إبراهيم فتحى - كاتب ومفكر يساري مصري - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: تاريخ انعزال اليسار المصرى و انقسامه !.


إبراهيم فتحي
الحوار المتمدن - العدد: 4097 - 2013 / 5 / 19 - 17:41
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -104- سيكون مع الأستاذ إبراهيم فتحى - كاتب ومفكر يساري مصري - حول: تاريخ انعزال اليسار المصرى و انقسامه !.

 

يرجع تاريخ اليسار فى مصر وليس تاريخ اليسار المصرى إلى زمن بعيد قبل إنتصار الثورة الإشتراكية فى روسيا ( أكتوبر 1917 ) . فقد انشئت فيها حركة عمالية على قدر من التنظيم وظهر فيها اهتمام بالأفكار الإشتراكية . ولكنها كانت مقصورة على الأجانب من يونانيين وايطاليين وأرمن ويهود . وفى ثورة 1919 من أجل الاستقلال والدستور لعب العمال المصريون دورا مهماً من أمثلته إضراب السكة الحديدية الذى أغلق القاهرة والأسكندرية فى وجه حركة الجيش البريطانى طيلة أغسطس 1919 وأتحد فيه للمرة الأولى العمال المصريون مع العمال الأجانب . وقد أسهمت اضرابات 1919 فى تكوين الجناح العمالى للحزب الإشتراكى الناشئ . كما سبق تأسيس هذا الحزب تكوين مجموعات الدراسات الإشتراكية التى نظمها وادارها اليونانيون واليهود . أما الطلبة المصريون الموفدون للدراسه فى اوروبا فإنهم الذين بدأوا فى نشر الأفكار الإشتراكية بعد عودتهم إلى الوطن بداية من العقد الأول من القرن العشرين . وبطبيعة الحال إنتموا إلى طبقات ميسورة . لذلك كانوا أقرب إلى التأثر بأفكار تبدو لهم معتدلة اصلاحية مثل أفكار الفابيين البعيدة فى اعينهم عن المغالاه والتى تنبذ الصراع بين الطبقات وتنتهج أساليب العمل السلمية . وأبرز ممثل لذلك الإتجاه هو سلامة موسى وكان معادياً لتحالف أقلية ضيلة العدد من ملاك الأرضى المصريين مع رأس المال الأجنبىى عبر سلطة الاحتلال ، واضعاً الشعب بأكمله تحت نير الإستعباد . ومن الظواهر المبكرة الإبداعية فى مصر أن كاتبا لم يذهب إطلاقاً إلى أوروبا ولم يقرأ ماركس إلا عبر ترجمات قام بها الأجانب المقيمون فى مصر استطاع تأليف كتاب تاريخ المذاهب الإشتراكية هو مصطفى حسين المنصورى ولأنه لم يقف عند النقل والتعريف بل كان متميزاً بالالتصاق بالارض المحلية إلى درجة تقديمه فى خاتمة الكتاب برنامجاً مقترحاً لإنشاء حزب اشتراكى فى المستقبل لم تكن الظروف قد نضجت بعد لتأسيسه .وقد انتهت الخطوات المتعددة لإعداد برنامج اشتراكى بنشر برنامج الحزب الإشتراكى المصرى فى أهرام 29 أغسطس 1921 وقعه ثلاثة مصريون فى صدارتهم سلامة موسى . ولكن أحد المؤسسين الرئيسيين للحزب وهو الصائغ وتاجر المصوغات اليهودى ذو الأصل الروسى والجنسية الإيطالية جوزيف روزنتال ابتعد عن أن يكون ضمن الموقعين ، وعلى الرغم من الصفة العمالية النضالية لتأسيس الحزب الإشتراكى المصرى كانت هناك صبغة أخرى معاكسه هى أكثرية القيادة الأجنبية والمتمصرة للنشاط الحزبى والتى تضفى عليه صفة الجسم الغريب داخل الكيان الوطنى على الرغم من اشتراك شيوخ أزهريين ومناضلين مصريين فى ذلك التأسيس . وهناك طابع آخر لازم ذلك التأسيس هو الطابع الإصلاحى اليمينى عند الأجانب والمتمصريين الذين ارتفع مستواهم الاقتصادى عن مستوى المصريين عموماً بفضل الإمتيازات الأجنبية عليهم .
وكان نشر الأفكار الإشتراكية فى مصر سواء من جانب الأجانب والمتمصرين أو من جانب الطلبة العائدين يتجنب صراع الطبقات وينتهج أساليب النضال التى يسميها سلمية والتى تقوم على المساومات والتنازلات المشتركة . وقد أثر هذه الإتجاه الاصلاحى فى الفكر المصرى عموما ، ونشر فكرة خاطئة عن اختلاف جذرى بين الإشتراكية والشيوعية وعن أنهما نظامان متغايران كيفياً وليستا مرحلتين متعاقبتين للتطور الاقتصادى . بل مكن هذا الفكر الحكام أدعياء الاشتراكية من أن يقدموا أنفسهم على أنهم معادون للشيوعية التى يزعمون أنها عميلة للإتحاد السوفيتى .

ومن الملاحظ أن الترجمات المبكرة لمصطلحات الإشتراكية والشيوعية لم تختلف عن ترجمات كل الحركات المعارضه وشبه المعارضة والمختلفة مجرد اختلاف عن النظام الرأسمالى من فوضوية وعدميه كان ينقلها مترجمون يمينيون بالكتابة الصوتية لنطقها الأجنبى بحروف عربية ، فالإشتراكية سوسياليزم والشيوعية كوميونيزم والفوضوية أنارشيزم والعدمية نيهليزم. وقد تعمد الناقلون أن يدمجوها معا كأنها مترادفات لا فرق بينها . وذلك لتأكيد أنها جميعاً مذاهب شاذة مرفوضة تذهب فى غرابتها بعيداً مهددة للمصريين والعرب .وحينما اتجهت الترجمة الى استعمال العربية استخدم بعض المترجمين المنتشرين كلمة . "خوارج" لترجمتها جميعاً . بل واقترحوا ترجمة كلمة شيوعية بكلمة إباحية بزعم إباحتها اغتصاب الملكية الخاصة . والمقصد الهجائى واضح وكذلك البعد عن الموضوعية تماماً . وقد لعب ذلك بعض الدور فى تنفير بسطاء الناس من الشيوعيين الخوارج والاباحيين فى ذلك الزعم .
أما برنامج الحزب الإشتراكى المصرى الذى نشر فى جريدة الأهرام عدد 29 أغسطس 1921 فلم يكن فى المسألة الوطنية متميزاً عن البرنامج الوفدى . وكان موجة ضائعة فى بحر الجوقه الوطنية العامة ، ويقف عند المطالبة بجلاء قوات الاحتلال من البلاد وبوحدة وادى النيل بدلا من الكفاح المشترك بين الشعبين المصرى والسودانى . واستمر الهتاف فى الشارع بوحدة وادى النيل يصيح نيل واحد ملك واحد!!!! كما يريد الحزب تحقيق المطالب الإشتراكية فى صيغتها الاصلاحية دون صراع بين الطبقات رغم الفوارق الطبقية الهائلة آنذاك وكان هذا البرنامج متمشياً مع سيطرة "المعتدلين". ولكن بعد نجاح ثورة أكتوبر الاشتراكية فى روسيا ثم تأسيس الكومنترن نشأت مجموعة أخرى أكثر جذرية ترغب فى الانضمام الى أممية الاحزاب الشيوعية ، أى صار الحزب مفتقرا إلى التجانس الفكرى وعرضة للإنقسام . وهذا الاستعداد للتشرذم والإنقسام كان عند بعض المؤرخين سمة للحركة الشيوعية المصرية طوال تاريخها أدت بطبيعة الحال إلى ضعف تأثير الحركة وانعزالها .

وفى الحقيقة كان هناك فى المسألة الوطنية خطران يهددان الحركة الشيوعية المصرية منذ بدايتها . الأول :- الذى أنهك تلك الحركة طوال تاريخها هو الذيلية للقطاع المعارض للإستعمار سياسياً واقتصادياً من البورجوازية ( الوطنية ) وعدم التميز الواضح لخطه السياسي جذرياً فى الحركة الوطنية . فالشيوعيون المصريون الأوائل لم يهدفوا كالشيوعيين الصينيين أو الفيتناميين مثلاً إلى الدمج بين المسألة الزراعية والمسألة الوطنية فى حركة فلاحية منظمة تقاوم الأحتلال الأجنبيى وتعزله فى تحالفه مع كبار ملاك الأرض شبه الإقطاعيين . ولم يعملوا على انشاء تنظيمات نقابية فلاحية أو إتحادات فلاحية من اجل انتزاع الحقوق الفلاحيه ومقاومة الإحتلال ، والخطر الثانى :- هو خطر اليسارية المتطرفة الإنعزالية التى تغفل الخصائص الوطنية والقومية والدينية للشعب المصرى ، وتزعم أن الرأسمالية ( الوطنية ) متواطئة ومتحالفة مع الإستعمار واحتلاله مما يجعل من الواجب محاربتها على قدم المساواة معه على الرغم من أنها كانت تقود جماهير غفيرة .
ولكن البرنامج الجديد للحركة الشيوعية المتبنى فى بدايات 1923 تحرك جزئياً إلى الأمام فى المسألة الوطنية الفلاحية فقد طالب بتأميم قناة السويس على حين أكتفى الوفد بالمطالبة بإخلاء القناة من الأسلحة الأجنبية . كما طالب بإسقاط الديون كافة عن الفلاحين الذين يملكون أقل من 30 فداناً والأعفاء الكامل من الضرائب لمن يملكون ما لا يزيد عن عشرة أفدنة . ولكن هذا الحزب لم يصل قط إلى المطالبة بأن تكون الأرض لمن يفلحها وتحريك الفلاحين فى هذا الاتجاه . وكانت السلطة الإستعمارية لا تدخر جهداً فى محاربة الشيوعية بالمنع والتشوية فوزعت نسخاً من فتوى كانت استصدرتها عام 1919 من مفتى مصر الشيخ مخلوف لابعاد الفلاحين عن الشيوعيين الكفار فقد أعلن المفتى أن الشيوعية حرام . واخطأ الحزب الإشتراكى بمقاطعة الانتخابات التى اكتسحها الوفد مؤيدا من الجماهير وقال بعض المؤرخين أنه كان يتخبط من انحراف يمينى إلى انحراف يسارى . ورأى الحزب أن التوقيت مناسب مع وصول الوفد إلى السلطة للقيام بإضرابات واسعة فى المدن الكبيرة تطالب بتقليل ساعات العمل وتحسين شروطه . ولم يتردد زعيم الأمة "سعد زغلول" فى استدعاء القوات البريطانية لإيقاف ما أسماه شغباً . وتم القبض على قادة الحزب الاشتراكى المصرى بتهمة كاذبة هى العمالة للأجنبى السوفيتى مما اساء كثيراً إلى الحزب وسط الشعب ظلماً.

ولم يكن الوفد منذ وصوله إلى الحكم مهتماً إطلاقاً بأى تعاون مهما يكن ضئيلاً مع الشيوعيين لأن الدعاية البريطانية التى اهتم الوفد بالتفاوض مع أربابها تعلن كذبا أنهم طابور خامس للسوفيت فى مجال نفوذ تعتبره اغتصابا لمجالها الشرعى . وكان سعد زغلول يقول عن الانجليز أنهم خصوم شرفاء معقولون. وفى ذلك الوقت بلغت عضوية الاتحاد العام للعمال الذى يقوده الشيوعيون عشرين ألف عضو، وهو عدد ضخم بمقاييس ذلك الوقت حين لم يتجاوز عدد سكان مصر 16 مليوناً . ولمحاربة ذلك الإتحاد أسس الوفد فى مارس 1924 ، الاتحاد العام الوفدى للعمال. ولكن ذلك المشهد انتهى كله فى نهاية 1924 حين جئ بزيور باشا إلى الحكم بدلاً من سعد زغلول . فقامت قوات البوليس المصرى ذات القيادة البريطانية بالتعاون مع قوات المخابرات البريطانية بالقاء القبض فى حركة دعائية صاخبة على جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الإشتراكى فى 30 مايو 1925 كما تم اعلان الحزب بأكمله حزبا خارجاً على الشرعية .
ويعتبر بعض المؤرخين ذلك التاريخ نهاية للحركة الشيوعية الأولى فى مصر ، وهى حركة على الرغم من إشتراك عمال فى نضالها لم تكن قياداتها اطلاقاً للعمال وغابت تلك الحركة أو كادت عن الساحة المصرية ما بين 1925و1940 لأن سياسه الانجليز كانت مصممة تصميماً لا هوادة فيه على استعمال القوة المفرطة بكل أشكالها لكى لا تدخل الشيوعية مصر على الإطلاق فى تلك الفترة ، فترة محاصرة الإتحاد السوفيتى البلد الإشتراكى الوحيد داخل ستار حديدى والقيام بمؤامرات مستمرة لتقويضه من الداخل والحيلولة دون انتشار الفكر الشيوعى الذى يحارب الإمبراطورية البريطانية والنظم الرأسمالية فى العالم .
ولكن علاقة بريطانيا بالشيوعية والإتحاد السوفيتى تحولت بعد بروز مخاطر النازية والفاشية منذ أوائل الثلاثينات ، فقد غزا موسولينى الحبشة عام 1936 ووقعت معركة العلمين على حدود مصر فى 1942 وصاحبتها معركة ستالينجراد فى روسيا . ولم يكن متصوراً أن تركز بريطانيا على معاداة الشيوعية المناهضة للنازية والفاشية بل حدث تحالفا مع "شيطان" الشيوعية حينما هددت النازية بغزو بريطانيا نفسها بعد احتلال هتلر لبلدان أوربية متعددة فلم تتدخل كما كانت تفعل من قبل لمنع تكوين أى منظمة شيوعية . وكان اليهود يتعرضون للإبادة فى المعسكرات النازية وصار الشيوعيون الذين يحاربون النازية فى كل مكان حلفاء طبيعيين لليهود . ولكن الشخصيات اليهودية لم تعمل على إنشاء حزب شيوعى واحد بل انشأت تنظيمات متعددة متنافسة وكأنها دكاكين تجارية متحاربة . وهل كان ذلك الإنشاء بإفتراض حسن نوايا بعض الأفراد يستهدف تحرير الشعب المصرى من الاستغلال الطبقى الذى تناضل الشيوعية من أجله؟ لا يرى ذلك المناضل الراحل محمد سيد أحمد الذى عاصر تلك النشأة وكان فى قلبها . بل يرى أن الأمر عند اليهود من مؤسسى الحركة الثانية الشيوعية فى مصر يتعلق عندهم بقضية الدفاع عن الشخصية اليهودية التى كانوا يريدون الدعاية لها بوصفها متسعة رحبة على النطاق المحلى والعالمى حتى لا يستفحل ما كانت تعرضها له الممارسة النازية من أخطار فى تلك الأيام . وكانت القيادات اليهودية تستغل الدعوة الشيوعية للتأثير فى الجماهير حتى لا تقتصر النظرة إليهم على أنهم مجرد طائفة دينية معزولة تحيط بها الكراهية بل بإعتبارهم مناضلين تقدميين من أجل الانسانية بأكملها بغض النظر عن ديانتهم . وفى تلك الأيام كانت الشيوعية العالمية فى أوج انتصاراتها بعد معركة ستالينجراد وتواتر أنباء فوز الشيوعين الصينيين فى حروبهم الفلاحية ضد الغزو اليابانى وتأجج حركة المقاومة بقيادة الشيوعيين فى بلدان أوروبا ضد الاحتلال النازى . فكانت ترمز لحركة عالمية قوية ذات جاذبية كبيرة أرادت شخصيات يهودية الإفادة من الإنتساب إليها حماية للشخصية اليهودية من أخطار معاداة السامية التى روجت لها النازية .

وفى مصر نمت الحركة الوطنية المصرية وبلغت ذروتها فى فبراير 1946 مع تشكيل لجنة العمال والطلبه . وقد ضمت اللجنة بعض أعضاء إحدى المنظمات الشيوعية المتنافسة التى قادها يهود ( منظمة اسكرا أى الشرارة) . ولم تكن اسكرا هى التى اشعلت احداث فبراير 1946 ولكنها جندت طلبة قياديين فى الجامعة لم يكونوا فى مراكز قيادية داخلها . ولم تكن اسراثيل قد أنشئت ولم تكن جرائمها قد ذاعت . وكانت قله من اليهود المصريين خيوطاً فى النسيج المصرى استمرارا ليعقوب صنوع وداود حسنى وتوجو مزراحى وقطاوى باشا وغيرهم ، لم يكونوا صهيونيين بل مختلفين بشدة مع الصهيونين . ولم يكن اليهود وحدهم هم السباقون إلى تأسيس منظمات شيوعية للحلقة الثانية من الحركة . إن أول منظمة شيوعية تنتمى إلى هذه الحركة الثانية هى "تحرير الشعب " شارك فى تأسيسها يساريون مصريون أصحاب قدرات فكرية وفنية عظيمة كما أثبت التاريخ، وهم كبار فى مجالاتهم مثل صلاح أبو سيف المخرج السينمائى ،وعبد الرحمن الشرقاوى ،ونعمان عاشور ،وسعيد خيال ،وأنور كامل ، وأسما حليم ، وأسعد حليم، وابراهيم سعد الدين ، وفوزى جرجس ،ومصطفى كامل منيب، وقد أتفقوا على الا يتولى أجنبى منصباً قيادياً فى التنظيم الشيوعى .
وأنشأ مصريون وحدهم منظمة القلعة ومن مؤسسيها ،أحمد حمروش ومصطفى هيكل وعدد من كادر الحركة الشيوعية الثانية فى مختلف التنظيمات فيما بعد فؤاد عبد الحليم وحمدى عبد الجواد وأحمد الرفاعى وعبد العزيز بيومى . فلم يكن تأسيس الحركة الشيوعية الثانية مقصوراً على اليهود وخدمهم كما أشاعت أجهزة الأمن ولم يكن وضع الحركة الشيوعية الثانية المنقسمة المتصارعة فكريا المتحاربة حتى على المستوى الشخصى بإلافتراءات يمكنها من قيادة الغليان الثورى فى منتصف الأربعينات وان شارك كثير من أعضائها العمال والمثقفين فى خوض معاركه وتقديم التضحيات الهائلة من أجل أهدافه . وقد برز احتياج وسط أعضاء جميع المنظمات إلى توحيدها . وحينما استأنفت حكومة النقراشى مفاوضاتها الفاشلة مع لندن اتحدت منظمتان هما الحركة المصرية للتحرر الوطنى (ح.م.ت.و) وايسكرا ( الشرارة) فى مايو 1947 لتكوين الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى (ح.د.ت.و) التى يقال أنها ضمت حوالى أربعة آلاف من الناشطين فى 1947 ، وأصدرت جريدة رائجة هى الجماهير (جريدة اسكرا سابقاً) بإدارة شهدى عطية .

أما تنظيم (د.ش) أى الديمقراطية الشعبية الذى سمى فيما بعد طليعة العمال كان خطة السياسي العمل داخل الجناح اليسارى للوفد . وشاركت أغلبية المنظمات الشيوعية أيامها فيما سمى الجبهة المتحدة مع الوفد وكان ملمحها الابرز اعطاء الاستقلال الوطنى ( ولم يكن القومية العربية قد صارت بعد شعاراً رائجاً) الأولوية على المسألة الاجتماعية وقد طبع ذلك الحركة باليمينية لأنها لا تضع فى الصدارة قيادة الطبقة العاملة وتحالفها مع الفلاحين فى برنامج التحرير الوطنى وأساليب نضاله .
وجاءت مشكلة هجرة اليهود إلى فلسطين وقيام دولة اسرائيل لتقلب الأوضاع . وكان جروميكو وزير الخارجية السوفيتى هو الذى أعلن أقرار التقسيم فى الأمم المتحدة فى نوفمبر 1947. وقد أدى ذلك إلى افقاد الشيوعية جاذبيتها السابقة بين الجماهير العربية ومنها الجماهير المصرية . وتصاعد وسطها موقف يتهم الشيوعيين بالتواطؤ إن لم يكن بالتعاون مع اليهود واسرائيل التى أنشئت فى هذا الإتهام بفضل الاتحاد السوفيتى .
واستغل اعداء الشيوعية سيطرة قيادات من اليهود على المنظمات الشيوعية فى ترويج الاتهام الكاذب عن تحالف مزعوم بل وعن هوية ملفقة تضم الشيوعية فى مصر والصهيونية . وفى هذا الوقت حدث انفجار كبير داخل "حدتو" بدعوى انها اغفلت البعد القومى العربى تمثل فى "تكتل ثورى" قاده شهدى عطيه وأنورعبد الملك لتأكيد ذلك البعد وحينما أنشئت اسرائيل فى مايو 1948 واعترف بها الاتحاد السوفيتى وضع ذلك الأحزاب الشيوعية العربية فى وضع بالغ الصعوبة وخاصة الحركة الشيوعية المصرية بقيادتها اليهودية ، مما سهل على اعدائها التشكيك فى ولائها القومى . كما سهل ذلك على الحكومة المصرية القيام بجوله واسعة من الاعتقالات ضد الشيوعيين ذوى الأصول الأجنبية ونفيهم خارج مصر بعد حرمانهم من الجنسية المصرية وكل الحقوق السياسية والمدنية ، وأولها حق العيش فى البلد الذى ناضلوا وضحوا من أجله . ويقول مؤرخون إن بطش الرجعية المصرية قام بأكبر دور فى تمصير الحركة الشيوعية المصرية حتى قيام حركة ضباط يوليه 1952 . والظاهر أن بعض الضباط ذوى الأصول اليسارية مثل يوسف صديق وخالد محى الدين وغيرهم من المشاركيين فى حركة الجيش كانوا قد انضموا إلى حدتو التى تقول إن عدد أعضائها بلغ فى ذلك الوقت قرابة 3آلاف عضو . ولكن العلاقة الحسنة بين الشيوعيين وحركة الجيش ظهر فى سمائها غمام بعد 12 أغسطس1952 , حينما اضرب عمال كفر الدوار المؤيدون أصلا لحركة الجيش مطالبيين بالسماح لهم بنشاط جماهيرى يدعم الضباط ضد الرجعية بالاضافة إلى مطالب عمالية روتينية وقدعوقب هؤلاء العمال بالسجن وتم اعدام قائدى الاحتجاج خميس والبقرى فى سبتمبر بتهمة كاذبة هى عضويتهما فى حزب شيوعى محظور معاد للوطن . ويقال إن ( حدتو) ارسلت ممثلاً لها إلى كفر الدوار هاتفاً ضد خميس والبقرى مؤيداً لإجراءات الحركة "المباركة". وكانت حدتو قد ايدت حركة الضباط منذ وقوعها ، وتعمق تأييدها لنظامها بعد الإصلاح الزراعى فى 9 سبتمبر . ( وتماثل موقفها مع موقف طليعة العمال حينئذ) . ونتيجة لذلك الموقف حينما لم تكن حركة الجيش قد قامت بعد كما قامت به مستقبلا من انجازات ثورية وكان نظام حكمها يتصف بالدكتاتورية .

حدثت داخل حدتو قلاقل انقسامية اشترك فيها عضو بارز فى اللجنة المركزية على رأس ما سمى بالتيار الثورى ، وكذلك تكتل آخر بمثابة طبعة جديدة من تنظيم قديم بإسم " نحو حزب شيوعى مصرى" وإنقسام وحدة الشيوعيين المصريين الذى ستتطور أفكاره بأسماء مختلفة حتى حزب العمال الشيوعى المصرى . وقد اشتدت الرقابة الخانقة على الصحف ووسائل النشر وصدر اعلان فى يناير 1953 بحل الأحزاب السياسية جميعاً ولم تحل جماعة الأخوان المسلمين لأن بعض قادة حركة الجيش مثل أنور السادات أو حسين الشافعى أو كمال الدين حسين كانوا قريبين من الجماعة التى لم تعارض الاستبداد أو تصفية التعددية الحزبية والنظام البرلمانى . ونتيجة لإتساع نطاق اليساريين والديمقراطيين اتفقت المنظمات الشيوعية بما فيها حدتو على ادانة ما اسمته الطبيعة الفاشية لنظام يوليو .

وقد حكم على رئيس تحرير " المصرى " بالسجن عشر سنوات ، وهى جريدة واسعة الانتشار عاطفة على الوفد . ثم حلت نقابة الصحفيين وتخلص عبد الناصر بنهاية 1954 من كل صوت معارض . وبلغ عدد المعتقلين عام 1955 حوالى 3آلاف معتقل سياسى وسجين أغلبهم من الشيوعيين مع عدد صغير من الليبراليين أو المتعاطفين مع النظام الملكى . على أن الشيوعيين المصريين عادوا الى الاقتراب من نظام عبد الناصر نتيجة لإشتراكه فى مؤتمر باندونج مع القائدين الشيوعيين تيتو وشواين لاى فى أبريل 1955 ثم اقراره اتفاقية استيراد الأسلحة السوفيتية من تشيكلوسلوفاكيا . ثم جاء عدوان السويس فى 1956 ليؤيد الشيوعيون عبد الناصر تأييداً تاما حتى اعتقالتهم فى أول يناير 1959 . وكان عبد الناصر قد قدم بعض التنازلات للشيوعيين مثل السماح بتقديم أشتات من آرائهم دون السماح لأى منهم بنقد السياسة الرسمية ولم يكن ذلك الاتكتيكا مؤقتا كما أظهرت موجة اعتقالات صيف 1957 لبعض الناشطين الشيوعيين . وقد أدى تحسن العلاقات نسبياً بين الشيوعيين والنظام الحاكم إلى التعجيل بمناقشات بين منظماتهم السرية من أجل التوحيد وإتحدت حدتو والراية لتشكيل الحزب الشيوعى المتحد عام 1957 . وحيا الحزب الجديد عبد الناصر بوصفه بطلاً قومياً ، وفارس النضال العالمى ضد الإمبريالية ، على الرغم من أن هذا الحزب اتهمة النظام رسمياً فى المحاكمات بأنه يهدف الى قلب نظام عبد الناصر بالقوة المسلحة !!!. وقد تصاعد الإندفاع نحو توحيد الشيوعيين بتأثير الموقف الخارجى الشيوعى من النظام الناصرى اكثر من أن يكون نتيجة لتقارب حقيقى فى الأفكار أو لتنسيق حدث بأى درجه فى مجالات عمل . وفى 8 يناير 1958 انضم حزب العمال والفلاحين الذى كان اسمه السابق طليعة العمال الى الوحدة . وأعلن عن قيام الحزب الشيوعى المصرى . ومن المعروف أن مجموعات يهودية كانت تعلن عن عدم ترحيبها بهذا الحزب الذى يرفض وجود يهود فى القيادة .
ويقول محمد سيد أحمد إنه بالوحدة تحولت التنظيمات الشيوعية من تابعة لليهود عند انشائها الى تنظيمات تابعة للناصرية دون استقلال لها فى نظر الجماهير على الرغم من أن عبد الناصر أمر فى أول يناير 1959 بالقبض على الشيوعيين جميعاً وعلى من تواجد معهم أثناء القبض ثم اصدر مرسوما بتقديم جميع المنظمات الى محاكمات عسكرية . واستمر التعذيب فى اوردى ليمان أبو زعبل طويلا حيث أغتيل كثيرون أبرزهم شهدى عطية أثناء التعذيب كما تم قتل عدد من المناضليين اثناء المطاردة والقبض. وقد شاع فى أذهان الجماهير تطابق فكر الشيوعيين المصريين مع الآفاق الاجتماعية للناصرية على الرغم من أن محمد حسنين هيكل كتب فى اهرام 29 يناير 1965 – بعد الاجراءات "الاشتراكية " والإفراج عن الشيوعيين سجناء ومعتقليين وبعد ترويج الأخوان المسلمين للإدعاء بأن عبد الناصر يميل الى الشيوعية المعادية للإسلام – مؤكدا إنه ليس هناك مكان فى مصر لحزب شيوعى ، لأن الاتحاد الاشتراكى كاف لتلبيه كل مطالب المجتمع المصرى . وفى الشهور الأولى من 1965 قررت حدتو ثم قرر ما يسمى الحزب الشيوعى المصرى (حزب 8 يناير ) الحل الذاتى بزعم توحيد ما توهما أنها قوى اشتراكية مصرية كافة داخل حزب اشتراكى موحد .
ويرى محمد سيد أحمد أن حل التنظيمات الشيوعية كان صفقة بين عبد الناصر وخروشوف ويقدم قرائته على ذلك ، فلم ينفرد الشيوعيون المصريون بحل أنفسهم بل حل الحزب الشيوعى الجزائرى نفسه كذلك . وكانت هناك تجربة كوبا حيث حل الحزب الشيوعى نفسه ونصب كاسترو الذى لم يكن شيوعيا بل كان مناضلاً ضد الامبريالية الأمريكية زعيما له . وكانت النظرية السوفيتية أيامها تزعم إن القادة الوطنيين صاروا فى موازين قوى عالمية جديدة تدعى أن المنظومة الاشتراكية فى صعود هائل وأن الرأسمالية فى إنحدار هائل . ويجد هؤلاء القادة الوطنيون أمامهم فرص تطور جديدة متاحة لهم الآن , وهى أن يرتقوا إلى مكانة روافد للمنظومة الاشتراكية الصاعدة التى يكرر السوفييت الادعاء الكاذب بأنها حققت معجزات لا ينكرها أحد فى الحاق الهزيمة الحتمية بالإمبريالية والرأسمالية . وفى هذا السياق الوهمى لا ينبغى للتنظيمات الشيوعية المحلية الضئيلة الوزن بالقياس الى "جبروت" المنظومة الاشتراكية أن تعوق تطور القادة الوطنيين الذين يسيرون فى طريق نمو لا رأسمالى نحو أن يصيروا روافد لهذه المنظومة . إن مجرد وجود هذه التنظيمات الشيوعية المستقلة عن القادة الوطنيين الابرار الذين ساروا من تلقاء أنفسهم فى طريق يسميه السوفييت لا رأسماليا يزعجهم ويقلقهم أن يتحول هؤلاء الشيوعيون ضدهم فى يوم ما أويدينوا بالولاء لدولة اجنبية خارج المنظومة التابعة للسوفييت على غرار الصين ويوغوسلافياوالبانيا . ورأى السوفييت أنه من المستحسن تشجيع الشيوعيين فى البلاد الوطنية السائرة فى طريق التطور اللارأسمالى على حل أحزابهم لكى تواصل هذه البلاد طريقها المفتوح نحو الاشتراكية أو حتى نحو الماركسية اللينينية رويدا رويدا!! ومن هنا كانت المشكلة أمام خروتشوف أن يخرج الشيوعيون المصريون من السجن بكرامتهم ؛ بمعنى أن يكف النظام عن مطالبتهم بإستنكار الشيوعية كشرط للإفراج كما ظل يفعل . وقد كف النظام بالفعل فجأة فى أبريل 1964 قبل وصول خروتشوف الى مصر لإفتتاح السد العالى ، وافرج عن كل الشيوعيين مسجونين ومعتقلين دون التفات الى مدة العقوبة ودون مطالبة بإستنكار . ويتساءل محمد سيد أحمد هل يمكن تفسير ذلك إلا بصفقه بين النظام والسوفييت ؟. وقد تم حل " الحزبين " الشيوعيين المصريين بمباركة السوفييت وهذا موقف غريب من "الأممية" يقضى بأن ينتحر حزب يدعى تمثيل الطبقة العاملة من أجل الذوبان فى نظام يصفه شيوعيون يتهمون بالانحراف اليسارى بأنه يعتمد على ولاء البيروقراطية المستغلة ولا يسمح للطبقات الشعبية بالتعبير المستقل عن مصالحها ؛ لا بالتنظيم الاقتصادى ولا بالتنظيم السياسي المستقلين ولا يريد منها سوى التصفيق لكل شئ يفعله ولا يريد من الشيوعيين غير الولاء لقيادته والدعم غير المشروط دون أى مشاركة بالنقد أو فى اتخاذ القرارات . فاشتراكية النظام المعلنة كما وصفها أحمد بهاء الدين هى "أشتراكية بدون اشتراكيين " ولم يشارك فى الجدل حول الميثاق فى 1961 – 1962 الذى كانت لجنته التحضيرية بقيادة السادات الذى لم يخفى قط اعجابه بهتلر إلا قليل من اليساريين والمثقفين عموما. فالسلطة كلها فى جميع الأمور لم تكن لمجموعة اشتراكية مدعاة أو يسارية فى طريق لا رأسمالى بل لبيروقراطيين يأمرون الشعب بالولاء والخضوع التامين للنظام . وعندما طلب بعض المثقفين الغاء قانون العزل السياسي الذى شمل الشيوعيين وكثيرين من الديمقراطيين رفض عبد الناصر شخصياً أى نقد بحجة دفاع عن الثورة ضد اعداء الشعب. ولكن بعد صدور الميثاق رأى فيه مناضلو حدتو تحولا كيفياً للنظام الوطنى نحو الاشتراكية بينما دعا " الحزب الشيوعى مناضليه إلى دعم مشروط للدولة الاشتراكية الجديدة . وكان النظام يطالب الشيوعيين مقابل مجرد بقائهم خارج السجن بمساندته مساندة مطلقه مع وعود لم تتحقق بإدماجهم فى منظماته التى يسميها إشتراكية وبإدخال كتابهم فى مجال الصحافة الحكومية . وقد اختار عبد الناصر حتى اسم مجلة " الطليعة " لمنبر من المفروض أنه منبر اليسار المصرى المعترف به رسمياً ومنحه حريات نسبية . ويستنتج كثيرون أن وراء قرارى الحل بالاضافة الى الأسباب "الرسمية " الخوف من قمع جديد ضد مناضلى اليسار نتيجة لحمله ترهيب يقال أن هيكل قادها لإقناع الرفاق بحل تنظيماتهم . وقد ضغط الحزب الشيوعى الايطالى فى اتجاه الحل عبر اعضائه داخل المجتمع الايطالى فى مصر والموجود أغلبهم فى الإسكندرية منذ القرن التاسع عشر . فقد كان هذا الحزب الجماهيرى الفعال فى بلادة يعتبر الدولة الناصرية ذات اتجاه اشتراكى واضح وملتزمه بموقف ثورى معاد للإمبريالية العالمية . ولكن داخل مصر أنشأ عبد الناصر منظمة سرية داخل الاتحاد الاشتراكى لخلق ايديولوجية يدعى أنها ايديولوجية اشتراكية مصرية كما أشار الميثاق عام 1962 عرفت بإسم "التنظيم الطليعى " وضع على رأسه عدوا شديد العداء للشيوعية هو شعراوى جمعه ( وزير الداخلية ) لمجابهة تأثير الشيوعيين الذين ظل عبد الناصر يعتبرهم متآمرين محتملين عليه لا يسمح لهم بالمشاركة فى اى قياده وبأكثر من الدعاية لنظامه . ولم يسمح بالدخول فى التنظيم "الطليعى " إلا لما لا يزيد عن 36 شيوعياً ، كما رفض لشيوعيين كثيرين مجرد الانضمام الى الاتحاد "الاشتراكى " وفى أكتوبر عام 1966 تم اعتقال عدد من اليساريين معظمهم من المنتسبين الى وحدة الشيوعيين المصريين من شعراء وقصاصين ونقاد وصحفيين . وبعد ذلك بقليل تم اعتقال عدد من اليساريين المستقلين مثل لطفى الخولى ومحمود الخفيف وابراهيم سعد الدين . ويرجع مفكرون هذا الاعتقال إلى ضعف علاقتهم بقيادة التنظيم الطليعى التى هيمنت عليها عناصر معادية للفكر اليسارى ؛ وكانت مخترقة من جانب المخابرات . فالتنظيم الطليعى ظل يدعى أن اليسار وعلى الأخص اليسار الشيوعى فى خدمة قوى أجنبية فكل من يبدى رأيا فيه نقد لسلبية من سلبيات النظام عميل ليس وطنياً .. ونتيجة للمارسات الاستبدادية المقصودة للسلطة اتجه بعض الشيوعيين والمتعاطفين مع الشيوعية الى اعادة النظر أو رفض مبررات حل التنظيمات الشيوعية والى الانتقاد الحاد للإشتراكية المزعومة حتى وإن لم تكن تنظيماتهم أو حلقاتهم أو نضالهم كأفراد على شئ من القوة . ومن ناحية أخرى إنبثق بين المثقفين والعمال النقابيين ذوى الميول اليسارية رفض للمصير المأساوى للحركة الشيوعية وميل الى اعادة بنائها من جديد متحررة من سلبياتها القائلة وأولاها التهادن مع الطابع الاستبدادى المعادى للديمقراطية الذى يسم النظام .

وقد أعادت هزيمة 1967 النهوض وسط اليسار القانونى والذى يريد الاستقلال والتميز الى موضوع غائب هو دور الجماهير الشعبية فى إدارة الدولة على الرغم من اقرار الميثاق له اقرارا لفظياً منذ 1962 فقد ظلت الجماهير مهمشة وإن انتشر بينهما اكبار ضخم لدور المقاومة الفلسطينية المسلحة باعتباره الرد العربى الحقيقى على العدوان والتوسع الاسرائيليين كما رفض اليسار بجميع أطيافه الخطوات الأولى لعبد الناصر نحو التصالح مع أمريكا . وقد نشبت حركة طلابية جماهيرية تنتقد النظام الناصرى فكرا وممارسة ويقودها طلاب ينتمون الى تنظيمات شيوعية هى بوادر الحركة الثالثة . وكانت هذه التنظيمات قد شرعت فى انتقاد الناصرية قبل وفاة عبد الناصر وعملت على أن تطرح الحركة الطلابية بجلاء مطالب الحريات الديموقراطية وطورت المطالب الجامعية تطويراً أكثر ديموقراطية ، وخرجت على أغنية اشتراكية الحكومة ، وتشابهت مع الحركة الشبابية والطلابية الأوروبية فى مايو 1968.
وعاصر هذا النشاط الطلابى فى بداية السبعينات الميلاد الجديد للحركة الشيوعية وتحالفات السادات مع الحركات الاسلامية التى استشرت فى الجامعه بضرب اليسار والناصرية والديموقراطية وكان اليسار قد انتشر فى الجامعة رافعا شعارات النضال الفدائى الفلسطينى والفيتنامى وفى امريكا اللاتينية ضد الامبريالية والعنصرية ومثله الأعلى جيفارا . وكون الطلاب جزءاً ملموسا من نشاط الحركة الشيوعية الثالثة على حين كان اليمين الشيوعى مازال يدعى محافظة السادات على خط وطنى اشتراكى يجب تدعيمه فى مواجهة اعدائه . كما وجدت حركة مستمرة للإضرابات والمظاهرات فى المصانع المصرية منذ 1971 توجت بإنتفاضة كبرى فى يناير 1977 . شارك فى قيادتها شيوعيو الحركة الثالثة . وفى المؤخرة منهم تنظيمات 8 يناير عودة الروح وتنظيم الشروق ولا يعدمان بعض الاستمرار مع الحركة الشيوعية الثانية , وفى الصدارة حلقة خميس والبقرى (8/12/1969 ) التى صارت بعد نموها تسمى التنظيم الشيوعى ثم حزب العمال الشيوعى المصرى الذى مثل قطيعة حقيقيه مع اتجاه التأييد الذيلى للنظام ونفت أى صفة اشتراكية عنه ودمغته بأنه عبر عن بورجوازية بيروقراطية ستضطرها الأزمة إلى أن تعود مؤخرا وليس آجلا إلى أحضان الرأسمالية العالمية كما دلت مسيرة السادات . وقد منحت حرب التحريك فى أكتوبر السادات شرعية شعبية على الرغم من ملاحظة هذا الحزب تحول السادات نحو الولايات المتحدة وحتى مع مضى السادات فى انفتاحه الإقتصادى كان وزير تخطيطه اسماعيل صبرى وكان قياديا فى حزب الراية الذى حل نفسه يدعى أن الانفتاح ليس خصخصة القطاعات الاستراتيجية بل جذب استثمارات عربية فى اتجاه وحده اقتصادية عربية وليس بيع القطاع العام لشركات غربية . وعلى النقيض منه الف فؤاد مرسى سكرتير حزب الراية كتابا ينتقد فيه هذا الانفتاح بشدة ولكن هذا اللغط بين الرفض والموالاة اسهم فى اخفاء وجه شعبى متميز للشيوعيين . بعد عودة السادات عودة نهائية الى الفلك الغربى وحينما سمح بوجود منبر لليسارثم بإنشاء حزب للتجمع ركزت دعاية النظام على انهما وكر للشيوعيين الملحدين عملاء موسكو وتحول ما كان يسارا حكوميا من يمين الحركة الشيوعية الى المعارضة كيسار شرعى .

ولكن النظام بعد انتفاضة 1977 أمعن فى القمع البوليسى ضد أعضاء التجمع ومارست دعاياته الصاخبة المتكرره التى ايدها الاخوان الحرب ضد الشيوعيين ورضى عنها شيخ الأزهر والشيخ الشعراوى . وصعد الاسلام السياسي يحارب الشيوعية ويناصر السادات إلى أن اتجه السادات الى عقد سلام منفرد مع اسرائيل لم يرتح له الاسلام السياسي . ولكن السادات كرر مصادرة جريدة الاهالى متهما اليساريين بأنهم عملاء السوفييت وانهم الخطر الأكبر على نظامه غافلا عن أى تهديد محتمل من جانب المنظمات الاسلامية السرية ، التى ظن أنه قادر على مواجهتها بسياسته الاسلامية من أعلى . وفى انتخابات يونيو 1979 المزورة منع نجاح أى نائب للتجمع . وتخلى النظام عن تعدديته المقيده ، ومنع المثقفين اليساريين قسراً من النشر وواصل اكاذبيه ضد اليسار وفى 2سبتمبر 1981 اعتقل السادات كل قيادي التجمع ومعظم قوى المجتمع المدنى المصرى ، وبذلك تحول ما كان يسارا قانونيا أيام ناصر الى المعارضة كيسار قانونى لم يتخلص من آفة توهم وجود قوى وطنية ( لا مجرد أفراد وطنيين) داخل نظام السادات وفى نظام مبارك توحش الانحراف اليمينى فى التجمع وفيما يسمى بالحزب الشيوعى المصرى متمثلا فى نداءات الى بورجوازية منتجة مدعوه الى السيطرة على السلطة وانتزاعها من البورجوازية الطفيلية . أما حزب العمال الشيوعى المصرى فقد عمد التأريخ الكورييلى المنحرف يميناً الى محاولة الغائه كذبا باعتباره مجموعة من الشباب المتطرف على العكس من كتاب الحركة الماركسية فى مصر (1967- 1981 ) تأليف مؤرخ ايطالى موضوعى هو جينارو جيرفازيو وترجمة بسمة محمد عبد الرحمن الذى ابتعد عن تزوير التاريخ كما فعل اليمين المتمركس الذى يغازل مدنية نظام مبارك المزعومة ضد انتشار اسلمة لم يبرأ منها هذا النظام نفسه ، وهو يمين تحنط عند برنامج الدعاية الناصرية . وبعد انتفاضة 25 يناير 2011 الثورية بدء اليسار الاشتراكى فى تكوين احزابه الاربعه وليس حزبه الواحد فى بداية متسمة بالإنقسام كما جرت العادة . ووافقت لجنة الأحزاب على تأسيس حزب التحالف الشعبى الاشتراكى وتسير الأحزاب الثلاثة الأخرى فى استكمال اجراءات التأسيس . ولم تتضح صورة مكتملة بعد لليسار الاشتراكى .