بين الحرب والتضخم - الحركة النقابية العالمية تعيد تعريف المعركة
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 23:55
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
*من وقف إطلاق النار إلى مواجهة اقتصاد الأزمات
في لحظة دولية مشحونة بالتوترات العسكرية والانهيارات الاقتصادية،صدر يوم الإثنين 13 نيسان الجاري بيان عن 11 من الاتحادات النقابية العالمية،مما جاء فيه: "الاتحادات النقابية العالمية تطرح الدعوة إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، في وقت تواجه فيه المنطقة كارثة إنسانية متفاقمة، واضطرابًا اقتصاديًا واسعًا، وتصاعدًا في الثمن الذي يدفعه العمال والمدنيون.
ويطالب البيان المشترك، الذي وقعته إحدى عشرة منظمة نقابية عالمية(1) تمثل أكثر من 200 مليون عامل وعاملة حول العالم، بـ إنهاء فوري للأعمال العسكرية، وحماية العمال المهاجرين والبحارة، والالتزام بالدبلوماسية باعتبارها الطريق الوحيد القابل للحياة نحو سلام دائم”.وأضاف البيان:
”بصفتنا نقابات تمثل أكثر من 200 مليون عامل وعاملة عبر القطاعات والقارات، فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى: رفض الحرب، واحترام القانون الدولي، وإدانة استخدام القوة العسكرية من جميع الأطراف،تحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى نهاية دائمة ومستدامة للأعمال العدائية، بما يشمل خفضًا كاملًا للتصعيد،حماية المدنيين وصون الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والنقل وأماكن العمل والمياه والغذاء، بما يتوافق كليًا مع القانون الدولي،ضمان حماية العمال المهاجرين والبحارة واللاجئين وجميع العمال في الأوضاع الهشة، بما في ذلك الإجلاء الآمن عند الضرورة، وضمان الوصول إلى الأجور والرعاية الصحية والمأوى ووسائل الاتصال.
كما دعا البيان الى صون حقوق الإنسان وحقوق العمل، وضمان المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وحماية حرية التنظيم النقابي والنشاط النقابي والحيز المدني الديمقراطي خلال النزاعات والأزمات.وأضاف البيان النقابي:”ونؤكد من جديد التزامنا الثابت بعالم تُحل فيه النزاعات عبر الدبلوماسية بدلًا من العنف، ويُعزز فيه العمل متعدد الأطراف، ويتمتع فيه جميع الناس بالحق في العيش والعمل بأمان وكرامة وديمقراطية وسلام فالحرب خيار سياسي. أما السلام فهو الجواب الوحيد.”
* الحرب كمولّد للتضخم… وليس مجرد نتيجة له
تطرح النقابات العالمية اليوم مقاربة مختلفة: الحرب ليست فقط نتيجة أزمات اقتصادية، بل هي أحد أبرز مسبباتها،فإغلاق مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة، وتعطّل سلاسل الإمداد، كلها عوامل تؤدي إلى ،إرتفاع أسعار الطاقة عالميًا وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل، بل وإلى تفاقم التضخم، خصوصًا في الغذاء والخدمات الأساسية
وهنا يتقاطع بيان الاتحادات مع مواقف أعلنتها الإتحادات النقابية في بيانات سابقة مثل الإتحاد الدولي للعمال والإتحاد الدولي لنقابات عمال البناء والأخشاب وإتحاد النقابات العالمي، التي شددت في بياناتها الأخيرة على أن الحروب الإمبريالية وسياسات الهيمنة هي محركات مباشرة لغلاء المعيشة وتآكل الأجور.
بمعنى آخر:العمال لا يدفعون فقط ثمن الحرب بالدم… بل يدفعونه يوميًا عبر التضخم ، وارتفاع الأسعار وتآكل قيمة الأجور.
بيان الأتحادات النقابية هذا جاء ليؤكد أن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد نزاع جيوسياسي عابر، بل أزمة مركبة تضرب في صميم عالم العمل والاقتصاد العالمي.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا البيان لا يمكن قراءته بمعزل عن تحول أوسع داخل الحركة النقابية الدولية، حيث باتت النقابات تربط بشكل متزايد بين الحرب، والتضخم، وتفكك العقد الاجتماعي العالمي.
*من غزة إلى طهران: تصاعد الخطاب النقابي ضد العسكرة
خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت حدة الخطاب النقابي العالمي، مطالبة بخفض التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية، جاءت تلك المواقف النقابية التي ربطت الحرب بتركيز السلطة الاقتصادية والخصخصة
بيانات الإتحاد الدولي للنقابات العمالية،التي ذهبت أبعد، ووصفت الصراعات بأنها نتاج مباشر للنظام الرأسمالي العالمي وهيمنة القوى الكبرى
هذا التباين في اللغة لا يخفي حقيقة أساسية وهي انه هناك إجماع نقابي عالمي على رفض منطق الحرب، وإن اختلفت التحليلات الجذرية لأسبابها.
*اقتصاد الحرب: إعادة توزيع الثروة ضد العمال
ما تكشفه هذه البيانات مجتمعة هو أن الحرب لم تعد مجرد حدث سياسي، بل أصبحت نموذجًا اقتصاديًا قائمًا بذاته أرباح قياسية لشركات الطاقة والسلاح ، والنتيجة لذلك هي تحميل العمال كلفة التضخم عبر تآكل الأجور، بل قيام الحكومات بتقليص الإنفاق الاجتماعي لصالح الإنفاق العسكري
وهذا ما حذرت منه النقابات مرارًا، معتبرة أن التضخم الحالي ليس “أزمة طبيعية”، بل نتيجة خيارات سياسية تخدم رأس المال على حساب العمل.
في هذا السياق، يصبح مطلب رفع الأجور الذي تقوده النقابات في أوروبا وأمريكا، كما في مواقف ETUC وAFL-CIO، جزءًا من مواجهة أوسع مع اقتصاد الحرب.
*العمال في الخطوط الأمامية… بلا حماية
واحدة من أخطر النقاط التي يسلط عليها البيان الضوء هي تحول العمال إلى ضحايا مباشرين للحرب
"ومن المؤسف أن من السمات المحددة لهذه الحرب استهداف منشآت الطاقة والنفط والغاز والبتروكيماويات في منطقة تعتمد اقتصاداتها بدرجة كبيرة على هذه القطاعات. فالعمال في هذه القطاعات يُقتلون أو يُصابون أثناء أداء واجبهم في أماكن عملهم، بينما تُستخدم هذه الموارد ذاتها وسيلة ضغط من مختلف أطراف النزاع”.كما جاء في البيان ، وللتأكيد على ذلك نقول عمال الطاقة يُقتلون في مواقع عملهم،والبحارة عالقون في مناطق النزاع،أماالعمال المهاجرون يجدون أنفسهم بلا حماية أو أجور.
هذا الوضع يهدد عشرات بل مئات آلاف الوظائف، ويترك العمال عرضة لفقدان الدخل بشكل مفاجئ ومن دون حماية في مختلف إنحاء العالم.
هذا الواقع يعيد طرح سؤال أساسي وهو، أين يقف القانون الدولي عندما يصبح العامل هدفًا؟
النقابات العمالية تجيب بوضوح ، هناك انهيار في منظومة الحماية الدولية، ما يستدعي ليس فقط وقف الحرب، بل إعادة بناء نظام عالمي يضع حقوق العمال في قلبه.
*من وقف إطلاق النار إلى معركة النظام العالمي
ما يميز بيان الاتحادات النقابية العالمية هو أنه لا يكتفي بالمطالبة بوقف إطلاق النار، بل يطرح ضمنيًا رؤية أوسع "هذا الوضع يهدد آلاف الوظائف، ويترك العمال عرضة لفقدان الدخل بشكل مفاجئ ومن دون حماية.
وعليه في ظل هذه الأوضاع تطالب النقابات بتعزيز حماية الحريات النقابية وربط السلام بالعدالة الاجتماعية ،وهنا تلتقي المواقف التي عبرت عنها بعض الإتحادات النقابية منذ بداية الحرب مع توجهات أوسع داخل الحركة النقابية باتأكيد على مطالبتها بعقد “عقد اجتماعي عالمي جديد” يضع أسس تضمن للعمال مختلف الحقوق التي تتماهى مع عالم العمل اليوم.
* السلام كشرط اقتصادي… وليس فقط إنساني
لم يعد السلام بالنسبة للحركة النقابية شعارًا أخلاقيًا فقط، بل أصبح،شرطًا اقتصاديًا أساسيًا لاستقرار الأجور، وكبح التضخم، وحماية سبل العيش. ففي عالم تُدار فيه الأزمات عبر الحروب، يصبح النضال النقابي مزدوجًا ضد الاستغلال الاقتصادي وضد العسكرة كأداة لإعادة إنتاج هذا الاستغلال،لا عدالة اجتماعية بدون سلام…ولا سلام بدون كسر منطق اقتصاد الحرب.
(1) الموقعون على البيان:
-ديفيد إدواردز، الأمين العام، الدولية للتعليم
-أتله هويه، الأمين العام، IndustriALL Global -union-
-لوك تراينغل، الأمين العام، الاتحاد الدولي للنقابات ITUC
-كريستي هوفمان، الأمين العام، UNI Global -union-
-ستيف كوتون، الأمين العام، الاتحاد الدولي لعمال النقل ITF
-أمبيت يوسون، الأمين العام، اتحاد العمال في البناء والأخشاب BWI
-أدريانا باز راميريز، الأمينة العامة، الاتحاد الدولي للعاملات المنزليات IDWF
-دانيال بيرتوسا، الأمين العام، PSI
-كريستيان براغاسون، الأمين العام، الاتحاد الدولي لعمال الأغذية والزراعة والفنادق والمطاعم والتموين والتبغ والقطاعات المتحالفة
-فيرونيكا نيلسون، الأمينة العامة، اللجنة الاستشارية النقابية لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية TUAC
-أنتوني بيلانجيه، الأمين العام، الاتحاد الدولي للصحفيين IFJ