تحرر من الاستعمار أم من الاستبداد؟


محمد علي مقلد
الحوار المتمدن - العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في النصف الأول من القرن الماضي بدأ يظهر على الكرة الأرضية عالم جديد تشكلت فيه دول وأوطان وأعلنت عن هوياتها شعوب وتبدلت أحوال وأنماط عيش، وكان للعالم العربي حصته من هذا التحول وطريقته للدخول إليه، فما هي ملامح هذا التحول وخصوصياته؟
حين اختتم هذا التحول مرحلته الأولى في قارة أوروبا بحربين عالميتين، آن أوان بدايته في منطقتنا وفي كل العالم. ارتبك عالمنا العربي ولم يعرف من أين يبدأ لأنه لم يحسن الإجابة على السؤال النهضوي الذي طرحه شكيب إرسلان في بداية القرن العشرين ثم اختاره عنواناً لكتابه الصادر عام 1930، لماذا تأخَّر المسلمون ولماذا تقدَّم غيرهم؟
في الحقيقة، لم تكن المرة الأولى التي يطرح فيها السؤال. سبق أن طرحته حركات الإصلاح الديني، الوهابية والسنوسية والمهدية والكاشانية، ثم رجال دين أفراد، جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، ثم مدنيون من أمثال شبلي الشميل وفرح أنطون، ومن بعدهم أحزاب تحكمت بآليات الوعي الشعبي وبأنظمة الحكم، من جماعات الإسلام السياسي والأحزاب القومية واليسارية والشيوعية وآخرها حزب الله.
إن أياً من هذه التيارات والأحزاب والأنظمة لم يقدم جواباً صحيحاً على السؤال، باستثناء حالتين في لبنان ومصر قدمتا إجابة صحيحة لكن مجتزأة. مصدر صحتها يعود إلى تعاملها الإيجابي مع الحضارة الجديدة القادمة من الغرب بالرغم من موقف السلطنة العثمانية السلبي. حصل ذلك، في المرحلة ذاتها، في جبل لبنان أيام نظام المتصرفية والإرساليات الأجنبية، وفي مصر بعد غزو نابليون ونظام محمد علي باشا.
عندما دخل العالم العربي مرحلة بناء الأوطان، التبس أمر العلاقة بالغرب الاستعماري، ولاسيما بريطانيا وفرنسا، إذ احتلت فرنسا الجزائر عام 1830 وتونس عام 1881 لتعبر منهما إلى مستعمراتها في إفريقيا، فيما اكتفت بريطانيا باحتلال مصر عام 1882، إضافة إلى نقاط ارتكاز لأسطولها على طول الساحل الممتد من قناة السويس حتى الخليج العربي.
غير أن خطاب الكراهية للغرب طغى في كل العالم العربي لأن الإسلام السياسي فسر حروب أوروبا ضد السلطنة امتداداً لصراعات التبشير الدينية فحرض ضده وحمّله مسؤولية انهيار الخلافة الإسلامية. أما اليسار الشيوعي والقومي فاختار مناهضة استعمار غير موجود إلا في برنامج الأممية الثالثة بقيادة الاتحاد السوفياتي. ذلك أن معظم بلدان العالم العربي كانت، منذ بداية المرحلة الفترة الاستعمارية الممتدة من أواخر القرن الخامس عشر، وبالتحديد مع اكتشاف أميركا على يد كريستوف كولومبوس عام 1492، وبعدها رأس الرجاء الصالح على يد فاسكو دو غاما عام 1497 حتى الحرب العالمية الأولى، خاضعة لنفوذ السلطنة العثمانية.
تفاقم الالتباس بسبب دور بريطانيا في تسهيل عمليات الاستيطان الصهيوني على أراض فلسطينية مغتصبة وقيام دولة إسرائيل عام 1948، ودورها مع فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. في ظل هذه الظروف المعادية للغرب نشأت حركات التحرر من الاستعمار الافتراضي عموماً ومن الاستيطان الصهيوني خصوصاً، وتحولت مهماتها، في ظل اختلال دائم بميزان القوى مع إسرائيل إلى مناهضة الأنظمة السياسية القائمة في العالم العربي بغية استبدالها واختارت العنف المسلح سبيلاً لذلك.
لا حركات الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر ولا حركات الكفاح المسلح في القرن العشرين نجحت في تقديم جواب صحيح على سؤال النهضة الإرسلاني، لأنها استندت إلى تشخيص أسباب التخلف بصورة مغلوطة، فلا الاستعمار هو السبب على ما قال اليسار القومي، إذ إن تخلف العالم العربي بدأ منذ سقوط الخلافة العباسية واجتياح تيمورلنك وهولاكو وإحراق مكتبات بغداد، ولا الخروج عن تعاليم الدين هو السبب، على ما قالت حركات الإصلاح الديني، إذ ما زالت الأديان تشكل الحامل الأساس للوعي الشعبي في كل العالم، حتى في البلدان الخاضعة لأنظمة علمانية.
الربيع العربي قدم تشخيصاً صحيحاً، لكن مجتزأً لأزمات العالم العربي حين صوب على الاستبداد كسبب أساسي وطالب بقيام أنظمة دستورية جمهورية أو ملكية، لكنه ظل حذراً من إبداء رأي بالقضية القومية الأولى، قضية فلسطين، وركز على العوامل الداخلية في كل قطر على حدة. استفادت تنظيمات الإسلام السياسي من زخم الربيع وقدمت نفسها بديلاً من الأنظمة القائمة، لكنه بديل من الطينة الاستبدادية ذاته، فانفجرت الحروب الأهلية إلا في مصر وتونس البلدين اللذين حمتهما المؤسسة العسكرية في كل منهما من الاقتتال الداخلي.
تجربة المملكة العربية السعودية على يد الأمير محمد بن سلمان أضافت جديداً حين شرّعت الدخول في الحضارة العالمية لا من باب الاقتصاد الريعي بل من باب الاستثمار في الرأسمال وفي العلم وفي الحرية وفي الانفتاح على العالم كله شرقاً وغرباً، ثم في تقديم خارطة طريق جديدة لمعالجة أكبر قضيتين عربيتين شوهتهما التجارب السابقة، الوحدة العربية وقضية فلسطين، فبدت مهمة تعزيز مجلس التعاون الخليجي وتوطيد دعائمه نموذجاً يمكن أن يتوسع ليشمل الأمة العربية كلها، واستعيد مشروع "مبادرة السلام العربية" الذي قدمته المملكة في قمة بيروت عام 2002 ليكون أساساً في كل بحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية.
منذ أن خرج البشر من الغابة وتشكلوا في مجتمعات وهم يسعون وراء الحرية ووراء العدالة. نهضتنا، وإن تأخرت، هي جزء من مسار بدأ يرتسم في أوروبا منذ قرون، وإن لم نصبح جزءاً فاعلاً فيه سنبقى ملتحقين وسيبقى السؤال الإرسلاني بلا جواب.