في مديح -العُسر- … و-التصوّف-
فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن
-
العدد: 8440 - 2025 / 8 / 20 - 12:03
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
Facebook: @NaootOfficial
لا يملك الإنسانُ أن يختار الأيام التي تُثقل قلبَه بالذكريات والوجع، أو تُفاجئه بالرموز والمعاني. فالزمن يُلقي أحيانًا على المائدة أكثر مما تحتملُ الروح. ويوم الثالث عشر من أغسطس، موعد استثنائيٌّ يراوح عندي بين الخاص والعام. فهو يوم رحيل أبي، المتصوّف النقيّ الذي علّمني المحبة والعدل والتسامح، وهو “اليوم العالمي لمستخدمي اليد اليسرى”، ذاك الاحتفاء البسيط بسبعة في المئة من البشر، أنا منهم، شاء الجينوم البشري أن يسلكوا دربًا مغايرًا للغالبية. وبما أنني كتبتُ عن أبي الذي أورثني القيم، أكتب اليومَ عن العُسْر الذين أورثهم القدر اختلافًا. فثمة خيطٌ خفي يربط بين الرجل الذي علّمني احتضان الاختلاف، وبين انتمائي إلى طائفة وُسِمت عبر التاريخ بالاختلاف.
في أحد المولات، شاهدتني صبيةٌ وركضت نحوي بلهفة وعانقتني بحب قائلةً إنها تحبُّ مقالاتي وتحتفظ ببعض كتبي وإنني مَثَلُها الأعلى. ثم لمعت عيناها فجأة وهتفت: (وكمان أنا فرحانة إني "شولة" زيك. الأول كنت متضايقة أوي. بس لما عرفت إنك شولة بقيت فخورة إني باشبهك في حاجة!) سألتُها: (وليه زعلانة إنك شولة؟) قالت: (حاجات كتير مش متصممة علشانا. المقص، ساعة اليد، الحاجز الإلكتروني في المترو، الجيتار، البيانو، الماوس، القلم الحبر، شريط القياس، مقاعد المحاضرات، بندقية الرماية، فتاحة المعلبات، الفتيس، سوستة البنطلون، ووو. بينسونا لما بيخترعوا!).
ولعل أجمل ما في المصادفات أنها تكشف ما يغيب عن وعينا. فما منحني أبي من دروس الصبر وقبول الآخر، هو ذاته ما جعلني أبتسم لتلك الفتاة الصغيرة في المول، حين احتضنتني. هناك أدركتُ أن الاختلاف ليس نقمة، بل هو علامة على فرادة لا يدركها إلا من تذوّق مرارتها. أن تكون أعسر، هو أن تقاوم الأدوات المصمّمة ضدك لتشاكسك، كما تقاوم الصور النمطية التي تطاردك عبر اللغات والثقافات. لكن في المقابل، هو أيضًا أن تملك فصًّا دماغيًا يميل إلى الخيال والفن والرياضيات. وهكذا، يصبح العُسْر أشبه بالغرباء الذين يزرعون الجِمال في الحقول الموحشة، ويتركون أثرًا مضيئًا في ذاكرة العالم. ولأنني وعدتُ "مروة"، هذا اسمها، أن أفسّر لها "سر العُسر"، أكتبُ هذا لها.
يُطلقُ علينا الأمريكان في العامية southpaw، (مِخْلَب الجنوب). لأن ملاعبَ البيسبول تُصمَّم باتجاه الشرق لكيلا تؤذي أشعةُ الغروب عيونَ اللاعبين. ولكن اللاعب الأعسر، يقذف الكرة نحو الجنوب. ويقول العِلمُ إن چين LRRTM1، هو المسؤول عن العَسَر، لأنه يُنشِّط فصَّ المخ الأيمن، المتحكّم في نصف الجسد الأيسر. وهذا الفصُّ المُبدع هو ماكينة الخيال واللغة والرياضيات والفنون. لهذا نجد كثيرين من العُسْر، فنانين وأدباء وفيزيائيين.
ولكي لا تشعر “مروة” بالعُزلة، أخبرُها أن رائعين مثل: “آينشتين، أرسطو، بيتهوڤن، نيتشه، نابليون، الإسكندر الأكبر، تشرشل، غاندي، نيوتن، ماري كوري، داڤنشي، مايكل-آنجلو، بيكاسو، كاسترو، مارادونا، ميسّي، توم كروز، آرم سترونج، بيل جيتس، ومعظم رؤساء أمريكا، وغيرهم، من العُسر. ولذلك لا عجب أن تُعلن منظمة Mensa، التي تضمُّ أذكياء العالم، أن معظم العُسر ذوو نسب ذكاء مرتفعة.
ومثلما اِشتُقَّت مفردةُ “أعسَر” من “العُسْر”، نقيض “اليُسْر”، نجد في الإنجليزية مترادفات الأعسر left-handed، تحمل دلالاتٍ سلبيةً. منها sinistral المشتقة من الجِذر sin (خطيئة)، كأنما الأشول خطّاءٌ! وفي العبرية، وبعض اللغات السامية واللهجات القديمة لبلاد ما بين النهرين، كانت “اليدُ” ترمز للقوة والسيادة، وبالتالي ترمز “اليدُ اليسرى” لسلطة الاعتقال الغاشمة، وكذلك سوء الطالع والنحس، ومسٌّ من غضب الآلهة! كذلك في عديد اللغات الأوروبية، مثل الإنجليزية والهولندية والألمانية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية؛ نجد مفردة “يمين” right لا تحملُ وحسب معنى السَّواء والصَّلاح والصِّحة (عكس الخطأ)، بل أيضًا معنى “الحق والعدالة”. وتاريخيًّا، أنْ تكون “أيمنَ” فذلك يعني أنك ماهرٌ. لأن الجذر اللاتيني dexter يعني “أيمن” ويعني “ماهر” في آن. وفي الأيرلندية deas تعني “يمين” وتعني: “لطيف” أو “جميل”. وفي المقابل كلمة gauche بالفرنسية تعني “يسار” وتعني “أخرق”. والأمر ذاته في الهولندية والبرتغالية: (له يدان يُسراوان ) يعني أنه (أبْلَه). وفي الإنجليزية: (ذو قدمين يسراوين) يعني فاشل في الرقص. والحقُّ أنني وقعتُ على ما لا يُحصى من تعبيرات لليد اليسرى، في لغات أوروبا وجنوب آسيا، تصبُّ جميعها في النهر السلبيّ! وبالطبع لا ننسى المُحمّل السياسيّ في كلمتيْ: (اليمين، اليسار).
وهكذا يا صغيرتي العسراء؛ مأساتُنا ليست فقط مع الأدوات “العنصرية” التي نعاني عند استخدامها، ولكن الأخطر والأقسى أن لدينا أزمة تاريخية مع المُحمّل المعرفي السيء لمستخدمي اليد اليسرى، فنحن بالفعل “غلابة”!
***