صداع.. صُداع..ماذا..؟؟..أكيد..إنها هي نفسها المركبة..هي هي..بمحركها الناعق القوي..عَبثا فتحْتَ محجريْكَ محاولاً إِزاحةَ اليَحموم من بؤبؤيكَ..لم تكنْ تَرَى شيئاً سوى نجوم تتلألأُ من بعيد ثم تغيب.ولمْ تكنْ تسمع الا صوت محرك زاعق مَمزوجاً ببوق يزمجر ساخطا..انها قادمة..واختلطتِ الصور..لَمْ تَعُدْ تَتبينُ أي شيء.كانت عيناكَ مُغلقتيْن، ولما هممتَ بفتحهما فَاجأَتْكَ هَالَةٌ من دُخان من نقع وغبار وفُلاذٍ ذي صَفيح يصدمكَ بعنف..ماذا رأيتَ بعد ذلك..؟؟..فقط مَزيدا من سخام الدخان..مجرد بقايا دخان..ماذا سمعتَ..؟؟..صَـدَى محرك سيارة تبتعد. أردتَ أن تفكرَ في ما وقع، غير أن رأسكَ كان مَفلوقا والدم يسيل من أنفك وفمك،وبدأتَ تغرق تغرق في ألوان حمراء شاهقة تدور تتلولب تدوخ حتى آنقطعتْ أنفاسُكَ على مَهل وَ..وَوَو َوَوَوَوَ..ووو...



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غِياب
- مُولايْ عَبقادرْ جيلالي تَزَكَّا
- شُمُوسٌ سُود
- أُوَار...(قصة)
- ضرورة آلثقافة
- رَجُلٌ يَنَامُ
- حُلْمٌ بَارِد
- عِيدٌ لَا يشبه باقي آلأعياد
- زُرْقَةٌ لَا تُطَاقُ ...
- الجبل السحري المازيغي
- مقام الخوف
- عنبر كورونا
- عطسة
- ثيران في شاطئ ماريم...


المزيد.....




- إقبال على تعلم اللغة الروسية في مدارس سوريا
- جائزة نوبل للآداب -الساعية للتنوع- قد تحمل مفاجأة هذا العام ...
- شمس البارودي.. فنانة مصرية من أصول سورية
- إيلون موسك مهتمّ بقراءة أخبار وسائل الإعلام الروسية!
- صفعة الأوسكار تطارد ويل سميث في فيلمه الجديد
- ليلى بورصالي: تجربتي في التمثيل ساعدتني في مسيرتي الموسيقية ...
- العراق يزيد رقعة زراعة القمح لنحو مليون فدان في 2022-2023
- شاهد: أوكراني يستخدم صندوق الموسيقى اليدوي لنشر -السعادة- في ...
- شاهد: اندماج لوحات فنية عملاقة تفاعلية من مبدعي العالم في مع ...
- منح جائزة نوبل في الطب هذا العام للسويدي سفانتي بابو


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - مُطاردة