مؤتمر برشلونة: العدالة الاجتماعية سلاح النقابات في مواجهة اليمين المتطرف


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 20:13
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

في 18 نيسان/أبريل 2026، وخلال انعقاد الجمعية النقابية العالمية على هامش المنتدى التقدمي العالمي في برشلونة، أطلقت الحركة النقابية الدولية* إعلانًا سياسيًا واضحًا يربط بين العدالة الاجتماعية والدفاع عن الديمقراطية، في مواجهة الصعود المتسارع لليمين المتطرف.
في لحظة عالمية تتسم بتآكل الثقة بالمؤسسات وتصاعد الخطابات الشعبوية، أعاد إعلان برشلونة طرح سؤال جوهري: كيف يمكن هزيمة هذا الصعود؟
الإجابة التي قدمتها النقابات كانت حاسمة: ليس عبر الخطاب، بل عبر تحسين حياة الطبقة العاملة.

*اليمين المتطرف: ابن الأزمة لا حلّها
لا ينشأ اليمين المتطرف في فراغ، بل يتغذى على بيئة من انعدام الأمان الاقتصادي، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع دور الدولة، وإضعاف النقابات.وسياسات التقشف، والعمل الهش، وارتفاع تكاليف المعيشة، كلها عوامل خلقت شعورًا واسعًا بالظلم والتهميش لدى الطبقة العاملة العالمية.
في هذا السياق، يجد خطاب اليمين المتطرف أرضًا خصبة، حيث يُعاد توجيه الغضب نحو “الآخر” بدلًا من الأسباب البنيوية للأزمة. لكن إعلان برشلونة يؤكد بوضوح أن هذا التيار لا يسعى لتغيير النظام الاقتصادي غير العادل، بل لتعزيزه، خدمةً لمصالح النخب الاقتصادية من أصحاب المليارات والشركات الكبرى.

*من أزمة اقتصادية إلى أزمة ديمقراطية
يشير الإعلان الصادر في برشلونة إلى أن تركز الثروة والسلطة بيد قلة لا يؤدي فقط إلى عدم المساواة، بل يهدد جوهر الديمقراطية. فعندما يشعر العمال بأنهم خارج معادلة القرار، تتآكل الثقة بالمؤسسات، وتتحول الديمقراطية إلى شكل بلا مضمون.
وتعزز ذلك نتائج دراسات حديثة، من بينها أبحاث مؤسسة "هانس بوكلر"، التي تُظهر أن العمال ذوي الأجور المتدنية والظروف غير المستقرة هم الأكثر ميلًا لفقدان الثقة بالديمقراطية، في حين أن العمل اللائق والتمثيل النقابي يعززان الانخراط الديمقراطي.

*إعلان برشلونة: استعادة السياسة الاجتماعية
يقدم إعلان برشلونة—الصادر في 18 نيسان/أبريل 2026—خريطة طريق واضحة لمواجهة اليمين المتطرف، تقوم على إعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، عبر:وظائف مستقرة ولائقة،أجور معيشية عادلة،خدمات عامة قوية وشاملة،حقوق عمل ومفاوضة جماعية فعّالة،سياسات صناعية عادلة تخلق فرص عمل في جميع المناطق،هذه ليست مجرد مطالب نقابية، بل هي شروط أساسية لصون الديمقراطية.
ومما جاء في إعلان برشلونة:” لمواجهة صعود اليمين المتطرف، يجب على الحكومات أن تحسن حياة العاملات والعمال : عبر وظائف أفضل وأكثر إستقراراً، وأجور عادلة ومعيشية ومستويات عيش كريمة ، وخدمات عامة قوية، وسياسة صناعية توفر وظائف جدة في كل قطاعوفي كل منطقة.”

*إسبانيا كنموذج: عندما تنجح السياسات الاجتماعية
يشير الإعلان إلى تجربة إسبانيا كنموذج عملي، حيث ساهمت سياسات رفع الأجور، وتعزيز حقوق العمال، والاستثمار في الاقتصاد، في تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، رغم تحديات التضخم وغلاء المعيشة.
وهذا يؤكد أن السياسات الاجتماعية ليست عبئًا، بل عنصرًا حاسمًا في استقرار الأنظمة الديمقراطية.

*النقابات: من الدفاع إلى المبادرة
ما يميز إعلان برشلونة هو انتقال الحركة النقابية من موقع الدفاع إلى طرح رؤية شاملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي.فالنقابات لا تكتفي اليوم برفض السياسات النيوليبرالية، بل تقدم بديلًا متكاملًا يربط بين العمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية الفعلية.وكا جاء في تصريح الأمين العامللإتاد الدولي للنقابات النقابي لوكتريانغل في البيان:” اليمين المتطرف يقتات على إنعدم الأمان والإنقسام ، لكنه لا يقم شيئا للطبقة العاملة . التغذي على الخوف ليس حلاً، أما الديمقراطية التي توفر وظائف لائقة ، وأجوراً معيشية وخدمات عامة قوية وحقوقاً في العمل فهي الحل يجب أن نستعيد الإقتصاد لك يعل لصالح العمال ، لا لصالح لة قلية ، وعندما تحنس الحومات حياة الناس فلإنها تعزز الديمقاطية وتقطع الطرق على الأرضية التي ينمو عليها المين المتطرف".

*الأول من أيار: استمرارية النضال
مع اقتراب الأول من أيار، يكتسب إعلان برشلونة بعدًا تاريخيًا. فمنذ نضالات عمال شيكاغو عام 1886، بقيت القضية الأساسية واحدة: الكرامة في العمل والعدالة الاجتماعية.
اليوم، كما في الماضي، تؤكد الحركة النقابية أن الديمقراطية لا يمكن أن تستمر دون قاعدة اجتماعية عادلة تحميها.
الديمقراطية تُبنى في مواقع العمل
الرسالة التي خرجت بها النقابات من برشلونة في 18 نيسان/أبريل 2026 واضحة:مواجهة اليمين المتطرف تبدأ من تحسين حياة العمال.
فالديمقراطية لا تُختزل في الانتخابات، بل تُبنى يوميًا في الأجور، وفي شروط العمل، وفي قوة الخدمات العامة.بين اقتصاد يخدم القلة وآخر يخدم الأغلبية، يقف العالم أمام خيار حاسم.
وإعلان برشلونة يضع بوضوح موقع الحركة النقابية في هذا الصراع: عدالة اجتماعية، اقتصاد ديمقراطي، ومستقبل يليق بالطبقة العاملة.
-----
*ملاحظة الجهة المنظمة: تحالف نقابي–تقدمي عالمي
انعقدت الجمعية النقابية في برشلونة في 18 نيسان/أبريل 2026 على هامش المنتدى التقدمي العالمي، وهو منصة دولية تجمع أحزابًا تقدمية، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني، وشبكات فكرية من مختلف أنحاء العالم، بهدف تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية التقدمية والدفاع عن الديمقراطية.
وجاء تنظيم الجمعية النقابية بمبادرة من الاتحاد الدولي للنقابات وبمشاركة واسعة من اتحادات نقابية دولية وإقليمية،في مقمتها النقابات الإسبانية من بينها:
الاتحاد الأوروبي للنقابات
الاتحادالدولي للنقابات الصناعية
الاتحاد الدولي لعمال النقل
الاتحاد الدولي للخدمات العامة
إلى جانب شبكات نقابية قطاعية ووطنية من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا.
كما شارك في الفعالية قادة سياسيون تقدميون وبرلمانيون أوروبيون ودوليون، في إطار سعي مشترك لبناء جبهة تقدمية عالمية تواجه صعود اليمين المتطرف عبر سياسات اقتصادية واجتماعية بديلة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن جهود الحركة النقابية الدولية لربط النضال المطلبي اليومي—من أجل الأجور والحقوق—بالسياق السياسي الأوسع، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه الديمقراطية.