أزمة صُنعت في الداخل… وأرباح جُمعت في الخارج *اتحاد الشغل بعد المؤتمر 26: السلطة وأصحاب العمل يوسّعون نفوذهم… والعمال يدفعون الثمن


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 22:55
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

*مقدمة
يُعَرف عن الإتحاد التونسي العام للشغل بأنه من أقوى الإتحادات النقابية في العالم العربي ،فمنذ تأسيس هذا الإتحاد في العام 1946 كانت له بصمات نضالية واضحة على التنظيم النقابي، والربط بين النضال الوطني والمطلبي،لذلك حظي بالتقدير على الصعيدين العربي والعالمي،الا أن الأزمة الوازنه التي عصفت في هذا الإتحاد خلال الفترة الأخيرة ، والتي بلغت ذروتها ، عندما أعلن الأمين العام نور الدين الطبوبي تنحيه والبقاء في بيته بما يشبه حالة الإضراب الذاتي ، والسبب هو تصاعد الخلافات في مؤسسات الإتحاد.
في تلك لفترة ومن خلال متابعتنا ل "الحوار" ما بين الأطراف ،إزداد قلقنا، بل وخوفنا على مستقبل الإتحاد ، لأننا لمسنا من تلك المنشورات هبوب رياح سلطوية -وأرباب عمل ، ربما كان هناك من يغذيها ،لكن ذلك هو توقع لا غير.
أحد نقاط الخلاف المركزية ،هو تعديل البند 20 الذي يسمح للأمين العام والأعضاء في المكتب النفيذي الترشح لدورة ثالثة ،بينما ما كان هو إمكانية الترشح دورتان فقط لا غير،الأمر الذي إعتبره البعض محاولة من الأمين العام وإعضاء المكتب التنفيذي الإنفراد بدورة قيادة ثالثة.
بعد إقناع نور الدين الطبوبي بالعودة لممارسة مهامة كأمين عام والخروج من عزلته ، تقرر عقد المؤتمر السادس والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل أيام (25 ، 26، 27 مارس/ آذار 2026)، وهناك من يعتقد أن أزمة الإتحاد لا علاقة لها بالخلاف حول البند 20 الذي تم تعديله في المؤتمر ليعود بنصه السابق ، بل ولا يمكن تحميل الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي تبعات الأزمة التي عصفت بالإتحاد، بل للأزمة أبعاد أخرى مرتبطة بالتغييرات السياسية التي عاشتها تونس في السنوات الخمس الأخيرة ، وعجز قيادة الإتحاد خلال هذه الفترة التعامل معها كما يجب الأمر الذي أثار الكثير من الجدل، هنا نحاول القيام بقراءة موضوعيه لما حدث وما هي مهام القيادة الجديدة التي يعتقد أنها مثلت تيار المعارضة للقيادة السابقة.

*اتحاد الشغل بعد المؤتمر 26: من استفاد من الأزمة… ومن سيدفع ثمنها؟
لم يكن المؤتمر السادس والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل مجرد محطة تنظيمية عادية، بل جاء أقرب إلى عملية إنقاذ متأخرة لمنظمة تاريخية كادت أن تُستنزف من الداخل، في لحظة تواجه فيها ضغطًا خارجيًا غير مسبوق.لكن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: ماذا أفرز المؤتمر؟بل أصبح أكثر حدّة ووضوحًا وهو: من استفاد من الأزمة التي سبقته؟

*أزمة داخلية… لكنها لم تكن بريئة سياسيًا
صحيح أن الاتحاد عاش صراعًا داخليًا حادًا حول القيادة والتوجهات، بلغ ذروته في الجدل حول الفصل 20 والتنافس بين القوائم التي بدأت تستعد للتنافس في الإنتخابات ،برز ذلك قبيل انعقاد المؤتمر والبدء بعقد مؤتمرات في الجهات المختلفة.لكن هذا الصراع لم يبقَ داخل أسوار المنظمة.بل تحوّل بسرعة إلى ساحة مفتوحة للتوظيف السياسي والاجتماعي.
في تلك اللحظة بالذات: كانت السلطة تمضي في خياراتها دون رقيب نقابي فعلي،وكان أصحاب العمل يعيدون ترتيب مواقعهم مستفيدين من غياب طرف تفاوضي موحّد،وتُرك العمال دون غطاء نقابي قوي يدافع عن حقوقهم، ولذلك لم يكن ما حدث مجرد أزمة تنظيمية… بل فراغًا استراتيجيًا استُغل بالكامل.

*الحكومة وأرباب العمل… المستفيد الأكبر
لا يمكن القفز على حقيقة واضحةوهي: أن المستفيد الأول من انقسام الاتحاد كان الحكومة وأصحاب العمل. ما جرى خلال تلك الفترة هو :تعطّلت مفاوضات الزيادات في الأجور،بل وتم تأجيل الاتفاقيات أو الالتفاف عليها،مما ادى الى تراجع في الضغوط النقابية بشكل ملحوظ ، لأنه جرى التعامل مع الاتحاد كجسم منقسم وغير قادر على فرض شروطه، وهنا يصبح السؤال أكثر جرأة:هل تم فقط استغلال الأزمة… أم جرى أيضًا تغذيتها؟

*إضعاف النقابات: استراتيجية قديمة بأدوات جديدة
ما حدث داخل الاتحاد لا يمكن فصله عن سياق أوسع وهو: أن تفكيك التنظيمات النقابية لم يعد يتم بالقمع فقط،بل عبر إغراقها في صراعات داخلية وتحويلها من قوة مواجهة اجتماعية إلى ساحة نزاع داخلي،لم يكن الهدف ضرب الاتحاد من الخارج،بل دفعه لاستنزاف نفسه من الداخل. وبأسف وألم نقول هذا ما تحقق إلى حد بعيد.

*مؤتمر المنستير: إعادة ترتيب… أم فرصة أخيرة؟
أفرز المؤتمر قيادة جديدة بانتخاب صلاح الدين السالمي، القادم من مسار نقابي ونضالي طويل، من القاعدة التعليمية والعمل الجهوي.لكن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير موازين القوى.
الخطر الحقيقي هو:أن تتحول “المصالحة” إلى إعادة توزيع داخل نفس التوازنات التي أضعفت الاتحاد.
وفي هذا السياق، تكشف جريدة "الشعب" في عددها الأخير،وهي لسان حال الاتحاد، عن توجه المرحلة القادمة، حيث جاء فيها بوضوح:“أيدينا ممدودة وإعادة فتح الحوار الاجتماعي مع الحكومة أولوية عاجلة”، وهو تصريح يعكس رغبة في التهدئة وإعادة ترتيب العلاقة مع السلطة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:هل يمكن استعادة التوازن بمجرد الدعوة إلى الحوار، في ظل اختلال واضح في موازين القوى بعد فترة المنازعات التي أدت الى حالة من الضعف الداخلي؟

*الوحدة: ضرورة… ولكن بشروط
كما شدّد نفس المصدر على أن:“الدعوة إلى الوحدة والشروع في إصلاحات داخلية تضمن استمرارية المنظمة واستقلاليتها” وهذا يعتبر تأكيد مهم على أن الأزمة لم تكن ظرفية، بل بنيوية.غير أن الوحدة، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها. نعم فإن الوحدة التي لا تتحول إلى قوة ضغط… تبقى مجرد توازن هش.

*الحوار أم ميزان القوة؟
الدعوة إلى استئناف الحوار الاجتماعي تمثل خيارًا واقعيًا في الظاهر. لكن في العمق، يطرح ذلك معضلة أساسية وهي: هل يمكن لحوار اجتماعي أن يكون متكافئًا في غياب ضغط نقابي فعلي؟
فالحوار، في التجارب الاجتماعية، لا يكون منتجًا إلا عندما يستند إلى قوة تفاوضية حقيقية.
أما دون ذلك، فقد يتحول إلى مجرد: إدارة للأزمة أو آلية لامتصاص الاحتقان.

* من دفع الثمن؟
الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين قيادات.بل من تحمل تبعاتها وثمنها دفعه العمال مباشرة:أجور مجمدة أو مؤجلة كذلك هناك حقوق معلقة، وبسبب الوضع الحالي هناك تراجع في القدرة التفاوضية بل بالإمكان القول يوجد شبه غياب للضغط النقابي.
في المقابل: ربحت السلطة الوقت، وكسب أصحاب العمل هامشًا أوسع للمناورة،وتراجع ميزان القوة الاجتماعي لصالحهم

* اللحظة الحاسمة
اليوم، ومع انطلاق عمل المكتب التنفيذي الجديد، يقف الاتحاد أمام مفترق طرق حقيقي:
إما:استعادة الوحدة وتحويلها إلى قوة ضغط فعلية وثم فتح معركة اجتماعية لاسترجاع الحقوق
وإعادة فرض الاتحاد كفاعل مركزي في التوازنات الوطنية أو:الاكتفاء بإدارة الأزمة وترك مسار التراجع يتواصل.

* هل هي بداية لإستعادة القوة؟
لم تكن أزمة اتحاد الشغل مجرد خلاف داخلي.بل كانت فرصة ذهبية:استغلتها السلطة وأصحاب العمل…وربما ساهموا في تغذيتها…لإضعاف أحد آخر معاقل التوازن الاجتماعي في البلاد.
والسؤال الآن ليس ما حدث…بل: هل سيتحول المؤتمر 26 إلى بداية استعادة القوة… أم إلى مجرد هدنة مؤقتة؟