صمود الحركة النقابية في 2026: بين الهجوم الرأسمالي المنظم ومعركة الدفاع عن الديمقراطية


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 04:48
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

مقدمة
يشهد العالم مرحلة مفصلية تتسم بتصاعد السلطوية، وتآكل الحيز الديمقراطي، وتزايد هيمنة رأس المال العابر للحدود على القرار السياسي والاقتصادي. في هذا السياق المضطرب، تأتي رؤية الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات لو تيرانغل لعام 2026 لتؤكد أن صمود الحركة النقابية لم يعد مجرد مسألة تنظيمية داخلية، بل أصبح معركة وجودية للدفاع عن الديمقراطية ذاتها.
لقد عالجنا سابقاً ظاهرة الهجوم المتصاعد على النقابات العمالية، سواء من خلال التشريعات المقيدة لحرية التنظيم، أو تجريم الإضراب، أو تفكيك المفاوضة الجماعية، أو عبر أدوات أكثر حداثة مثل الإدارة الخوارزمية في اقتصاد المنصات. ما نراه اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل استراتيجية مترابطة تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى لصالح رأس المال على حساب العمل.
لكن ما حدث مؤخراً من عدوان عى ايران ، وإندلاع الحرب التي ربما تتسع إوارها، نتوقع أن تستغل القوى الرأسمالية هذه الحرب للتضييق على النقابات العمالية خاصة والحيز الديمقراطي عامة.

* من تراجع الحقوق إلى إعادة تشكيل النظام
تشير المعطيات الدولية إلى أن غالبية دول العالم تشهد انتهاكات مباشرة لحرية التنظيم والمفاوضة الجماعية. هذا التراجع ليس عرضياً، بل يرتبط بتحالف موضوعي بين قوى سياسية يمينية متطرفة ونخب اقتصادية فائقة الثراء تسعى إلى:إضعاف التنظيم النقابي باعتباره القوة الاجتماعية الأكثر قدرة على إعادة توزيع السلطة والثروة، وتقليص دور الدولة الاجتماعية وإعادة تعريفها كحارس لمصالح السوق، بل والى تقويض المؤسسات متعددة الأطراف التي تكرّس المعايير الدولية للعمل.
إن الهجوم على النقابات هو في جوهره هجوم على فكرة أن للعمل حقوقاً غير قابلة للتفاوض، وأن الديمقراطية لا تقتصر على صندوق الاقتراع بل تمتد إلى مكان العمل.

* الدفاع عن الديمقراطية كاستراتيجية نقابية
التحول النوعي في خطاب الحركة النقابية الدولية يتمثل في اعتبار الدفاع عن الديمقراطية أولوية استراتيجية. فحين تتحول الثروة المفرطة إلى نفوذ سياسي، وتُستخدم الشركات الكبرى أدواتها المالية والإعلامية لإعادة هندسة التشريعات، يصبح الدفاع عن الحقوق العمالية مرتبطاً مباشرة بالدفاع عن النظام الديمقراطي نفسه.
هذا الربط بالغ الأهمية في سياقنا، حيث تتزايد محاولات تصوير المطالب الاجتماعية باعتبارها عبئاً اقتصادياً، أو عرقلة للنمو، أو تهديداً للاستقرار. لكن التجربة التاريخية تؤكد أن المجتمعات التي تُضعف فيها النقابات تشهد اتساع فجوة اللامساواة، وتراجع الأجور الحقيقية، وتآكل الحماية الاجتماعية.
إن معركة 2026 ليست معركة مطلبية فحسب، بل معركة لإعادة تعريف النموذج الاقتصادي: هل هو نموذج قائم على تعظيم الأرباح قصيرة الأجل، أم على العدالة الاجتماعية والاستدامة؟

*إقتصاد المنصات كجبهة صراع جديدة
يبرز اقتصاد المنصات كأحد ميادين الصراع الأكثر حساسية. فالرأسمالية الرقمية تسعى إلى إعادة تعريف علاقة العمل، وتحويل العامل إلى "متعاقد مستقل” محروم من الحماية الاجتماعية والحقوق الجماعية.
المعركة من أجل اعتماد معايير دولية ملزمة لتنظيم هذا القطاع ليست مسألة تقنية، بل هي مواجهة مباشرة مع نموذج يسعى إلى:تفكيك العلاقة التعاقدية التقليدية،استخدام الخوارزميات كأداة رقابة وإدارة بلا مساءلة،ونقل المخاطر الاقتصادية بالكامل إلى العامل،تنظيم التكنولوجيا لا يعني معاداة الابتكار، بل يعني إخضاعه لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.

* إعلان الدوحة والعقد الاجتماعي الجديد
يمثل إعلان الدوحة السياسي للقمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية (عقدت في 4 تشرين ثاني 2025) فرصة لإعادة تثبيت العمل اللائق في قلب أجندة التنمية. غير أن التحدي يكمن في تحويل الالتزامات إلى سياسات وطنية ملموسة، خصوصاً في ظل الضغوط النيوليبرالية لتقليص الإنفاق الاجتماعي وتحرير الأسواق دون ضوابط.
إن الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد ليست شعاراً، بل إطاراً لإعادة توزيع المخاطر والعوائد بشكل عادل، وضمان:أجور معيشية،حماية اجتماعية شاملة،حوار اجتماعي مؤسسي،مساواة فعلية بين الجنسين في سوق العمل.

* من الدفاع إلى إعادة البناء
رغم خطورة المرحلة، فإن هناك فرصة حقيقية. فالأزمات المتلاحقة — من التضخم إلى تغير المناخ إلى هشاشة سلاسل الإمداد — كشفت حدود النموذج الاقتصادي السائد. العمال يدركون اليوم أن غياب التنظيم يعني غياب الحماية.
لذلك، فإن صمود الحركة النقابية في 2026 يتطلب الانتقال من رد الفعل، إلى الفعل الاستراتيجي عبر: توسيع قاعدة التنظيم لتشمل العمال غير الرسميين والمهاجرين والشباب،بناء تحالفات مع الحركات الاجتماعية المدافعة عن الديمقراطية والعدالة المناخية،الاستثمار في البحث والتحليل لكشف آليات تركيز الثروة والتهرب الضريبي،تعزيز التضامن الدولي في مواجهة القمع العابر للحدود.

*البعد الإقليمي العربي: بين هشاشة الحماية وفرص إعادة البناء
في السياق العربي، يتخذ الهجوم على النقابات أشكالاً مركبة تتراوح بين القيود القانونية على حرية التنظيم، والتضييق الإداري والأمني، وتفتيت التمثيل النقابي، وصولاً إلى إضعاف المفاوضة الجماعية في قطاعات واسعة. كما تتقاطع هذه التحديات مع أزمات هيكلية عميقة: بطالة مرتفعة، اتساع القطاع غير الرسمي، تراجع القدرة الشرائية، وضغوط برامج التقشف والإصلاحات المالية المرتبطة بالمؤسسات الدولية.
تتجلى خطورة المرحلة في ثلاث نقاط رئيسية:
1.تضييق الحيز الديمقراطي بما يحدّ من قدرة النقابات على الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، ويحوّل المطالب العمالية إلى"قضايا أمنية" بدلاً من كونها استحقاقات تنموية.
2.توسع الاقتصاد غير الرسمي والمنصات الرقمية دون أطر تنظيمية واضحة، ما يترك شريحة واسعة من الشباب خارج مظلة الحماية الاجتماعية.
3.الضغوط المالية والديون التي تدفع الحكومات نحو سياسات تقشفية تؤثر مباشرة في الأجور والخدمات العامة.
ومع ذلك، فإن المنطقة العربية تمتلك فرصة مهمة لإعادة بناء الدور النقابي عبر:
-الدفع نحو مواءمة التشريعات الوطنية مع معايير منظمة العمل الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بحرية التنظيم والمفاوضة الجماعية.
-تنظيم العمال في القطاعات غير الرسمية والرقمية باعتبارهم القاعدة الاجتماعية الصاعدة.
-بناء تحالفات مع قوى المجتمع المدني المدافعة عن العدالة الاجتماعية والشفافية الضريبية.
-ربط المطالب العمالية بأجندات التنمية المستدامة والحماية الاجتماعية الشاملة.
إن تعزيز صمود الحركة النقابية عربياً وضرورة قيامها بتنظيم العمال والإرتباط بمصالحهم لا ينفصل عن المعركة العالمية من أجل الديمقراطية الاجتماعية. فاستعادة التوازن بين العمل ورأس المال في منطقتنا تتطلب تنظيماً نقابياً أقوى، ورؤية استراتيجية تربط بين الحقوق الاقتصادية والحقوق السياسية، وبين الكرامة في مكان العمل والاستقرار المجتمعي.

* تونس كمثال
تونس: اختبار حاسم لمستقبل الدور النقابي
ما يحدث في تونس يعكس بوضوح طبيعة اللحظة التاريخية التي تمر بها الحركة النقابية في المنطقة. فبعد سنوات من التحول السياسي، تواجه البلاد اليوم انكماشاً في الحيز الديمقراطي، وتزايداً في الضغوط على الفاعلين الاجتماعيين، وفي مقدمتهم الحركة النقابية.
يشكّل الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أهم أعمدة الحياة الاجتماعية والسياسية في تونس، وقد لعب دوراً محورياً في محطات مفصلية من تاريخ البلاد الحديث. إلا أن المرحلة الراهنة تتسم بتوترات متزايدة بين السلطة التنفيذية والمنظمات الوسيطة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وضغوط مرتبطة بإصلاحات مالية وهيكلية.
تتجلى خطورة الوضع في عدة مستويات:
التضييق على الحوار الاجتماعي وتهميش آلياته المؤسسية، بما يضعف قدرة الشركاء الاجتماعيين على التفاوض حول الإصلاحات الاقتصادية، وتنامي خطاب يحمّل النقابات مسؤولية الأزمة بدلاً من معالجة جذورها البنيوية المرتبطة بالمديونية والاختلالات الهيكلية.
وتأثير برامج التقشف المحتملة على الأجور والدعم والخدمات العمومية، ما يضع الحركة النقابية أمام معادلة صعبة بين الدفاع عن الحقوق والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
غير أن التجربة التونسية تؤكد أيضاً أن قوة التنظيم النقابي تمثل عامل توازن حاسماً. فكلما تم تهميش الحوار الاجتماعي، ازدادت احتمالات الاحتقان وعدم الاستقرار. والعكس صحيح: عندما تُدمج النقابات في صياغة السياسات، تتحقق إصلاحات أكثر استدامة وعدالة.
وفي ظل الإستعداد للمؤتمر العام للإتحاد التونسي للشغل نهاية الشهر الحالي، تحاول جهات سلطوية ضرب الإتحاد من الداخل ،وزرع بذور الخلاف في صفوفه، واضح أن هذا التوتر القائم يساعد السلطة على تنفيذ مآربها بضرب التنظيم النقابي بل واعتداء على الحريات الديمقراطية.
لك نحن نرى أن ما يجري في تونس ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو جزء من الصورة الأوسع للصراع على مستقبل الديمقراطية الاجتماعية في المنطقة. فإما أن يُعاد تثبيت دور النقابات كشريك أساسي في إدارة الأزمات، أو أن تتعمق الفجوة بين السياسات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بما يحمله ذلك من مخاطر طويلة الأمد.

*التوازن الإجتماعي وخطر تفكيك ما تبقى
إن الهجوم على النقابات ليس مجرد خلاف حول شروط العمل، إنه صراع على شكل المجتمع ذاته. فإما أن تستمر عملية تركيز السلطة والثروة في يد أقلية ضيقة من اصحاب الملياردات، أو أن تستعيد القوى الاجتماعية المنظمة دورها في صياغة مستقبل أكثر عدلاً.
عام 2026 قد يشكل نقطة تحول. فإما أن تنجح القوى الرأسمالية المتطرفة في تفكيك ما تبقى من التوازن الاجتماعي، أو أن تنجح الحركة النقابية، بتحالفاتها ورؤيتها، في إعادة تثبيت الديمقراطية الاجتماعية كأساس للنظام العالمي.
المعركة مفتوحة، لكن التاريخ يثبت أن التنظيم الواعي والمستند إلى العدالة قادر على قلب موازين القوى.