اليوم العالمي للخدمة العامة: عمال الخدمات العامة بين التحديات العالمية وإنجاز الحوار الاجتماعي الدولي


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 16:13
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

-مقدمة:من هم عمال الخدمات العامة؟
عندما يفتح المواطن صنبور الماء في منزله، أو يستقل الحافلة إلى عمله، أو يدخل إلى المستشفى لتلقي العلاج، أو يرسل أبناءه إلى المدرسة، أو يتلقى المساعدة من رجال الإطفاء والإسعاف في حالات الطوارئ، فإنه يتعامل يومياً مع ثمرة عمل ملايين العاملين والعاملات في قطاع الخدمات العامة.
ويشمل عمال الخدمات العامة طيفاً واسعاً من المهن والاختصاصات، من الأطباء والممرضين والعاملين في الرعاية الصحية، إلى المعلمين وموظفي البلديات والمجالس المحلية، وعمال المياه والصرف الصحي والكهرباء والنقل العام وجمع النفايات والإطفاء والإسعاف والخدمات الاجتماعية والثقافية والإدارية. وهم يشكلون القوة البشرية التي تضمن استمرارية عمل المجتمع والدولة، وتحافظ على الخدمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
ورغم اختلاف طبيعة أعمالهم من بلد إلى آخر، فإن ما يجمعهم هو أنهم يقدمون خدمات ذات منفعة عامة للمجتمع، ويعملون في الخطوط الأمامية لمواجهة الأزمات والكوارث والأوبئة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية. وقد برزت أهمية هؤلاء العمال بصورة خاصة خلال جائحة كورونا، حين أدرك العالم أن استمرار الحياة اليومية يعتمد إلى حد كبير على جهودهم وتضحياتهم.

ويمثل هؤلاء العاملين على المستوى الدولي اتحاد نقابات عمال الخدمات العامة الدولي (PSI)، وهو أكبر اتحاد نقابي عالمي في قطاع الخدمات العامة، ويضم أكثر من 30 مليون عضو في 154 دولة وإقليماً. ويقود الاتحاد حملات عالمية للدفاع عن الخدمات العامة والعمل اللائق والحقوق النقابية، ومواجهة الخصخصة والتقشف، وتعزيز الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية.
وفي اليوم العالمي للخدمة العامة الذي يصادف الثالث والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام، تتجدد الدعوات للاعتراف بالدور الحيوي الذي يؤديه عمال الخدمات العامة في بناء مجتمعات أكثر عدالة وتماسكاً واستدامة، ليس فقط عبر تكريمهم، بل من خلال تحسين ظروف عملهم وتعزيز حقوقهم النقابية والاجتماعية.

-يوم عالمي تقديراً للخمة العامة ومنظمة نقابية تمثل العمال
نعم ففي الثالث والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للخدمة العامة، تقديراً للدور الحيوي الذي يؤديه ملايين العاملين والعاملات في القطاعات العامة في حياة المجتمعات. فمن المستشفيات والمدارس إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنقل والإطفاء والإسعاف والرعاية الاجتماعية، يشكل هؤلاء العمال العمود الفقري للدولة الحديثة والضمانة الأساسية لاستمرار الخدمات التي يعتمد عليها المواطنون يومياً.
ورغم هذه الأهمية المتزايدة، يواجه عمال الخدمات العامة في معظم دول العالم تحديات متشابهة تتمثل في سياسات التقشف والخصخصة، ونقص التمويل، وتجميد الأجور، وتراجع مستويات التشغيل، وازدياد الضغوط المهنية، إلى جانب محاولات الحد من الحقوق النقابية والمفاوضة الجماعية في عدد من البلدان.
ويمثل العاملون في الحكومات المحلية والإقليمية جزءاً كبيراً من القوى العاملة في الخدمات العامة. فالمجالس البلدية والمحلية والإقليمية تشغل ملايين العمال في قطاعات متنوعة تشمل الإدارة المحلية، والصحة والرعاية الاجتماعية، والتعليم، والنقل العام، وخدمات المياه والصرف الصحي، وإدارة النفايات، والإسكان الاجتماعي، والطاقة، والإطفاء والطوارئ، والخدمات الثقافية والمجتمعية. وتشكل النساء نسبة كبيرة من العاملين في هذه القطاعات، ما يجعل قضايا المساواة بين الجنسين والعمل اللائق جزءاً أساسياً من النضال النقابي في هذا المجال.
وعلى المستوى الدولي، تمثل منظمة الخدمات العامة الدولية (PSI) الصوت النقابي الأكبر للعاملين في الخدمات العامة، إذ تضم أكثر من 30 مليون عضو في 154 دولة وإقليماً. ويعمل ما يقارب نصف أعضاء المنظمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحكومات المحلية والإقليمية، ما يمنح هذا القطاع أهمية خاصة داخل الحركة النقابية العالمية.

- في هذا العام تطور هام : توقيع اتفاقية إطار عالمية
وفي هذا السياق، شهد اليوم العالمي للخدمة العامة لعام 2026 تطوراً نوعياً تمثل في توقيع اتفاقية إطار عالمية بين منظمة الخدمات العامة الدولية ومنظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة المعروفة بالرمز التالي: (UCLG)، خلال المؤتمر العالمي للمنظمة في مدينة طنجة المغربية.
وتعد هذه الاتفاقية الأولى من نوعها عالمياً في قطاع الحكومات المحلية والإقليمية، إذ تؤسس فضاءً دائماً للحوار الاجتماعي بين ممثلي العمال وأصحاب العمل على المستوى الدولي. كما تعترف للمرة الأولى بمنظمة الخدمات العامة الدولية شريكاً اجتماعياً يمثل العاملين في هذا القطاع أمام أكبر منظمة عالمية تمثل المدن والسلطات المحلية والإقليمية.
وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأنها تسد فراغاً قائماً في منظومة الحوكمة الدولية، حيث لا تحظى الحكومات المحلية والإقليمية بمكانة واضحة كجهة أصحاب عمل ضمن منظومة الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية، الأمر الذي حدّ تاريخياً من تطوير آليات حوار اجتماعي دولية خاصة بهذا القطاع.
كما تنص الاتفاقية على إنشاء لجنة عالمية للحوار الاجتماعي تجتمع بشكل دوري لمناقشة قضايا العمل في الحكومات المحلية والإقليمية، وتعزيز التعاون في مجالات العدالة الضريبية، وتمويل الخدمات العامة، والمساواة بين الجنسين، ومواجهة التغير المناخي، والدفاع عن العمل اللائق والحقوق النقابية.
ولا تأتي هذه الخطوة من فراغ، بل هي ثمرة أكثر من عشر سنوات من التعاون المشترك بين الطرفين، وتعبير عن إدراك متزايد بأن جودة الخدمات العامة ترتبط ارتباطاً مباشراً بظروف عمل العاملين الذين يقدمونها. فكل تراجع في حقوق العمال أو أجورهم أو مستويات التوظيف ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمجتمع.
وفي عالم يشهد تصاعداً في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز الاستثمار في الخدمات العامة والعاملين فيها، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الصحة والتعليم والرعاية والحماية الاجتماعية والتنمية المحلية المستدامة.

- يوم الإحتفاء العالمي ليكن دائماً مناسبة لتطوير اتفاقيات العمل والحقوق
إن الاحتفاء باليوم العالمي للخدمة العامة لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة الرمزية بجهود العاملين، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بحقوقهم وبالحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية والعمل اللائق. ومن هذا المنطلق، تمثل الاتفاقية العالمية الجديدة بين PSI وUCLG خطوة مهمة نحو بناء نموذج دولي أكثر عدالة وديمقراطية في علاقات العمل، يعترف بالدور المحوري لعمال الخدمات العامة في بناء مجتمعات أكثر مساواة وتضامناً واستدامة.
وفي وقت تتصاعد فيه النضالات النقابية في العديد من دول العالم دفاعاً عن الأجور والحقوق والخدمات العامة، تؤكد هذه الاتفاقية أن مستقبل الخدمات العامة لا ينفصل عن مستقبل العاملين فيها، وأن الاستثمار في العمال هو استثمار في المجتمع بأسره.