مؤتمر النقابات الدولية في باريس: جبهة للدفاع عن الخدمات العامة في مواجهة اليمين المتطرف
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 01:49
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مقدمة
في لحظة عالمية تتصاعد فيها الهجمات على الدولة الاجتماعية ( دولة الرفاه) والحقوق النقابية، اجتمع هذا الأسبوع في باريس عدد من أبرز قادة الحركة النقابية الدولية في مؤتمر لمواجهة تهديدات اليمين المتطرف نظمته نقابة CGT Santé Action Sociale الفرنسية.
وشارك في اللقاء الأمين العام لنقابات عمال الخدمات العامة الدولي النقابي دانيال برتوسا إلى جانب قيادات نقابية من اتحادات كبرى من بينها CGT الفرنسية، وCC.OO. الإسبانية، وCGIL الإيطالية، وJHL الفنلندية، وFNV الهولندية، وSEIU الأمريكية.
هذا اللقاء لم يكن مجرد حدث نقابي عابر، بل جاء في سياق تعبئة دولية أوسع يقودها الاتحاد العام لنقابات عمال الخدمات العامة الدولي ضمن مبادرة “Public Service Fightback” (الدفاع عن الخدمات العامة)،وهي حملة عالمية أطلقها الإتحاد لمواجهة ما يصفه بالهجوم المتصاعد على الخدمات العامة والنقابات من قبل قوى رأس المال الكبير وسياسات التقشف وصعود اليمين السلطوي.
ويعكس هذا المؤتمر إدراكاً متزايداً داخل الحركة النقابية العالمية بأن الدفاع عن الخدمات العامة أصبح اليوم جزءاً من معركة أوسع لحماية الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
* الاتحاد العام لنقابات عمال الخدمات العامة الدولي: اتحاد عالمي يمثل 30 مليون عامل
يعد الاتحاد العام لنقابات عمال الخدمات العامة الدولي (PSI) واحداً من أكبر الاتحادات النقابية العالمية.
فهو اتحاد نقابي دولي يضم أكثر من 700 نقابة في ما يزيد عن 150 دولة ويمثل أكثر من 30 مليون عامل في قطاعات الخدمات العامة. ويعمل أعضاء هذا الاتحاد في قطاعات حيوية تمس حياة الناس اليومية، مثل:الصحة والرعاية الاجتماعية،البلديات والخدمات المحلية،الإدارة الحكومية،التعليم والخدمات الثقافية،المياه والطاقة والمرافق العامة.
ومن خلال هذا الانتشار الواسع، يلعب الإتحاد دوراً مهماً في تمثيل صوت العاملين في القطاع العام داخل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية. لكن دور الاتحاد لدولي- PSI لا يقتصر على الدفاع عن حقوق العمال فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الدفاع عن فكرة الخدمات العامة نفسها باعتبارها حقاً اجتماعياً أساسياً.
*لماذا أطلق اتحاد نقابات عمال الخدمات (PSI) مبادرة الدفاع عن الخدمات العامة “Public Service Fightback”؟
يرى الإتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة أن العالم يشهد اليوم مرحلة جديدة من الهجمات على الخدمات العامة.
فبعد عقود من السياسات النيوليبرالية التي سعت إلى تقليص دور الدولة وخصخصة الخدمات، برزت في السنوات الأخيرة موجة أكثر خطورة تتمثل في: توسع نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، سياسات التقشف التي تقلص الإنفاق الاجتماعي،محاولات خصخصة قطاعات الصحة والمياه والطاقة،تصاعد الشعبوية اليمينية والسلطوية،الهجمات السياسية والقانونية على النقابات.
ويعتبر الإتحاد أن هذه الهجمات ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل جزء من مشروع سياسي يسعى إلى تحويل الدولة لخدمة مصالح الأوليغارشيات المالية.
ومن هنا جاءت مبادرة الدفاع عن الخدمات العامة (Public Service Fightback) كحملة تعبئة عالمية تهدف إلى توحيد النقابات في مواجهة هذه التحولات.
*ما الذي تسعى إليه المبادرة؟
يمكن تلخيص أهداف المبادرة في خمسة محاور رئيسية:
1. الدفاع عن الخدمات العامة
تسعى المبادرة إلى وقف سياسات الخصخصة التي تهدد قطاعات مثل الصحة والتعليم والمياه والطاقة، والدفاع عن حق الجميع في خدمات عامة ذات جودة.
2. تعزيز قوة النقابات
تركز الحملة على تنظيم العمال وتوسيع العضوية النقابية، خصوصاً في القطاعات التي تعاني من الهشاشة أو التعاقد المؤقت.
3. مواجهة التقشف وعدم المساواة
يرى اتحاد PSI أن التقشف أدى إلى تدهور الخدمات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ولذلك تدعو إلى سياسات ضريبية عادلة وإعادة توزيع الثروة.
4. حماية الديمقراطية
تؤكد المبادرة أن النقابات والخدمات العامة تشكلان خط الدفاع الأخير عن الديمقراطية في مواجهة صعود السلطوية واليمين المتطرف.
5. بناء تحالفات اجتماعية واسعة
لا تقتصر الحملة على النقابات وحدها، بل تسعى إلى بناء تحالفات مع:منظمات المجتمع المدني، الحركات الاجتماعية،مستخدمي الخدمات العامة،المنظمات الدولية
*الخدمات العامة كخط دفاع عن المجتمع
ترى الحركة النقابية العالمية أن الخدمات العامة ليست مجرد مؤسسات إدارية، بل هي ركيزة أساسية للعقد الاجتماعي الحديث.
فالمستشفيات والمدارس والبلديات وأنظمة المياه والطاقة ليست مجرد خدمات تقنية، بل أدوات لضمان:المساواة الاجتماعية،الحق في الصحة والتعليم،الاستقرار الاقتصادي،التضامن المجتمعي.
ولهذا السبب يعتبر الاتحاد النقابي الدولي(PSI) أن إضعاف هذه الخدمات يعني في الواقع إضعاف الديمقراطية نفسها.
*اجتماع باريس: رسالة سياسية للحركة النقابية العالمية
من هنا تكتسب اجتماعات باريس أهميتها السياسية.فاللقاء بين قادة النقابات من أوروبا والولايات المتحدة لم يكن مجرد نقاش تنظيمي، بل رسالة واضحة مفادها أن الحركة النقابية العالمية تسعى إلى:تنسيق استراتيجياتها ضد صعود اليمين المتطرف، وبناء جبهة دولية للدفاع عن الخدمات العامة،
وتعزيز التضامن بين النقابات في الشمال والجنوب،إعادة وضع العدالة الاجتماعية في قلب السياسات الاقتصادية
وبذلك يمكن القول إن مبادرة الدفاع عن الخدمات العامة (Public Service Fightback) تمثل اليوم أحد أهم المشاريع النقابية العالمية الرامية إلى إعادة التوازن بين رأس المال والعمل، وإعادة الاعتبار للدولة الاجتماعية في عالم يتجه نحو مزيد من عدم المساواة.