أبي … وأبي الروحي
فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن
-
العدد: 8437 - 2025 / 8 / 17 - 10:35
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
Facebook: @NaootOfficial
لم يرَ أحدُهما الآخر. لكن روابطَ كثيرةً ربطت بينهما؛ من بينها: أنا. كلاهما كان لي أبًا؛ إما بالجسد أو بالروح. ومن مفارقات القدر العجيبة أن يغادر كلاهما في اليوم نفسه، ولكن في عامين مختلفين. بين هذين العامين عشتُ أنا سنواتٍ طوالا، يغمرني ما تعلمته منهما، وما ورثته من جينات.
الأول: أبي الحقيقي. وبمناسبة اسم عائلته الفريد، وتكرار السؤال عن معناه، يطيبُ لي أن أنقل لكم بعض ما ورد بالمعاجم: “ناعوت”: جيد كريم رفيع المنزلة، فرسٌ ناعوت: أصيلٌ سبّاق حسُنَت خصالُه، امرأةٌ ناعوت: غاية في الجمال.
الثاني: أبي الروحي. الفنان الجميل، والوطني المناضل “سمير الإسكندراني”، الذي حلّت ذكراه الرابعة بالأمس ١٣ أغسطس، في نفس يوم رحيل أبي الحقيقي.
كلاهما كان متصوّفًا وحانيًا ومثقفًا وفنانًا. تعلّمتُ منهما أن أختصمَ، ولا أكره. أن أختلفَ في الرأي، ولا ألعن ولا أبغض. أن أساجلَ خصومي فكريًّا، ولا أدعو على أحد بالموت والويل والعذاب.
علمني أبي أن القوة في العُلوّ والتسامي، لا في التدنّي والانتقام. علمني أن أنصرف عمن لا يستحقُّ المجادلة؛ حتى أكون من: "عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما". علمني أن أساجل الأقوياء لا الضعفاء والموتى. الضعافُ لهم المساعدة، والموتى ليس لهم إلا تمنّي الرحمة والمغفرة. علّمني أبي أن حبَّ الله رهينٌ بحبّ خلق الله، وأن الانتصارَ لحقّ المظلوم آيةٌ من آياتِ الله العليا، لأنه تعالى حرّم الظلمَ على نفسه وجعله بيننا محرّمًا، في الحديث القدسي. علمني أن من يكره لا يحبُّ. ولهذا أفخر بأن " جهاز الكراهية" عندي مُعَطلٌ ولا أسعى لإصلاحه. ولم أقبض علي نفسي أبدًا متلبّسةً بالدعاء على أحد، مهما ظُلمت. فقط أدعو بأن يفصلَ اللُه بيني وبين الظالمين وأن يكشف كيدَهم.
أما أبي الروحي: "سمير الاسكندراني" فتعلّمتُ منه أن الإنسانَ كلما نضُج فكريًّا وسما روحيًّا صار أكثر رهافةً وقدرة على الحبِّ والتسامح. المتصوف صاحب أعظم الحناجر، الذي شدا لمصر بخمس لغات: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، اليونانية، مازجًا النغمَ الشرقي بالغربي في ضفيرة أنيقة؛ فكان المطربَ والكورالَ والمؤلف الموسيقي والموزّع، في آن. كان جبلا هائلا من المواهب والعبقريات. وإلى جوار تلك المنح الإلهية، كان فارسًا وطنيًّا يعشقُ مصرَ ويفتديها بالعزيز الأكرم. لهذا رثته المخابراتُ المصرية المحترمة يوم رحيله بكلمات خالدة: “… الذي قدّم لوطنه خدماتٍ جليلةً جعلت منه نموذجًا فريدًا في الجمع بين الفنّ الهادف الذي عرفه به المصريون، والبطولة والتضحية من أجل الوطن.”
كانت وصيتُه أن يُصلَّى عليه في محراب "مسجد وضريح السيدة نفيسة" رضي الُله عنها. فقد كان لنفيسة العلم، عاشقةِ مصرَ والمصريين، مكانٌ ومكانة في قلبه، مثلما في قلوب جموع المصريين. قُبيل الصلاة عليه، وقفتُ أمام نعشه أقرأ "الفاتحة" وسورة "الفجر": "يا أيتُها النفسُ المطمئنة ارجعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضية، فادخلي في عبادي وادخُلي جنتي"، ثم غلبني البكاءُ. فإذا بصوته يشدو: “يا غُصنَ نقَا مُكلّلاً بالذهبِ، أفديكَ من الردَى بأمّي وأبي." جفلتُ، ونظرتُ إلى نعشِه فإذا الجثمانُ الطيّبُ صامتٌ مُسجًّى في كفنه الناصع. فأدركتُ أن صوتَه الشجيَّ قد جاء من هاتفي. لأن أغنياتِه هي نغماتُ رنيني الدائم منذ سنواتٍ.
أتذّكره الآن جالسًا جواري على منصّة صالوني الثقافي في "مكتبة مصر الجديدة"، لحظةَ تكريمه، وإعلاني اسمَ النجم المثقف "سمير الاسكندراني" أبًا روحيًّا للصالون. فإذا بهاتفه يرنُّ بنغمة موسيقية عادية! اندهشتُ وقلتُ مستنكرةً: (إيه النغمة دي يا سمسم؟! اسمع نغمتي أنا.) فإذا بهاتفي يرنُّ بإحدى أغنياته. فضحكَ وقال بصوته العميق الآسر: (يا بختي!) هكذا كان عذبًا رقيقًا ومتواضعًا.
كان بطلا قوميًّا عرّض نفسه للتهلكة وتحدّى جهاز الموساد الصهيوني الغاشم، وهو بعدُ طالبٌ في كلية الفنون الجميلة. حاولتْ إسرائيلُ تجنيدَه جاسوسًا على مصر مقابل ثروة ضخمة. داسها بحذائه، وأخبر الرئيسَ "جمال عبد الناصر”. وصدر قرارُ جهاز المخابرات المصرية بأن يتجاوب مع الموساد؛ لكي نُحبِط أعمال الصهاينة. وبالفعل، استطاع "سمير الاسكندراني" بذكائه وثقافته ووطنيته أن يصفع الموسادَ صفعةً تاريخية لا تُنسى. فكرّمه الرئيسُ جمال، في ستينيات القرن الماضي، ومنحه لقب: “ثعلب المخابرات المصرية". وصنع بهذا نموذجًا للفنان البطل؛ الذي لم يكتفِ بالتعبير عن حبه لمصر بالغناء بصوته الذهب، بل أقرنَ الشدوَ الألماسيَّ، بالمخاطرة من اجل الوطن.
أناشدُ فخامة الرئيسَ "عبد الفتاح السيسي" بتكريم اسمه بوسام وطنيّ يليقُ بتاريخه المخابراتي الرفيع، وإطلاق اسم "سمير الاسكندراني" على أحد شوارع القاهرة، وعلى أحد مدرجات "كلية الفنون الجميلة"، التي تخرّج فيها ودرَّس. رحم الله أبي... وأبي.
***