عندما يُحاكم التضامن:الحركة النقابية الفرنسية بين حرية التعبير وتجريم الموقف الدوليالقضية التي تجاوزت شخصًا واحدًا


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 16:22
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

مقدمة
تحت هذا العنوان " النصر أو النصر! “ ،أصدرت الكونفدرالية الفرنسية العامة للشغل (CGT) البيان التالي يوم الثاني من آذار 2026 بعد تبرئتها والنقابي جان بول ديلسكو من تهمة جنائية، وفي هذه المقالة نقوم بالتطرق الى ظاهرة ملاحقة القوى النقابية في فرنسا وغيرها من قبل السلطات الحاكمة ومعها حركات يمينية تناهض الديمقراطية وحرية التعبير. فيما يلي أولا نص البيان بتصرف:
"النصر أو النصر!
جان-بول ديلسكو والكونفدرالية العامة للشغل (CGT )، الذين تمت ملاحقتهم بتهمة “تمجيد الإرهاب”، حصلوا على البراءة!
قضاء فرنسي يبرّئ نقابيًا من الكونفدرالية العامة للشغل (CGT )في قضية إتهم بها ب“تمجيد الإرهاب” ،الاتحاد يؤكد: للنقابات حق كامل في التعبير والموقف الدولي
في البيان الصادر عن الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)،عبر اتحادها الإداري في الشمال (UD CGT 59)، صدور حكم بالبراءة عن جان-بول ديلسكو، الأمين العام للاتحاد، في القضية التي وُجّهت فيها إليه تهمة “تمجيد الإرهاب” و“التحريض على الكراهية المعادية للسامية” على خلفية بيان نقابي صدر في 10 أكتوبر 2023 عقب أحداث 7 أكتوبر.
وكانت الغرفة الجنحية في محكمة الاستئناف بمدينة دواي قد ألغت حكمًا ابتدائيًا سابقًا صدر عن محكمة ليل، والذي اعتبر أن البيان النقابي لا ينبغي أن يتضمن مواقف جيوسياسية.
وذكّر بيان الكونفدرالية العامة للشغل بأن القضية بدأت إثر بلاغات اعتبرها “كيدية”، وأشار إلى أن ديلسكو وإحدى سكرتيرات الاتحاد تعرّضا لمداهمة منزلية فجراً وتقييد بالأصفاد أمام أطفالهما، في مشهد وصفه البيان بأنه صادم وغير متناسب.
أكدت CGT في بيانها:“إن العاملات والعمال ونقاباتهم لهم مكانهم الكامل في النقاش السياسي والدولي.”وشددت على أن العمل النقابي لا يمكن فصله عن القضايا الكبرى التي تمسّ الشعوب، وأن التضامن الأممي جزء أصيل من تقاليد الحركة النقابية.
وأضاف البيان أن النقاش السياسي والقضائي في فرنسا “يجب ألا يُستخدم لتصفية حسابات سياسية أو لتشويه منظمة نقابية أو جمعية”، خصوصًا في سياق قضايا حساسة مثل ما يجري في غزة، حيث قُتل آلاف المدنيين وتعرّض القطاع لدمار واسع.
ترى الكونفدرالية العامة للشغل(CGT )أن هذا الحكم يشكّل: دفاعًا عن حرية التعبير النقابي،وتأكيدًا على استقلالية النقابات،وترسيخًا لحقها في اتخاذ مواقف من القضايا الدولية المرتبطة بالعدالة والسلام وحقوق الشعوب.
موقف مبدئي: النقابات جزء من النقاش العام
وختم الاتحاد بيانه بالتأكيد أن الدفاع عن الحريات الديمقراطية يبقى في صلب نضاله، وأن وحدة CGT وتضامنها كانا عنصرًا حاسمًافي هذا النضال”.

*قرار يعني محطة كاشفة لطبيعة المرحلة
لم تكن تبرئة النقابي جان-بول ديلسكو مجرد تصحيح لحكم ابتدائي، بل محطة كاشفة لطبيعة المرحلة التي تمرّ بها فرنسا وأوروبا عمومًا.
فالملاحقة القضائية التي انطلقت على خلفية بيان نقابي تناول الحرب في غزة طرحت سؤالًا جوهريًا:هل يُراد للنقابات أن تُحصر في إطار “اجتماعي تقني” ضيق، أم أنها فاعل ديمقراطي يمتلك شرعية التدخل في القضايا الدولية؟
الحكم الابتدائي الذي اعتبر أن البيان النقابي “لا ينبغي أن يتضمن اعتبارات جيوسياسية” عبّر عن توجّه يرى في الفعل النقابي وظيفة تفاوضية محدودة، لا دورًا سياسيًا–مجتمعيًا.
أما قرار البراءة فقد أعاد تثبيت تقليد فرنسي عريق: النقابة فاعل اجتماعي وسياسي في آن.

*السياق السياسي – تضييق يتجاوز الكونفدرالية العامة للشغل الCGT
قضية ديلسكو لم تأتِ في فراغ. السنوات الأخيرة في فرنسا شهدت:
تضييقًا متزايدًا على حرية التظاهر،جدلًا واسعًا حول قوانين الأمن والنظام العام،ملاحقات لناشطين على خلفية التعبير عن مواقف سياسية،استهدافًا إعلاميًا لقيادات نقابية بسبب مواقفها من قضايا داخلية وخارجية.
في هذا السياق، تعرضت صوفي بينييه، الأمينة العامة لـ CGT، لحملات سياسية وإعلامية بسبب مواقف الاتحاد، خصوصًا فيما يتعلق بالحرب في غزة والاحتجاجات الاجتماعية الداخلية.المسألة هنا لا تتعلق بأشخاص، بل بتحديد حدود المجال العام.

*النقابات بين الوظيفة الاجتماعية والدور الديمقراطي
تاريخ الحركة النقابية الفرنسية – من مقاومة الاحتلال النازي إلى الدفاع عن دولة الرعاية الاجتماعية – يؤكد أن النقابات لم تكن يومًا مجرد أدوات لتحسين الأجور.
لقد لعبت دورًا في:الدفاع عن الحريات العامة،مقاومة الفاشية والاستعمار،دعم الحركات الديمقراطية عالميًا،بلورة خطاب أممي قائم على التضامن بين الشعوب.
من هذا المنظور، يصبح التضامن مع قضايا دولية – ومنها القضية الفلسطينية – امتدادًا طبيعيًا لتقاليد نقابية راسخة، لا انحرافًا عنها.

* تجريم الخطاب النقابي… خطر سابقة قانونية
الخطورة في القضية لم تكن في الحكم ذاته فقط، بل في منطق الاتهام:إذا جرى توسيع تفسير تهم مثل “تمجيد الإرهاب” أو “التحريض” لتشمل بيانات سياسية عامة، فإن ذلك يخلق سابقة قد تُستخدم ضد أي تنظيم يعبر عن موقف ناقد للسياسات الرسمية.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي:هل تتحول القضايا الدولية إلى معيار لاختبار حدود الديمقراطية الداخلية؟الحكم بالبراءة يشكل سدًّا مؤقتًا أمام هذا المسار، لكنه لا يُنهي النقاش.

* البعد الأوروبي والدولي
القضية تتجاوز فرنسا.ففي عدة دول أوروبية شهدنا:قيودًا على فعاليات تضامنية،تضييقًا على الخطاب السياسي في سياق أزمات دولية،استخدام قوانين الأمن لملاحقة ناشطين.
بالنسبة للحركة النقابية الدولية – سواء في إطار ITUC أو الاتحادات القطاعية – تمثل هذه التطورات تحديًا مباشرًا لمبدأ:حرية التنظيم والتعبير كحق أساسي من حقوق العمل.
الاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقيات منظمة العمل الدولية، تؤكد أن حرية التنظيم تشمل حق النقابات في التعبير عن مواقفها والدفاع عن مصالح أعضائها، وهو مفهوم لا ينفصل عن السياق السياسي العام.

* وحدة CGT كعامل حاسم
ما ميّز هذه القضية هو وحدة الصف داخل CGT.
التضامن الداخلي، والدعم القانوني، والتحرك الإعلامي، كلها عناصر ساهمت في تحويل قضية فردية إلى قضية مبدئية.وحدة التنظيم هنا لم تكن شعارًا، بل أداة دفاع ديمقراطي.

* الدروس الاستراتيجية للحركة النقابية
1. الدفاع عن الحريات جزء من الدفاع عن الحقوق الاجتماعية
لا يمكن فصل معركة الأجور والعمل اللائق عن معركة حرية التعبير.
2. ضرورة بناء تحالفات واسعة
مع منظمات المجتمع المدني، والحقوقيين، والحركات الديمقراطية.
3. تطوير خطاب نقابي حقوقي
يستند إلى القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان، بما يعزز شرعية الموقف النقابي.
4. حماية القيادات والكوادر قانونيًا وإعلاميًا
تحويل أي استهداف إلى قضية عامة لا قضية فردية.

* بين الأمن والديمقراطية… أي توازن؟
الدول الديمقراطية تواجه تحديات أمنية حقيقية، لكن توسيع تعريف التهديد ليشمل الخطاب السياسي السلمي يحمل مخاطر بنيوية:إضعاف الثقة في المؤسسات،توسيع رقعة الرقابة الذاتية،
خلق مناخ خوف داخل المجتمع المدني.الديمقراطية تُختبر في قدرتها على استيعاب النقد، لا في قمعه.

* محطة لا نهاية
تبرئة جان-بول ديلسكو ليست نهاية معركة، بل بداية مرحلة وعي أعمق داخل الحركة النقابية الفرنسية والدولية.
القضية أكدت أن:النقابة ليست مؤسسة صامتة،التضامن الأممي ليس تهمة،والدفاع عن الديمقراطية ليس ترفًا بل شرطًا لبقاء الحركة العمالية ذاتها.
في زمن الحروب والأزمات، يصبح السؤال ليس فقط:كيف ندافع عن الأجور؟
بل أيضًا:كيف نحمي الفضاء الديمقراطي الذي يسمح للنقابات بأن تناضل أصلاً؟