لا ملوك… والنقابات في قلب معركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية عالميًا


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 16:49
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

مقدمة
في لحظة دولية تتكثف فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، يبرز يوم 28 آذار كموعد تتقاطع فيه تحركات نقابية ذات دلالات عميقة، تعكس تحولًا نوعيًا في دور الحركة العمالية عالميًا—من قوة مطلبية تقليدية إلى فاعل سياسي وأخلاقي يشتبك مع قضايا الديمقراطية والعدالة داخل الدول وعلى المستوى الدولي.
في الولايات المتحدة، يقود اتحاد العمل الأمريكي ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) حملة تعبئة واسعة تحت شعار “No Kings – لا ملوك”، وهو شعار لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي المتوتر. فالحملة تعكس رفضًا نقابيًا متصاعدًا لما تعتبره انحرافًا في ممارسة السلطة، خاصة في ظل نهج الرئيس Donald Trump، الذي تتهمه الأوساط العمالية بتجاهل المؤسسات الديمقراطية، وتهميش دور الهيئات المنتخبة، والتصرف بمنطق السلطة الفردية، وكأن الحكم امتياز شخصي لا تفويض ديمقراطي.
هذا الخطاب لا يقتصر على النقد السياسي، بل يرتبط مباشرة بواقع العمال المعيشي. ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة—من السكن إلى الغذاء والطاقة—يجد العمال أنفسهم في مواجهة موجة غلاء مستمرة لا تقابلها زيادات عادلة في الأجور. وبينما تتراكم الأرباح لدى الشركات الكبرى، يتحمل العمال العبء الأكبر لهذه الأزمة، ما يعمّق الشعور بأن النظام الاقتصادي والسياسي يعمل لصالح القلة على حساب الأغلبية.

*شعار لا ملوك
من هنا، يصبح شعار “لا ملوك” تعبيرًا عن رفض مزدوج: رفض للسلطة السياسية التي تتجاوز قواعد الديمقراطية،نعم رفض تسلط الرئيس دونالد ترامب شخصياً والتصرف وكأنه لا توجد هيئات حكم مثل الكونغرس ومجلس الشيوخ بل وحتى الهيئة القضائية، هذه الحملة تدعو الى رفض الهيمنة الإقتصادية ، التي تجعل العمال يدفعون ثمن الأزمات بينما يجني الأغنياء الأرباح. إنه دفاع عن فكرة أساسية مفادها أن الديمقراطية لا يمكن أن تُختزل في الانتخابات الشكلية، بل يجب أن تمتد إلى عدالة اقتصادية حقيقية.

* فرنسا وفلسطين
وفي الضفة الأخرى من الأطلسي، تشهد فرنسا تعبئة واسعة في اليوم ذاته، بدعم من الكنفدرالية العامة للشغل (CGT) ، ضمن مظاهرات يوم الأرض من أجل فلسطين، حيث تتقاطع القضايا الاجتماعية مع البعد السياسي الدولي. فالحركة النقابية الفرنسية، وهي تنخرط في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، تربط هذا الموقف أيضًا بسياق داخلي من التوتر الاجتماعي والاقتصادي.
في هذا الإطار، يؤكد الاتحاد في أحد منشوراته حول أزمة الطاقة أن:“ليس من مسؤولية العمال دفع ثمن المضاربة… بينما تتراكم أرباح هائلة لدى بعض الجماعات، يكافح ملايين العمال من أجل العيش بأجورهم.”
كما يحذر في سياق الانتخابات المحلية من صعود اليمين المتطرف، مشددًا على أن:“التصدي لليمين المتطرف أمرٌ ضروري للدفاع عن الحريات والحقوق الاجتماعية والخدمات العامة.”
هذه المواقف تكشف أن النقابات في فرنسا، كما في الولايات المتحدة، ترى أن المعركة الاجتماعية لا تنفصل عن المعركة السياسية. فالغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الأجور والأرباح، كلها ليست مجرد ظواهر اقتصادية، بل نتائج خيارات سياسية تتعلق بكيفية توزيع الثروة ومن يملك القرار.
وإذا كان السياق الأمريكي يركز على مواجهة نزعات السلطة الفردية داخل النظام السياسي، فإن السياق الفرنسي يوسع المعركة لتشمل أيضًا قضايا العدالة الدولية، وعلى رأسها فلسطين، دون أن يغفل الصراع الداخلي ضد اللامساواة وصعود اليمين المتطرف.
هذا التوازي يكشف عن ملامح مرحلة جديدة في العمل النقابي العالمي، حيث تتداخل ثلاثة أبعاد رئيسية:البعد الديمقراطي: الدفاع عن المؤسسات والتمثيل الشعبي،البعد الاجتماعي: مواجهة الغلاء واللامساواة وتوزيع الثروة،البعد الدولي: التضامن مع قضايا الشعوب وحقوق الإنسان
لم تعد النقابات اليوم مجرد وسيط بين العمال وأصحاب العمل، بل أصبحت قوة تطرح سؤالًا جوهريًا:
كيف يُدار المجتمع؟ ولصالح من؟

* أهمية النضال النقابي اليوم
في ظل هذا المشهد، يبرز النضال النقابي كأحد أهم أدوات الدفاع عن التوازن داخل المجتمعات. فحين ترتفع الأسعار دون أن ترتفع الأجور، وحين تتكدس الثروات في يد قلة رأسمالية تستغل الشعب بل الشعوب ،بينما تتآكل القدرة الشرائية للغالبية، يصبح الصمت قبولًا ضمنيًا بهذا الاختلال المجتمعي.
إن التجارب الجارية في الولايات المتحدة وفرنسا تؤكد أن العمال هم أول من يدفع ثمن الأزمات، بينما لا يتحمل الأغنياء سوى القليل من تبعاتها. ولهذا، فإن النضال النقابي ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة لضمان: توزيع أكثر عدالة للثروة،حماية الديمقراطية من التآكل،وصون كرامة العمل والعمال كقيمة إنسانية أساسية.
إنه نضال من أجل إعادة التوازن—بين العمل ورأس المال، بين السلطة والمجتمع، وبين الاقتصاد والعدالة.وفي عالم تتزايد فيه الضغوط على الحقوق والحريات، تبقى الحقيقة واضحة: لا ديمقراطية بدون عدالة اجتماعية، ولا عدالة بدون نقابات قوية.