الطاقة ليست أزمة… بل سلاح: من يدفع ثمن الحرب ومن يربح منها؟


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 02:11
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

مقدمة
أصدر الإتحاد الأوروبي للنقابات العمالية بياناً له يوم الثامن من نيسان 2026 بعنوان :”يواجه العمال زيادة في فواتير الطاقة بقيمة 1800 يورو في حال عدم اتخاذ الاتحاد الأوروبي أي إجراء".
شمل بحثاً لما يخسره العمال جراء إرتفاع تكاليف الطاقة وحدها على العمال مما جاء في مقدمته:”تطالب النقابات العمالية باتخاذ إجراءات جذرية من جانب الاتحاد الأوروبي لخفض تكاليف الطاقة، إذ يُظهر تحليل جديد أن متوسط فاتورة الأسرة سيرتفع بأكثر من 1800 يورو سنويًا إذا استمرت الأسعار الحالية أي ما يعادل أي ما يعادل 12% من إجمالي الإنفاق المنزلي.
يقول الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال (ETUC) إن الأرقام تُظهر أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى إصلاحات عميقة في قطاع الطاقة لتقليل اعتماده على الوقود الأحفوري الذي أصبحت أسعاره وإمداداته أكثر عرضة لعدم الاستقرار العالمي.
حتى قبل هذه الأزمة، لم يكن بمقدور 47.5 مليون شخص في الاتحاد الأوروبي (10% من السكان) تحمل تكاليف تدفئة منازلهم، بمن فيهم 23.7 مليون شخص من العاملين. وقد شهدت أوروبا بالفعل خسارة 27 ألف وظيفة في قطاع التصنيع شهرياً على مدى العامين الماضيين، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
لذلك لم يعد مقبولاً التعامل مع أزمة الطاقة والتضخم كأنها ظاهرة طبيعية أو نتيجة حتمية لظروف خارج السيطرة. ما يجري اليوم في أوروبا والعالم هو ببساطة: نقل منظم للثروة من جيوب العمال إلى خزائن الشركات الكبرى تحت غطاء الحرب و”تقلبات الأسواق”.
وعليه حين يحذّر الاتحاد الأوروبي للنقابات في بيانه من أن فواتير الطاقة قد ترتفع بأكثر من 1800 يورو سنوياً، فهو لا يقدّم مجرد رقم، بل يعلن عن تحول نوعي في طبيعة الأزمة: من أزمة أسعار إلى أزمة عدالة.

* الحرب ليست سبباً فقط… بل ذريعة
الحرب في الشرق الأوسط، كما تؤكد بيانات الاتحاد الدولي للنقابات، لم تخلق الأزمة من العدم، بل كشفت هشاشة نظام اقتصادي قائم على الركائز النيوليبرالية ،التبعية للوقود الأحفوري من نفط وغاز وفحم حجري، تتبعها المضاربات المالية كل ذلك يترك الأسواق بيد الشركات العملاقة، التي ترفع الأسعار من اجل زيادة ثرواتها وثروات مالكيها من أصحاب المليردات..
لكن الأخطرمن كل ذلك أن الحرب تحوّلت إلى ذريعة دائمة لتبرير رفع الأسعار تثبيت الأرباح تحميل العمال الكلفة، وهنا يصبح السؤال الحقيقي هل نحن أمام أزمة… أم أمام استثمار في الأزمة؟

*أرباحهم… فقرنا
بينما تغرق ملايين الأسر في “فقر طاقي” و"غذائي"، تحقق شركات الطاقة وشركات المواد الإستهلكية للمعيشة أرباحاً يومية خيالية.هذا ليس خللاً في السوق، بل وظيفة السوق كما صُممت شمن الؤيا الرأسمالية.
كما يشير الاتحاد الدولي لعمال البناء والأخشاب، فإن ما نشهده هو نموذج اقتصادي يراكم الثروة عبر الأزمات، لا رغمها.
لذلك فإن التضخم هنا ليس مجرد ارتفاع أسعار… بل هو آلية لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى.

*وقف إطلاق النار؟ جيد… لكنه لا يخفض الأسعار
نعم، وقف إطلاق النار ضروري. لكن من يروّج أنه سيعيد الأسعار إلى طبيعتها إما ساذج أو مضلل والأمر الأخير هو الأصح. خاصة وأن التجربة تقول لنا وبوضوح،الأسعار ترتفع بسرعة لكنها لا تنخفض بنفس السهولة اذن لماذا يجدث ذلك؟ لأن من استفاد من الأزمة لن يتنازل عن أرباحه طوعاً.
حتى بعد التهدئة ووقف القصف وهدير المدافع وأزيز الصواريخ ،تبقى “علاوة المخاطر” في الأسعار
وتستمر المضاربات وتُحافظ الشركات على هوامش الربح المرتفعة،بمعنى أوضح نقول الحرب تشعل النار… لكن السوق يرفض إطفاءها.

*الحقيقة التي يخشون قولها
الحقيقة البسيطة التي تعرفها كل النقابات الجادة:الأسعار لا تنخفض لأنها يجب أن تنخفض… بل لأنها أُجبرت على ذلك،وهذا ما يفسر مطالب الاتحاد الأوروبي للنقابات التي تتمحور حول القضايا المحرقة بالنسبة للعمال مثل فرض ضرائب على الأرباح الفائضة، وان يكون تدخل حكومي مباشر والقيام باستثمار عام في الطاقة، والأهم العمل على حماية القيمة المناسبة للأجور.
هذه ليست “اقتراحات تقنية”، بل معركة سياسية على من يدفع الثمن.

* هل من صوت للنقابات في بلادنا بالنسبة للغلاء؟
في الوقت الذي تتحدث فيه النقابات الدولية بوضوح، نرى في منطقتنا عامة حالة مقلقة من:الصمت، والتردد، أو الاكتفاء ببيانات خجولة،حتى في إسرائيل، حيث يفترض أن يكون للعمال صوت قوي، لم نشهد من الهستدروت موقفاً يرتقي إلى مستوى الأزمة.
أما في أكثرية النقابات بالعالم العربي، لم نشاهد موقفاً حازماً بهذا الخصوص ، سوى بيان من اتحاد الشغل المغربي، لذلك نلاحظ ان المشكلة أعمق: حيث غياب الربط بين الحرب والتضخم،وضعف المواجهةالنقابية النضالية مع السياسات الحكومية ،وغياب خطاب نقابي يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون ،وهنا لا بد من القول بوضوح:الحياد في زمن الأزمات ليس موقفاً… بل انحياز صامت للواقع القائم

* العدالة المناخية: الحل الذي يؤجلونه
الاعتماد على الوقود الأحفوري ليس فقط كارثة بيئية، بل أيضاً:مصدر دائم للأزمات،أداة ابتزاز اقتصادي،وقود للتضخم
كما تؤكد الاتحاد الدولي للنقابات، فإن الانتقال العادل إلى الطاقة النظيفة هو:شرط للاستقرار الاقتصادي… وليس رفاهية بيئية،لكن هذا الانتقال يُؤجَّل، لأن الأزمة الحالية مربحة جداً لمن يسيطرون على السوق.

*بدون نضال… لا تغيير
كل من ينتظر أن “تتحسن الأمور” تلقائياً، يراهن على وهم.
وقف إطلاق النار لن يخفض الأسعارالسوق لن يصحح نفسه والشركات لن تتخلى عن أرباحها
التغيير الحقيقي له طريق واحد:تنظيم… ضغط… وصراع اجتماعي،لأن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:الأسعار ترتفع بفعل الحروب… لكنها لا تنخفض إلا بفعل قوة العمال.
وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، بلا مجاملة:هل ستبقى الحركة النقابية في منطقتنا متفرجة…أم تتحول إلى قوة تفرض تغيير المعادلة؟
لأن الوقت لم يعد يسمح ببيانات خجولة،بل بالوقوف بقوة في مواجهة تلك السياسات التي أدت الى هذا التدهور بالنسبة للعمال.