العمال الفلسطينيون بين الحاجة الاقتصادية والتجريم الأمني: من المستفيد من استمرار ظاهرة العمل دون تصاريح؟
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 02:52
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
كشفت صحيفة اقتصادية إسرائيلية في تقرير نشرته خلال حزيران/يونيو 2026 عن استمرار ظاهرة تشغيل العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل دون تصاريح قانونية، رغم حملات المداهمة والإغلاق والعقوبات التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة ضد أصحاب الأعمال والمقاولين الذين يشغلونهم.
ووفقاً للتقرير، فإن التقديرات المتداولة تشير إلى وجود نحو 50 ألف عامل فلسطيني داخل إسرائيل من دون تصاريح عمل سارية المفعول، مقارنة بما بين 35 و40 ألفاً قبل الحرب، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام ليست بيانات رسمية منشورة من السلطات الإسرائيلية، بل تقديرات أوردها التحقيق الصحفي. كما نقل التقرير عن مصادر إسرائيلية قولها إن الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يعلن محاربة الظاهرة وبين الواقع العملي على الأرض باتت تثير تساؤلات جدية حول مدى جدية السياسات المتبعة في معالجة المشكلة. لكن السؤال الأهم ليس كم يبلغ عدد العمال غير الحاصلين على تصاريح، بل لماذا تستمر الظاهرة وتتوسع رغم الإجراءات الأمنية والقانونية المشددة؟
اقتصاد يحتاج إلى العمال ويجرّمهم في الوقت نفسه
تكشف التجربة الممتدة لعقود أن الاقتصاد الإسرائيلي، وخصوصاً قطاعات البناء والزراعة والخدمات والمطاعم، اعتمد بصورة كبيرة على العمالة الفلسطينية. وتشير دراسات نقابية ودولية إلى أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين عملوا داخل إسرائيل والمستوطنات، وأن جزءاً مهماً من دخل الأسر الفلسطينية ارتبط تاريخياً بسوق العمل الإسرائيلي.
وفي ظل معدلات البطالة المرتفعة وضعف فرص العمل في الأراضي الفلسطينية، يصبح العمل داخل إسرائيل بالنسبة لآلاف العائلات مسألة بقاء اقتصادي وليس مجرد خيار مهني. لذلك فإن تشديد القيود على التصاريح أو إلغاؤها لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء العمال، بل يدفع الكثيرين نحو مسارات غير قانونية بحثاً عن مصدر رزق لعائلاتهم.
المستفيدون من الاقتصاد الرمادي
عندما يُحرم العامل من الوصول القانوني إلى مكان العمل، تنشأ شبكة من الوسطاء والسماسرة ومقاولي القوى العاملة الذين يحققون أرباحاً كبيرة من حاجته للعمل. وقد وثقت تقارير نقابية دولية في السنوات السابقة وجود سوق سوداء لتجارة التصاريح ووساطة العمل، حيث يتحمل العامل الفلسطيني الجزء الأكبر من المخاطر والتكاليف بينما يجني الوسطاء الأرباح.
كما أن غياب الوضع القانوني للعامل يجعله أكثر عرضة للاستغلال، سواء من حيث الأجور أو ساعات العمل أو شروط السلامة المهنية أو الحصول على الحقوق الاجتماعية والتعويضات. فالعامل الذي يخشى الاعتقال أو الترحيل أو فقدان مصدر رزقه يصبح أقل قدرة على المطالبة بحقوقه الأساسية.
البعد الإنساني الغائب
غالباً ما يُقدَّم العمال الفلسطينيون في الخطاب الإعلامي والأمني باعتبارهم “مشكلة أمنية” أو “ظاهرة غير قانونية”، بينما يتم تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي للقضية. فخلف كل عامل يعبر الحواجز أو يخاطر بالدخول دون تصريح توجد أسرة تعتمد على دخله، وواقع اقتصادي صعب يدفعه إلى المجازفة.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الأزمة الاقتصادية الأوسع التي يعانيها المجتمع الفلسطيني، ولا عن القيود المفروضة على الحركة والعمل والتنمية الاقتصادية. فكلما تقلصت فرص العمل داخل الاقتصاد الفلسطيني، ازداد الاعتماد على سوق العمل الإسرائيلي، سواء بصورة قانونية أو غير قانونية.
مقاربة نقابية مختلفة
من منظور نقابي وحقوقي، لا يمكن معالجة المشكلة عبر المداهمات والعقوبات الأمنية وحدها. فهذه السياسات قد تلاحق العمال والوسطاء وأصحاب الأعمال، لكنها لا تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الفلسطينيين إلى البحث عن العمل داخل إسرائيل .
الحل الحقيقي يكمن في ضمان الحق في العمل اللائق، وتنظيم سوق العمل بصورة شفافة، ومكافحة السمسرة والاستغلال، وتأمين الحماية الاجتماعية والصحية لجميع العمال، ومحاسبة المشغلين الذين يستفيدون من العمالة غير المنظمة لتحقيق أرباح إضافية.
فالعمال الفلسطينيون ليسوا مجرمين، بل هم في الغالب ضحايا واقع اقتصادي وسياسي معقد. وإذا كانت الحكومات تتحدث عن الأمن، فإن الحركة النقابية مطالبة بالتذكير دائماً بأن الأمن الاجتماعي والعدالة الاقتصادية وحق الإنسان في العمل الكريم هي أيضاً قضايا أمن واستقرار لا تقل أهمية.
إن استمرار الظاهرة رغم سنوات من الإجراءات والعقوبات يثبت أن المشكلة ليست في وجود العمال وحدهم، بل في بنية اقتصادية تستفيد من عملهم حين تحتاج إليهم، ثم تجرّمهم عندما يصبح وجودهم عبئاً سياسياً أو أمنياً. وهذه هي المفارقة التي يجب أن تكون في صلب أي نقاش جدي حول مستقبل العمال الفلسطينيين وحقوقهم، ولا يمكن إغفال الموقف المتماهي مع السياسة الحكومية من قبل القوى النقابية الكبرى في إسرائيل وصوتها الذي يكاد لا يسمع نهائياً عن هذا الوضع ، مما ينافي موقفها كقوة نقابية كان من المفروض ان تقف ضد السياسة الحكومية بما يتعلق بحق العامل الفلسطيني بالعمل.
ماذا تقول منظمة العمل الدولية؟
في الوقت الذي تنشغل فيه الصحافة الإسرائيلية بالحديث عن عشرات آلاف العمال الفلسطينيين الموجودين داخل إسرائيل دون تصاريح، يضع تقرير المدير العام لمنظمة العمل الدولية لعام 2026 القضية في سياقها الحقيقي. فالتقرير المقدم إلى الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي لا ينظر إلى العامل الفلسطيني باعتباره مشكلة أمنية، بل باعتباره عاملاً حُرم من حقه في العمل اللائق نتيجة الانهيار الاقتصادي، والقيود المفروضة على الحركة والعمل، وتراجع فرص التشغيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد حذر التقرير من التداعيات الخطيرة لتدهور سوق العمل الفلسطيني ومن الحاجة الملحة إلى خلق فرص عمل وحماية العمال وتعزيز صمودهم الاقتصادي والاجتماعي. كما شدد على أن أي مسار للتعافي وإعادة الإعمار يجب أن يضع التشغيل والحماية الاجتماعية وحقوق العمال في قلب أولوياته.كما أكد التقرير ذلك.
المسؤول هو حكومة الإحتلال
معاناة العمال هذه هي نتاج سياسة حكومة الإحتلال الإسرائيلي التي ،ليس قط في الغاء نظام تصاريح العمل، بل والقيام بتنفيذ سياسة تدمير شامل للبنى الإقتصادية الفلسطينية ، من تدمر لزراعة ونهب الراضي وحرق المزروعات والبيوت التي يقوم بها اوباش العنصريين تحت حماية جنود الإحتلال الذين من المفرو حماية المُعتَدى عليهم وليس المعتَدين, كما تقوم تلك القوات بإطاق النار على كل عامل ترصده عيونها مما يؤدي الى استشهاده او إصابته بإصابة تعيقه مدى الحياة، كل هذه التصرفات منافية للقانون الدولي وللمواثيق الدولية التي تنص على واجب المحتل حماية المواطنين وتوفير فرص عمل لهم.
لذلك نعود ونؤكد مجدداً ،إن الحديث عن نحو 50 ألف عامل فلسطيني داخل إسرائيل دون تصاريح – وفق تقديرات أوردها التحقيق الصحفي الإسرائيلي – لا ينبغي أن يقتصر على لغة الملاحقة الأمنية أو العقوبات. فخلف هذه الأرقام تكمن أزمة عمل وتنمية وحقوق إنسان. وما دام الاقتصاد الإسرائيلي بحاجة إلى العمالة الفلسطينية، وما دام الاقتصاد الفلسطيني عاجزاً عن استيعاب عشرات آلاف الباحثين عن العمل، فإن الظاهرة ستستمر بأشكال مختلفة. وهذا ما تؤكده أيضاً تقارير منظمة العمل الدولية التي تدعو إلى معالجة جذور الأزمة من خلال الحق في العمل اللائق، والتنمية الاقتصادية، والحماية الاجتماعية، وليس فقط من خلال الجدران والحواجز والملاحقات.