الحركة النقابية الأمريكية تستعيد قوتها: من مينيابوليس إلى ديترويت ملامح مرحلة جديدة للنضال العمالي


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 10:03
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

شهد شهر حزيران/يونيو 2026 حدثين نقابيين بارزين يعكسان التحولات العميقة التي تشهدها الحركة العمالية في الولايات المتحدة، تمثلا في انعقاد المؤتمر الدستوري الثلاثين للاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) في مينيابوليس، والمؤتمر الدستوري التاسع والثلاثين لاتحاد عمال السيارات الأمريكي (UAW) في ديترويت.
ورغم اختلاف طبيعة المؤسستين، فإن الرسالة التي خرج بها المؤتمران كانت واحدة: الحركة النقابية الأمريكية تستعيد موقعها كقوة اجتماعية وسياسية قادرة على تنظيم العمال وخوض المعارك الكبرى في مواجهة الشركات العملاقة والتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
في مينيابوليس، أعاد المؤتمر الدستوري للاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية- AFL-CIO انتخاب القيادتين النقابيتين البارزتين ليز شولر رئيسة للاتحاد وفريد ريدموند أميناً للصندوق، مؤكداً الثقة بالنهج الذي قاد إلى تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في تنظيم مليون عامل جديد خلال ثلاث سنوات فقط، وهو الهدف الذي كان مقرراً تحقيقه خلال عقد كامل.
كما أكد المؤتمر أن الاتحاد الذي يضم 65 نقابة وطنية ويمثل نحو 15 مليون عامل بات يركز على توسيع التنظيم النقابي، وتعزيز المشاركة السياسية للعمال، وبناء حركة قادرة على مواجهة الهجمات المتزايدة على الحقوق النقابية والديمقراطية.

- الاتحاد النقابي العام لعمال السيارات
وبعد أيام قليلة، انتقل الاهتمام إلى ديترويت حيث عقد اتحاد عمال السيارات UAW مؤتمره الدستوري التاسع والثلاثين في ظل صعود غير مسبوق لدوره داخل الحركة العمالية الأمريكية.
وشكل المؤتمر مناسبة لتثبيت مكانة رئيس الاتحاد شون فاين، الذي تحول خلال أربع سنوات من مرشح إصلاحي مغمور إلى أحد أبرز القادة النقابيين في الولايات المتحدة. ففي أول انتخابات مباشرة شهدها الاتحاد بعد فضائح الفساد التي عصفت بقيادته السابقة، فاز فاين بالرئاسة حاملاً برنامجاً للإصلاح واستعادة قوة النقابة.
وخلال المؤتمر استعرض فاين الإنجازات التي حققها الاتحاد في مواجهة شركات السيارات الكبرى، والنجاحات التنظيمية التي تحققت في مواقع عمل جديدة، مؤكداً أن المعركة المقبلة لن تقتصر على قطاع السيارات بل ستشمل الدفاع عن العمال في مواجهة التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
ووصف فاين الذكاء الاصطناعي بأنه "تهديد عميق" إذا تُرك دون ضوابط تحمي العمال، مؤكداً ضرورة إخضاع التكنولوجيا للمفاوضة الجماعية والرقابة الديمقراطية. كما تعهد بمواصلة النضال لاستعادة أنظمة التقاعد التقليدية خلال مفاوضات عام 2028.
وصادق المؤتمر على قرارات تعزز القدرات النضالية للاتحاد، من بينها رفع مخصصات الإضراب إلى 550 دولاراً أسبوعياً، وزيادة موارد صندوق الإضراب، وتخصيص 100 مليون دولار لمبادرات التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.

- ملامح استراتيجية هامة
وتكشف قراءة المؤتمرين معاً عن ملامح استراتيجية جديدة للحركة النقابية الأمريكية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: توسيع التنظيم النقابي في القطاعات الجديدة، وتعزيز القوة التفاوضية للعمال، والاستعداد لمواجهة التحديات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
كما تؤكد هذه التطورات أن النقابات الأمريكية، التي عانت لعقود من التراجع في العضوية والنفوذ، بدأت تستعيد حضورها من خلال خطاب أكثر جرأة وتركيزاً على العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية وحقوق العمال.
ومن مينيابوليس إلى ديترويت، تبدو الرسالة واضحة: الحركة النقابية الأمريكية لا تكتفي بالدفاع عن المكتسبات القائمة، بل تسعى إلى بناء مرحلة جديدة عنوانها التنظيم والتوسع واستعادة القوة العمالية في الاقتصاد والسياسة الأمريكية.

- عودة المسألة العمالية إلى قلب الصراع الاجتماعي والسياسي عالمياً
ولا يمكن قراءة ما جرى في مؤتمري AFL-CIO وUAW بمعزل عن المشهد النقابي العالمي الأوسع. فالحركة العمالية تشهد في السنوات الأخيرة موجة جديدة من النضالات والمبادرات التنظيمية في العديد من البلدان الصناعية. ففي فرنسا واصلت النقابات، وفي مقدمتها الكونفدرالية العامة للشغل (CGT)، معاركها دفاعاً عن التقاعد والقدرة الشرائية والحريات النقابية، فيما شهد مؤتمرها الرابع والخمسون في مدينة تور تأكيداً على خيار توسيع النضالات الاجتماعية ومواجهة صعود اليمين المتطرف.

وفي إيطاليا تتصاعد التحركات النقابية ضد سياسات التقشف وتدهور ظروف العمل، بينما تواصل النقابات الألمانية بقيادة IG Metall خوض معارك مرتبطة بالتحول الصناعي والرقمنة والذكاء الاصطناعي ومستقبل الوظائف في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا. أما في إسبانيا والبرتغال فتستمر المطالبات بتحسين الأجور وتقليص العمل الهش وتعزيز المفاوضة الجماعية في مواجهة الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.