من الإضراب إلى المحاكم: كيف تستعيد النقابات الأمريكية قوتها؟ قراءة في تصاعد القوة النقابية في الولايات المتحدة
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 04:49
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مقدمة
في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الاقتصاد والمجتمع الأمريكي، غالباً ما تعود النقابات العمالية إلى الواجهة بوصفها إحدى القوى القليلة القادرة على إعادة التوازن بين رأس المال والعمل. واليوم، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية على الطبقة العاملة وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوات الاجتماعية، تبدو الحركة النقابية في الولايات المتحدة وكأنها تستعيد شيئاً من قوتها التاريخية.
فبين انتصارات قضائية لصالح العمال الفيدراليين، وإضرابات ناجحة في قطاع صناعة السيارات، وتوسع حملات التنظيم في قطاعات جديدة، وتجديد الهياكل النقابية في عدد من الولايات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في تاريخ العمل النقابي الأمريكي.
وفي هذا السياق، جاء إعلان الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية(AFL-CIO ): في ولاية أوريغون تغيير اسمه إلى اتحاد عمال أوريغون (Oregon Labor Federation- AFL-CIO )في خطوة تهدف إلى تعزيز وضوح الهوية النقابية وتوسيع حضور الحركة العمالية في الحياة العامة والسياسية داخل الولاية.
ويمثل الاتحاد أكثر من 300 ألف عامل وعاملة في ولاية أوريغون، وينضوي تحت مظلته ما يقارب 300 نقابة محلية من مختلف القطاعات المهنية والصناعية والخدمية.
وقال غراهام ترينور، رئيس اتحاد عمال أوريغون التابع للاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية(AFL-CIO ):“مهمتنا في بناء اقتصاد عادل ومنصف لجميع العمال في أوريغون لن تتغير. تغيير اسم منظمتنا وهويتها البصرية يهدف إلى ضمان أن تكون الحركة النقابية مرئية ومؤثرة في كل مكان: في البرلمان، وفي الحملات العامة، وفي المجتمعات وأماكن العمل.”
وقد أُعلن عن الاسم الجديد خلال اجتماع المجلس التنفيذي للاتحاد في مدينة بورتلاند، على أن يشكل هذا التغيير محوراً رئيسياً للمؤتمر الدوري للاتحاد المقرر عقده عام 2027.
* أرقام سريعة عن قوة الحركة النقابية في الولايات المتحدة
الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية(AFL-CIO ) يمثل أكثر من 12.5 مليون عامل وعاملة منظم في صفوفه ضمن حوالي 60 نقابة وطنية ، كما يحظى أكثر من 4 ملايين عامل من إتفاقيات العمال الجماعية التي يوقعها الإتحاد، إنه يمتد عبر اتحادات عمالية في جميع الولايات الأمريكية ويقود حملات الدفاع عن المفاوضة الجماعية وحقوق العمال.
* اتحاد عمال السيارات (UAW)- إضرابات صناعة السيارات تعيد رسم ميزان القوى
من أبرز التحولات التي أعادت إبراز قوة الحركة النقابية في الولايات المتحدة ما حققه اتحاد عمال السيارات (UAW) خلال إضراباته الواسعة في قطاع صناعة السيارات في السنوات 2024-2026.
فقد نجح الاتحاد في فرض اتفاقيات جماعية جديدة مع شركات السيارات الكبرى تضمنت:
زيادات في الأجور تصل إلى نحو 25%،تحسين سلم الرواتب والأجور الابتدائية،تقليص الفجوة بين العمال الدائمين والمؤقتين،تحسين أنظمة التقاعد والرعاية الصحية،ضمانات للعمال في ظل التحول نحو السيارات الكهربائية،وقد اعتُبرت هذه الاتفاقيات من أهم المكاسب النقابية في الصناعة الأمريكية منذ عقود.
يمثل هذا الإتحاد نحو 400 ألف عامل في صناعة السيارات،من عمال ومهندسون وتقنيون لهم باع طويل في كل ما يتعلق بصنعة السيارات بما في ذلك السيارات الكهربائية.
أما إتحاد العمال الفيدراليون في القطاع العام – وزارة شؤون المحاربين القدامى، فهو يمثل أكثر من 300 ألف موظف استعادوا عقودهم النقابية،القرار القضائي أكد حق العمال الفيدراليين في التنظيم النقابي، الذي حاول الرئيس دونالد ترامب الغاء حقهم بالتنظيم النقابي ،معتمداً على دعم أصحاب المليارديرات له في إدارته المعادين للعمال وللتنظيم النقابيز
* انتصارات قانونية تعزز قوة العمال
لا يمكن قراءة هذه الخطوة التنظيمية بمعزل عن التطورات الأوسع التي تشهدها الحركة العمالية في الولايات المتحدة، والتي تتمثل في تزايد المعارك القانونية والانتصارات القضائية لصالح العمال.
ومن أبرز هذه التطورات القرار القضائي الذي أعاد أكثر من 300 ألف موظف في وزارة شؤون المحاربين القدامى إلى عقودهم النقابية بعد محاولة تقليصها، وهو ما اعتبرته النقابات انتصاراً مهماً لحق العمال الفيدراليين في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.
الإضرابات والقرارات القضائية الأخيرة تؤكد أن ميزان القوى بين العمال والشركات ليس قدراً ثابتاً، بل معادلة يمكن تغييرها عندما ينظم العمال أنفسهم.
* موجة جديدة من التنظيم النقابي
في هذا السياق أكدت ليز شولر، رئيسة الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعيةAFL-CIO بقولها: “عندما يتحد العمال وينظمون أنفسهم في نقابات، فإنهم لا يحسنون ظروفهم في العمل فحسب، بل يقوون مجتمعاتهم ويعززون الديمقراطية الاقتصادية.”
وأضافت:“نشهد اليوم موجة متجددة من تنظيم العمال عبر مختلف القطاعات، من المصانع إلى الخدمات والتكنولوجيا.”
* من ذروة الستينيات إلى عودة اليوم
في ستينيات القرن الماضي كانت النقابات تمثل نحو ثلث القوة العاملة الأمريكية( بتقديرات حوالي 30 مليون عامل) وأسهمت في بناء الطبقة الوسطى.
لكن العقود اللاحقة شهدت تراجعاً في العضوية النقابية نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسات المعادية للنقابات.اليوم تشير التطورات الأخيرة إلى بداية انعطافة جديدة وهامة في مسار الحركة النقابية الأمريكية لتعود كقوة نضالية لها تأثير كبير على الوضع الإقتصادي والسياسي الأمريكي.
*بعد عالمي: ما الذي تعنيه عودة النقابات الأمريكية؟
إن عودة الزخم إلى الحركة النقابية في الولايات المتحدة لا تقتصر آثارها على الداخل الأمريكي فقط، بل تحمل أيضاً دلالات مهمة للحركة النقابية العالمية.
فالنقابات الأمريكية تلعب دوراً مهماً داخل الحركة النقابية الدولية عبر الاتحاد الدولي للنقابات العمالية التي هي عضو هام فيه وغيره من الاتحادات النقابية المهنية.
وعندما تحقق النقابات الأمريكية مكاسب في الأجور والمفاوضة الجماعية وحقوق التنظيم فإن ذلك يعزز المعايير العمالية الدولية ويدعم نضالات العمال حول العالم.
*عودة النقابات… واستعادة صوت العمال
إن ما تشهده الولايات المتحدة اليوم من إضرابات ناجحة، وانتصارات قانونية، وتوسع في التنظيم النقابي ليس مجرد أحداث متفرقة، بل مؤشر على تحول أعمق في العلاقة بين العمال والاقتصاد.
لقد أظهرت تجربة إضرابات عمال السيارات والانتصارات القضائية للعمال الفيدراليين أن النقابات قادرة على تغيير ميزان القوى في الاقتصاد عندما يمتلك العمال التنظيم والإرادة.
فالإضرابات تعود، والتنظيم النقابي يتوسع في قطاعات جديدة، والنقابات تستعيد حضورها في النقاش العام حول العدالة الاقتصادية.
وما يحدث في الولايات المتحدة لا يهم العمال الأمريكيين وحدهم.بل كما ذكرنا أعلاه له تأثير كبير على ما يحدث في الجركة النقابية العالمية،فالنقابات الأمريكية، بحكم حجم الاقتصاد الأمريكي وتأثيره العالمي، تلعب دوراً مهماً داخل الحركة النقابية الدولية عبر الاتحاد الدولي للنقابات العمالية والاتحادات القطاعية العالمية مثل الاتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعة والإتحاد الدولي لنقابات عمال البناء والأخشاب وغيرها من الإتحادات النقابية الدولية.
وعندما تحقق هذه النقابات مكاسب في مجالات الأجور والمفاوضة الجماعية، فإن ذلك يساهم أيضاً في تعزيز المعايير العمالية عالمياً.
في النهاية، ربما لا تكون عودة النقابات في الولايات المتحدة ثورة فورية، لكنها بالتأكيد إشارة إلى تحول مهم.
فالعمال الذين ينظمون أنفسهم، ويضربون عندما يلزم الأمر، ويدافعون عن حقوقهم في المحاكم والبرلمانات، يثبتون مرة أخرى أن ميزان القوى في الاقتصاد ليس قدراً ثابتاً.
إنه ميزان يمكن تغييره.
وفي عالم تتزايد فيه الفجوات الاجتماعية وتتسارع التحولات الاقتصادية، تعود النقابات لتذكّر العالم بحقيقة أساسية:
إذا كان التاريخ قد علمنا شيئاً، فهو أن قوة العمال لا تُمنح لهم… بل يبنونها بأنفسهم.