اقتصاد الحرب… عندما يتحول الغضب إلى مشروع تغيير عالمي


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 18:14
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

*من استطلاعات الرأي في واشنطن إلى الشارع العالمي
تُرى هل استطلاعات الرأي في امريكا التي أشارات الى تراجع كبير في تأييد ترامب هي من الأسباب التي أدت الى اعلان وقف اطلاق النار في الحرب على ايران؟ من الصعب تأكيد ذلك.
التراجع في شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كما ظهرت في استطلاع أجرته شبكة CNN مؤخراً، لم يعد مجرد خبر سياسي عابر.إنه تعبير مكثف عن لحظة تاريخية يتقاطع فيها الاقتصاد، والحرب، والغضب الاجتماعي- ليس في الولايات المتحدة فقط، بل على مستوى العالم.

*الأرقام التي جاءت في الإستطلاع كانت واضحة:31% فقط يؤيدون الأداء الاقتصادي لترامب وطاقم حكمه، و65% يرون أن السياسات الحالية جعلت الوضع أسوأ،وأن 63% يرون أن سياسات ترامب الخارجية أضرت بمكانة الولايات المتحدة عالميًا. لكن الأهم هو الرابط الذي بدأ يتضح لدى الناس، وهو: الحروب في الخارج = غلاء في الداخل،وهذا وعي سياسي متقدم يعيد طرح السؤال الجوهري،من يدفع ثمن الإمبراطورية؟ لكن الأهم من الأرقام هو ما تخفيه خلفها ،تفكك متسارع في العلاقة بين العمل والعيش، وبين الدولة والمجتمع.

*الحرب والتضخم، الضربة المزدوجة
ارتفاع أسعار الوقود إلى أكثر من 4 دولارات للغالون- في سياق التصعيد العسكري بعد الضربة الأميركية لإيران- كشف العلاقة المباشرة بين السياسة الخارجية العدوانية والمعاناة اليومية للطبقة العاملة، وهكذا تكون النتيجة في الإستطلاع بخصوص وضع العمال: 63% يعانون ماليًا بسبب أسعار الوقود،45% قللوا تنقلاتهم من سفر وغير ذلك من ضروريات والأغلبية تقوم بتقليص نفقاتها الأساسية، وقد عبّر أحد المشاركين في الإستطلاع ملخصاً المأساة المعيشية التي أدت لها سياسات ترامب وحربه بقوله،“نحن فقراء بين البنزين والبقالة.” هذه ليست مجرد شكوى، بل إدانة سياسية كاملة لنموذج اقتصادي قائم على الحرب والتضخم.

* ما وراء الأرقام، نهاية وهم الاستقرار
لأكثر من عقود، قام “العقد الاجتماعي الأميركي” على فكرة بسيطة،"إعمل بجد… وستعيش بكرامة”،لكن اليوم، بدأ هذا الوعد يتلاشى.العمال يعملون أكثر… لكنهم يستهلكون أقل،والطبقة الوسطى تنكمش في ظل ما أدت به سياسات الرئيس ترامب في فترة حكمه الحالية لدرج أن القدرة على الادخار تختفي ، لذلك لم يعد السؤال كم نكسب؟، بل هل يكفي ما نكسب لنعيش؟
وهنا حديدًا تبدأ الأزمة الحقيقية—أزمة شرعية اقتصادية.

* الشارع يتكلم، #NoKings كصرخة طبقية
في 28 آذار، حيث بادرت الحركة النقابية الأمريكية ووالعديدمن الحركات الداعمة لها في اليوم النضالي ، حيث خرج المايين في مظاهرات ، لم تخرج هذه الملايين إلى الشوارع تحت شعار “#NoKings” فقط احتجاجًا على شخصية سياسية، بل رفضًا لبنية كاملة من الحكم وما أتى به من ظُلم للعمال خاصة وللشعب الأمريكي عامة.هذا الشعار، في جوهره، هو إعادة تعريف للسيادة: لا ملوك… تعني لا سلطة اقتصادية فوق المجتمع، بل لا ملوك… تعني لا اقتصاد يُدار لصالح القلة
واللافت أن هذه المظاهرات تجاوزت الانقسامات التقليدية،من المدن الكبرى إلى المناطق المحافظة، ومن العمال الصناعيين إلى موظفي الخدمات.وما يوحّدهم ليس الانتماء الحزبي، بل الضغط المعيشي اليومي، أي الغلاء وتآكل القيمة الشرائية للأجور التي يحصلون عليها كعاملين ومخصصات التقاعد كمتقاعدين.

* الحرب كاقتصاد: من الجبهة إلى محطة الوقود
التحول الأخطر الذي تكشفه هذه اللحظة هو إدراك متزايد لدى الناس بأن الحرب ليست حدثًا خارجيًا… بل سياسة اقتصادية داخلية، تشمل ارتفاع أسعار الوقود بعد التصعيد العسكري ليس تفصيلاً تقنياً، بل تجربة يومية تعيد تشكيل الوعيلدى الشعب بأن كل صاروخ يُطلق… يُترجم إلى فاتورة أعلى،وكل توتر جيوسياسي… يعني تضخمًا جديدًا.وهنا يتقاطع الاقتصاد مع السياسة بشكل مباشر ، الناس لا يدفعون فقط ضرائب الحرب… بل يعيشون آثارها يوميًا.

* من واشنطن إلى العالم: أزمة واحدة بأوجه متعددة
ما يبدو أنه أزمة أميركية، هو في الحقيقة انعكاس لنمط عالمي، في أوروبا أيضاً هناك تضخم الطاقة ورفع أسعارها يعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية، وفي الجنوب العالمي الديون والتبعية تضاعف آثار الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، بل وفي مناطق النزاع والحرب، الاقتصاد يُعاد تشكيله تحت ضغط الحرب، بمعى آخر ترتفع الأسعار وتنهار المضاربات المالية، والعمال والشعب هم من يتحملون تبعات ذلك،لكننا نجد ان القاسم المشترك هو واحد في جميع أنحاء العالم.

*اقتصاد عالمي مفرط في التسييس، تُحدد مساراته الجيوسياسة أكثر من حاجات الناس.
النقابات تعود إلى الواجهة: قراءة في مواقف الإتحادات النقابية الدولية نلحظ أنها متجانسة في وقوفها ضد هذه السياسات التي صاغها ترامب ومجموعنه الحاكمة.
ولذلك نجد أنه في هذا السياق، لم تقف الحركة النقابية الدولية موقف المتفرج بل كانت فاعله بمواقفها، من اصدار البيانات الى القيام بحراك نضالي.مثلا الاتحاد الدولي للنقابات العمالية أكد في بيان له أن لا عدالة اجتماعية بدون سلام، وحذّر من أن التصعيد العسكري العالمي يعمّق عدم الاستقرار الاقتصادي ويؤدي الى ارتفاع تكاليف المعيشة، وتآكل الحماية الاجتماعية، وطرح معادلة واضحة يقول فيها "السلام شرط اقتصادي، وليس فقط سياسي”.
أما اتحاد عمال البناء والأخشاب الدولي، فقدم قراءة أكثر جذرية، يؤكد فيها أن الحروب ليست انحرافاً… بل جزء من نموذج اقتصادي،والسلطة الاقتصادية والسياسية تتركز في أيدي قلة، ولذلك العمال يتحملون الكلفة دون أن يشاركوا في إتخاذ القرار، وهنا يتحول النقد من السياسات إلى بنية النظام ذاته.

* لحظة تقاطع، عندما يلتقي المحلي بالعالمي
ما يجمع بين عامل أميركي يصرخ ضد غلاء البنزين،وعامل أوروبي يواجه أزمة الطاقة وعامل في الجنوب العالمي يعاني من التضخم ،هو إدراك متنامٍ بأن الأزمة ليست محلية… بل نتيجة نظام اقتصادي عالمي غير عادل،وهذا الإدراك هو ما يحول الاحتجاجات من مطالب جزئية إلى وعي طبقي عالمي متشكل.

* أزمة تمثيل… أم بداية بديل؟
عندما تقدم نتائج الاستطلاعات تظهر لنا منها حقيقة واحدة الا وهي فقدان الثقة بالحكومة. أما المظاهرات فتظهر لنا حالة الرفض لسياسات النخب الحاكمة. والنقابات التي تتخذ مواقف واضحة ومناهضة لهذه السياسات الرأسمالية تطرح النقد لهذه الأنظمة وتنهض في مسارات نضالية من أجل لجم سياساتها وتغيرها.
لكن السؤال الحاسم يبقى:هل نحن أمام أزمة فقط… أم أمام بداية مشروع بديل؟
حتى الآن، الغضب موجود.،لكن التحدي هو تحويله إلى تنظيم نضال نقابي مستدام، ووضع برنامج اقتصادي بديل يقوم على العدالة الإجتماعية وتوفير العيش الكريم للجميع ، وأن تكون القوة النقابية قوة سياسية قادرة على الفعل والتغيير.

* من الاقتصاد إلى التاريخ
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة تضخم أو تراجع شعبي.إنه تحول أعمق بل هو نهاية الوهم أن السوق سيحل كل شيء، كما يدعي أصجاب الفكر الرأسمالي الحالي، بل هو بداية إدراك أن الحرب والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، وضرورة عودة النقابات كفاعل عالمي في رسم الحاضر والمستقبل
نعم فإن التاريخ يعلمنا بأنه عندما يكتشف الناس أن عملهم لا يكفي للعيش… فإنهم لا يطالبون فقط بتحسين الأجور،بل يقومون بإعادة كتابة القواعد الإقتصادية والسياسية وما ينتج عنها من توفير العدالة لإجتماعية للجميع.