موسمُ الرياض سعوديًّا… وعقلٌ لا يعجبه العجب!
فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن
-
العدد: 8433 - 2025 / 8 / 13 - 11:47
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
Facebook: @NaootOfficial
أعلن المستشار "تركي آل الشيخ" أنّ موسم الرياض القادم سيعتمد بشكل شبه كامل على أوركسترا سعودي وخليجي، ومسرحيات سعودية وخليجية وسورية وعالمية. قرارٌ طبيعي جدًا لأي مهرجان فنيّ يودّ ترسيخ هويته، وصنع بصمتَه الخاصة، بعدما اعتمد في دوراته السابقة على فناني مصر.
أين المشكلة في هذا القرار، ولماذا غضب نفرٌ من المصريين واعتبروا هذا تخليًّا من السعودية عن فناني مصر، بل تجاوز بعضُهم وبلغ من الغيّ مبلغا جعلهم يقولون إن هذا نكران للجميل، وقطيعة بين المملكة ومصر وبلا بلا بلا؛ كثيرُ لغو وقليلُ حكمة!
طبيعي أن دولة راسخة في الفن مثل مصر تساعد فنيًّا دولة ناشئة في صناعة الفنون في تدشين مهرجان فنيّ يُقام لأول مرة على أرضها. ورويدًا رويدًا تأتي حتمية الاستقلال ليغدو مهرجانها محليًّا خالصًّا. منطقي أن يتسعود "موسم الرياض" بمرور السنوات؛ ثم قد يستضيف في السنوات القادمة آحادًا من الفنانين المصريين، وغير المصريين كـ "ضيوف شرف”. هذا دأب المهرجانات الفنية التي تحمل أسماء بلدانها.
وللعجب، لم يمر الإعلانُ دون عواصف اعتراض وجدل بيزنطي على منصات التواصل. بعضُ المصريين قرأ القرار وكأنه "إعلان حرب فنية"! والمفارقة أنّ أولئك المعترضين، في الدورات الأولى للموسم، كانوا يصرخون: "تركي آل الشيخ يُجرِّفُ الفن المصري!"، "المملكة تسحب البساط من تحت مسارح القاهرة!"، "الحقوا...الفن المصري يهاجر!” واليومَ، حين قررتِ المملكةُ الاعتمادَ على فنانيها، ومنحَ أبنائها مساحة الصدارة، تبدّل الخطابُ، بذات النغمة الغاضبة: "تركي آل الشيخ يتعالى على الفن المصري!”. أي منطق هذا؟! ما أعجبكم ماذا تريدون؟! لا هو تجريفٌ، ولا هو تعالٍ؟! إنها طبيعة البدايات والتطور! في البدايات نتعاون، ثم نعتمد على أنفسنا حتى ننضج ونستقل!
من البديهي جدًا أن دولة راسخة فنيًا مثل مصر، عمرها الفني قرن ويزيد، تمد يدها لمهرجان ناشئ، تدعمه بخبراتها، وتقدم له رموزها الفنية، وتكون عصب حفلاته ومسرحياته الأولى. هذا ليس إحسانًا ولا مِنّة، بل شراكة ثقافية متبادلة. ومن الطبيعي أيضًا أن يستقلَّ المهرجانُ مع الوقت، حتى يغدو مهرجانها مُعرّفًا بهويته المحلية في دورته السادسة.
هكذا تعمل المهرجاناتُ الكبرى في العالم: مهرجان "أفينون" فرنسي الهوية، "برودواي" أمريكية النكهة، و"البندقية" إيطالي السمت، وإن استضاف عالميين. وفي كل هذي النماذج، الاستضافةُ موجودة، لكنّ الثِقَلَ الرئيسيَّ لأبناء البلد نفسه. الذين يرون في القرار السعودي "قطيعة" أو "تقصّدًا"، يتجاهلون بديهيات التطور الطبيعي للمؤسسات الثقافية. لا أحد يبدأ ماراثونًا فنيًّا وحده؛ في البداية تحتاج من يساندك، وحين يقوى بُنيانُك، تنطلق وحدك، وتدعو الآخرين ضيوفًا، لا أبطالَ سباقك.
هل يعقل أن مَن رأوا التعاون في بدايات موسم الرياض قبل ست سنوات “جرفًا للفن المصري"، يرون غياب فناني مصر في الدورة السادسة "إهانة للفن المصري"؟! كيف يلتقي النقيضان؟! لماذا يحكمنا "حس المؤامرة" في حكمنا على الأشياء وبديهيات تطورها؟ لماذا لا نُفرّق بين التعاون والتبعية، ولا بين الاستضافة والإقصاء.
حسُّ المؤامرة يُشوّه قراءتنا لقرار صائب من دولة شقيقة وكأنه خطوة لتهميشنا وإزاحتنا. والحقيقة أبسط من ذلك: موسم الرياض طبيعي أن يغدو مع الأيام سعودي الهوى، خليجي اللون، مع بهارات عالمية.
الفن لا يعرفُ القطيعة، لكنه يعرف الهوية. السعودية تبني هويتَها الفنية كما فعلنا نحن قبل قرن. حين بدأ المسرح المصري الحديث، كان يعتمد على نصوص غربية مُمَصّرة وممثلين أجانب أحيانًا، ثم شيئًا فشيئًا صار مصريًا خالصًا. فلماذا نستغرب أن تسير السعوديةُ على ذات الطريق؟!
الشاهدُ أنه لا "تجريف" ثمّة ولا "تعالٍ" ولا "تخلٍّ”، ولا كل تلك الكلمات الكبيرة التي تضمرُ العداء. فقط هناك دورة حياة طبيعية لأي مهرجان فنيّ ناجح: تعاونٌ في البدايات، اعتمادٌ على النفس لاحقًا، ثم استضافات انتقائية في الدورات القادمة. “دع ألف زهرة تتفتح" في بساتين الفن العربي والمصري والعالمي، دون مراراتٍ ولا تخوين يجرّد فلسفة الفن من مضمونها. دعونا نسعدُ بالشقيقة السعودية لأن الفنَّ زارها، لأن الفنّ هو الحجر الصد لأي ظلامية أو رجعية. وكما سعدنا بانطلاق المملكة نحو النور بالقرارات الجسورة التي أطلقها ولي العهد المثقف الأمير "محمد بن سلمان" ليصفو لنا الوجه الحقيقي للإسلام الرحيم، دعونا نسعد بالمملكة السعودية وهي تخطو خطواتها الأولى نحو القوى الناعمة الأقوى من القوى الغاشمة. ولنتذكر مقولة أفلاطون العظيمة في القرن الرابع قبل الميلاد: “علّموا أولادكم الفنونَ ثم أغلقوا السجون".
مبروك للملكة السعودية الشقيقة سعودة "موسم الرياض" في دورته السادسة، والعقبى لليوبيل الماسي بإذن الله، وهي ترفلُ تحت مظلة النور والجمال والتحضر.
***