“لا ملوك”: كيف تحوّل الغضب العمالي في أمريكا إلى موجة عالمية ضد الحرب والغلاء والسلطوية
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 16:14
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
البداية
عندما طرحت قيادة الحركة النقابية الأمريكية متمثلة ب"الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) ” موضوع المظاهرات ضد سياسات ترامب وثلة حكمه الرأسمالية، كان الهدف القيام بحراك عمالي وشعبي على الصعيد الأمريكيلمتحت شعار "لا ملوك"، وكأنها تقول لا لحكم الملكية ولا لسيطرة “ملوك رأس المال علينا”. وما صرح بع المتظاهرون في مظاهراتهم يعبر عن موقف طبقي عميق بقولهم :”لا يوجد ملوك في أمريكا. عندما يجتمع العاملون معًا، يمكننا الوقوف في وجه الرؤساء والسياسيين، وإعادة كتابة القواعد حتى تعمل بلدنا لصالح العاملين، وليس الأغنياء والأقوياء. #لا ملوك"، تم شراء نظامنا من قبل مجموعة مكونة من 900 ملياردير معًا، يسيطرون على ما يقرب من 7 تريليونات دولار من ثروة الدولة بينما يكافح الناس العاديون لدفع الفواتير. يعمل النظام بشكل جيد للأغنى ولكن ليس لن"ا. إنه تعبير طبقي واضح .
لذلك لم تكن تظاهرات “لا ملوك” في 28 آذار/مارس 2026 مجرد احتجاجات عابرة، بل شكلت لحظة مفصلية تكشف عن تحوّل عميق في المزاج الشعبي—ليس فقط في الولايات المتحدة، بل على المستوى العالمي.
* 9 ملايين متظاهر مقابل 900 ملياردير
من الشارع إلى موقع العمل: حين تستعيد الطبقة العاملة صوتها في مواجهة السلطة والمال
نعم في 28 آذار/مارس، لم يكن ما جرى في شوارع الولايات المتحدة مجرد احتجاج عابر.لقد كان إعلانًا واضحًا عن تحوّل في المزاج العام: العمال يعودون إلى قلب السياسة. لقد خرجت حشود من العمال والنقابيين، إلى جانب حركات اجتماعية وشبابية، لتقول جملة واحدة مكثفة المعنى: لا سلطة تعلو فوق إرادة الناس… ولا مكان لحكم المال والاستبداد في مجتمع يدّعي الديمقراطية.
الشارع يتكلم… لأن الاقتصاد يخنق،هذه الاحتجاجات لا يمكن فهمها بمعزل عن الواقع المعيشي القاسي. ففي وقت تتصاعد فيه الأرباح الكبرى للشركات، يواجه العمال:تضخمًا يلتهم الأجور،ارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف المعيشة والطاقة،تآكلًا في الخدمات العامة،وضغوطًا متزايدة على الاستقرار الوظيفي، ولم تعد هذه الأزمات مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى وقود سياسي يدفع الناس إلى الشارع.
الأهم من ذلك، أن السياسات التي تغذي هذه الأزمة — من الحروب المكلفة إلى الانحياز الصريح لرأس المال — باتت مكشوفة أمام ملايين العمال.
وعليه حين يخرج أكثر من 9 ملايين شخص في أكثر من 3300 تظاهرة عبر جميع الولايات الأمريكية، ويترافق ذلك مع موجة تضامن دولية من روما إلى سيدني، فإننا لا نكون أمام حدث احتجاجي، بل أمام بداية طور سياسي جديد.
* من الغلاء إلى الشارع: الاقتصاد كشرارة
اللافت في هذه الاحتجاجات أنها لم تُبنَ فقط على شعارات سياسية عامة، بل على أزمة معيشية ملموسة: ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، تآكل القدرة الشرائية للطبقة العاملة، ضغوط التضخم المستمرة،هشاشة سلاسل التوريد.
هذه العوامل وغيرها كما قلنا سابقاً، التي تفاقمت مع التوترات الجيوسياسية، أعادت تشكيل وعي العمال. لم يعد الغلاء يُفهم كظاهرة اقتصادية محايدة، بل كـنتيجة مباشرة لخيارات سياسية.وهنا تحديدًا، يبدأ الربط بين الاقتصاد والسياسة.
* الحرب كعامل تضخّم: من الخليج إلى جيب العامل
التصعيد العسكري، خصوصًا في الشرق الأوسط، لم يبقَ حدثًا بعيدًا عن حياة العمال الأمريكيين أو الأوروبيين.
اضطراب ممرات الطاقة، مثل مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، انعكس مباشرة على:تكاليف النقل،
أسعار السلع الأساسية،فواتير الطاقة.
وبذلك، تحوّلت الحرب من ملف “سياسة خارجية” إلى عبء يومي على الطبقة العاملة.
في هذا السياق، بدأت الحركة النقابية تربط بوضوح بين:الحرب = غلاء = تراجع مستوى المعيشة
وهو ربط كان حاضرًا بقوة في شعارات “لا ملوك”.
* سياسات الرئيس دونالد ترامب ومجموعنه الرأسمالية -من الشعبوية إلى السلطوية
الاحتجاجات لم تكن ضد الغلاء فقط، بل ضد الإطار السياسي الذي يُنتج هذا الغلاء.
سياسات الرئيس دونالد ترامب ، كما يراها المحتجون، قامت على ثلاث ركائز:
أولاً: الانحياز لرأس المال
من خلال: تخفيف القيود على الشركات الكبرى،إضعاف التنظيم النقابي،فتح الأسواق أمام المنافسة غير المنظمة.
ثانياً: تسييس الهجرة وقمع العمال
تحويل ملف الهجرة إلى أداة أمنية، بدل كونه قضية حقوق عمالية، أدى إلى: خلق سوق عمل أكثر هشاشة،تقسيم الطبقة العاملة،زيادة الاستغلال
ثالثا: النزعة السلطوية
من خلال: مهاجمة المؤسسات الديمقراطية،التقليل من شأن الاحتجاجات الشعبية،استخدام خطاب “النخب مقابل الشعب” لتبرير السياسات.
* الإعلام والسلطة: عندما يصبح الصمت موقفًا
واحدة من أبرز مفارقات هذا الحدث كانت ضعف التغطية الإعلامية، رغم حجمه التاريخي، هذا الصمت لا يمكن فهمه كخطأ مهني فقط، بل كجزء من: انحياز بنيوي في الإعلام السائد ، محاولة لتقليل شرعية الحراك،فصل الجمهور عن ديناميات الشارع
لكن الواقع أثبت أن: الحركات الاجتماعية لم تعد تعتمد على الإعلام التقليدي لتصنع تأثيرها
* لا ملوك” كحركة عالمية
الامتداد الدولي للحراك لم يكن تضامنًا رمزيًا فقط، بل عكس تشابه الأزمات: في أوروبا: الغلاء وسياسات التقشف،في أستراليا: ضغوط المعيشة،في أمريكا اللاتينية: آثار النيوليبرالية، لذلك، فإن شعار “لا ملوك” تحوّل إلى: لغة عالمية لرفض تركيز السلطة والثروة
* النقابات تعود إلى الواجهة
الأهم في هذه اللحظة هو عودة الحركة النقابية كفاعل مركزي، ليس فقط في مطالب الأجور، بل في: الدفاع عن الديمقراطية،مواجهة الحرب،إعادة توزيع الثروة ، هذا يعيدنا إلى دور تاريخي للنقابات:الربط بين النضال الاقتصادي والنضال السياسي
* نحو ماذا نتجه؟
ما تكشفه هذه الاحتجاجات هو أن النظام القائم يواجه أزمة شرعية متصاعدة: حين ترتفع الأسعار ولا ترتفع الأجور،حين تُدار الحروب دون موافقة الشعوب، حين يتم تجاهل الملايين في الشارع. فإن النتيجة الطبيعية هي: تصاعد المقاومة الشعبية.
*إنها بداية مرحلة جديدة ،النقابات تعود… ولكن بشكل مختلف
ما يميز حراك 28 آذار ليس فقط حجم المشاركة الكبيرفي المظاهرات، بل طبيعة الدور النقابي الجديد.لم تعد النقابات مجرد أدوات تفاوض داخل أماكن العمل، بل أصبحت:قوة تعبئة في الشارع، فاعلًا سياسيًا مباشرًا وجسرًا بين النضال الاقتصادي والديمقراطي.
قيادة "الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) ” لم تكتفِ بالتصريحات، بل كانت حاضرة في قلب الحشد، إلى جانب المعلمين والعمال والموظفين، في مشهد يعكس إعادة تعريف دور الحركة النقابية في الولايات المتحدة.
هذه ليست عودة تقليدية للنقابات… بل تحول نحو نقابات تقود الصراع المجتمعي الشامل.#لا_ملوك: إنه أكثر من شعار، قد يبدو الشعار بسيطًا، لكنه يحمل مضمونًا عميقًا.فـ #لا_ملوك ليس مجرد رفض رمزي، بل تعبير عن رفض:تركّز الثروة والسلطة في أيدي قلة، تآكل المؤسسات الديمقراطية،استخدام الدولة لخدمة مصالح الشركات الكبرى.إنه صرخة ضد نموذج سياسي اقتصادي يرى في العمال مجرد تكلفة، لا قوة.
وفي هذا السياق، يصبح الشعار إعلانًا عن معادلة جديدة:الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل تُصنع أيضًا في مواقع العمل والشوارع.
* لا ملوك... بل حقوق
نعم “لا ملوك” ليست مجرد حركة احتجاجية، بل تعبير عن تحول عميق:من الاحتجاج المحلي إلى التضامن العالمي،من المطالب الاقتصادية إلى الصراع السياسي،من التذمر إلى التنظيم.
والرسالة الأوضح:الطبقة العاملة لم تعد تقبل أن تدفع ثمن الحروب والأزمات وحدها.
في لحظة تتقاطع فيها الحرب مع التضخم، والسلطة مع رأس المال، تعود الشعوب إلى الشارع لتقول ببساطة: لا ملوك… بل حقوق.