الحرب العالمية والأدب


إبراهيم فتحي
الحوار المتمدن - العدد: 4735 - 2015 / 3 / 1 - 15:40
المحور: الادب والفن     

يقول معلقون أمريكيون إننا مازلنا نعيش في الظل الممتد للحرب العظمى عام 1914، على الرغم من أنه كان مفترضًا أن تنتهي في أسابيع. نعيش بدلاً من ذلك في ظلها من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وكان يقال للجنود إنهم سيعودون إلى بيوتهم قبل أن تسقط أوراق الأشجار. وترجع الأزمات الحالية الدموية (العدوان الإسرائيلي على غزة ومآسي سوريا والعراق وأفغانستان ومشاكل إيران) إلى 1914. ويزعم المعلقون أن معوقات الحاضر لها جذورها في عالم 1914-1918، العصر الذي أشعل الدوافع العنصرية والقومية وخلق دولاً قومية جديدة وخصوصًا الشرق الأوسط. وقد قيل إن القرن التاسع عشر قد انتهى عام 1914 بالحرب العظمى وأن القرن العشرين انتهى بسقوط جدار برلين 1989، وانهيار الاتحاد السوفييتي الذي هو نتاج ثورة 1917. ونحن نعيش الآن في عالم يشبه عالم 1914، دون نظام حاكم حقيقي. ويرون أن على الأمريكيين أن يتعلموا التفكير الآن بمصطلحات "كاليدوسكوبية" أي بمصطلحات التغير والتعدد لا بمصطلحات أحادية أو ثنائية. ويجب عليهم أن يغيروا إيمانهم ببلاغيات مسئولية أمريكا الاستثنائية وقدرتها الدائمة على تحمل ودفع ثمن جعل العالم يسير وفق أغراض أمريكية، أي يجب أن يصيروا واقعيين لا انهزاميين وألا يكرروا ظن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في 1914 أن هذه الحرب سوف تنهي كل الحروب. ويصل مؤرخون أمريكيون من تلخيصهم لحرب 1914 إلى أن الناس لا يخوضون حربًا بهذه الضحامة والتضحيات دون ضمان أنها لن نحدث مرة ثانية، ودون أمل في أنها سوف تحسم بإرساء أسس عالم أفضل أعدل نظامًا وأكمل كفاءة. ونعلم الآن أن مثل هذا الأمل كان وهميًا، فقد اشتعلت الحرب من جديد من 1939-1945. والآن بعد سنين طويلة نعيش في عالم ما يزال عرضة للفوضى والأذى والبؤس. ويرى المعلقون أن هذه هي طبيعة التاريخ والواقع ولا خيار لنا إلا أن نخوض في هذا الواقع. فلا يوجد بديل آخر سواء كانت أوراق الشجر في مكانها أو لم تكن. وقد يكون هؤلاء المعلقون مبالغين في التشاؤم، فهم لا يأخذون في حسابهم كفاح الشعوب من أجل الحرية والعدالة.
وقد أثرت الحرب العالمية الأولى في الأدب، في الشعر والقصة والرواية والدراما. وشعر الحرب العالمية الأولى له الحق الواضح في أن يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الشعر الحداثي، لأن تجربة الحرب لا يمكن توصيلها بواسطة أعراف القرن التاسع عشر الشعرية المتداعية، وإن تكن أشعار شاعر الحرب الأولى الذي قتل أثناءها ويلفرد أوين لا تجعله من طراز المجددين الواعين من ت.س. إليوت أو إيزرا باوند، أو حتى التصوريين، ولم يكن مثقفًا أدبيًا أو مدركًا لأزمة في الشعر أو واسع الإلمام بالشعراء الميتافيزيقيين أو اليعاقبة، بل يقف وعيه عند أن الحرب وهي حدث من خارج الأدب تدفعه كشاعر وإنسان شريف إلى أن يعثر على طريقة أخرى مناسبة في الكلام والكتابة. وكان الدافع وراء شعر الحرب التركيز على موضوع التناول، وكان الأسلوب خاضعًا له. والمقارنة بين روبرت بروك (1887-1915) باعتباره شاعر حرب قديم الأسلوب، ويلفرد أوين (1893-1918) كشاعر حرب حداثي الأسلوب تبرز الاختلاف الأساسي بين الشعر التقليدي والشعر الحداثي: التخلي عن الأدوات الرومانسية المقررة التي تعتبر الشعر حلمًا. ولم تفعل الحرب أكثر من الإسراع بتطوير الشعر الحداثي، فهي لم تكن بدايته. ويصور شاعر الخندق تجربته على نحو يقترب من نزعة تسجيلية وثائقية قد توقعه في الدعاية، وشعره شديد البساطة من الناحية التقنية لا يهتم إلا بالمعاني الواضحة للكلمات المستعملة التي لا توحي بأكثر مما تقرره، فهل يبتعد بذلك عن الشعر كما ينبغي له؟ فالشعر عنده ماثل كل المثول داخل الإحساس بالوطنية والغضب لها لا يحتاج إلى ممارسة لطف التعبير ويعتمد على الإخلاص. وحينما قتل أوين في 4 نوفمبر 1918 وجدت بين أوراقه مسودة هي مقدمة لمجموعة من الأشعار يقول فيها إن الشعر ليس عن أبطال ولا عن أمجادهم ولا شيء عن العزة والشرف والعظمة، وليس الاهتمام موجهًا إلى تقنية الصياغة، بل بالمعاناة في الحرب. فالشعر ماثل في المعاناة والمراثي لا تعني العزاء. إن الشعراء الحقيقيين يجب أن يكونوا صادقين مع الحقيقة (مع جهنم في الخنادق).
وربما كانت قصيدة "المجئ الثاني" للشاعر الأيرلندي ييتس والتي كتبت بعد عام من نهاية الحرب العالمية الأولى من أهم الأعمال التي عبرت عن تغير رؤية العالم من خلال الحرب. وفي القصيدة المكتوبة من منظور طيار وصف قوي للعالم الحديث الملئ بالفوضى والكلبية والتقلبات السياسية الكبرى. ففي مطلعها صورة للصقر الذي خرج عن سيطرة الصقار معبرة عن الحضارة التى فقدت محورها ولم تعد الفكرة الحاكمة لها قادرة على أن ينتظم المجتمع من خلالها. وهو يرى شكلا شبيهًا بأبي الهول بجسد أسد ورأس إنسان مؤذنًا بمجيء ثان. فالمجيء الثاني ليس دينيًا كالمجيء الثاني للمسيح في الإنجيل ولكنه مجيء منذر بالخراب.فنبوءة الشاعر الذي شهد بداية القرن العشرين المأسوية في بلاده أيرلندا وفي الحرب العالمية الأولى هي انتهاء نسق العالم الجديد وانبثاق عالم معارض قائم على الفردية المرفوضة.
والآن لا يبقى لنا سوى ذكرى الحرب التي تصور مختزلة في الخنادق كما يقول شعراء الحرب وكما تقول كتب التاريخ، على الرغم من أنه اشترك في الجهد الحربي بحارة وعمال ونساء. لكن اللون الأبيض هو لون المحاربين السائد في الذكرى على الرغم من أن الهند تحت الحكم البريطاني اشتركت بما يقرب من 1,4 مليونًا من المحاربين. وفي 1914 كانت بريطانيا وفرنسا أوسع امبراطوريتين منتشرتين عبر آسيا وأفريقيا، لذلك تصير الحرب بالضرورة حربًا عالمية، وقد تم تجنيد ما يزيد على أربعم ملايين من الرجال غير البيض في جيوش أوروبا والولايات المتحدة. وكان مليونان من الأفارقة يعملون كجنود أو كعمال. لكن ذكريات الحرب الأولى المنتشرة الآن تتجاهل الآسيويين والأفارقة وغيرهم الذين قاتلوا في الحرب في الجانب نفسه، ولا تذكر أعمالهم الروائية.
هناك فهم شائع يستمر في تمثيل الحرب العظمى بين 1014-1918 باعتبارها الحدث العلامة لبلوغ الحداثة الفنية ذروة تطورها ويرى الحرب حدثًا بارزًا ونقطة تحول ترسم حدًا فاصلاً بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فهي بالنسبة للفنانين المهتمين بالاختراع والجدة وكثافة الطاقة العاطفية علامة طريق، فهذه الحرب تميز المقاييس السائدة للقيمة وتفتح الباب للتجريب الفني، وإن يكن الكثير من الكتابة الحداثية قد سبق لها أن نشأت عن ملابسات مدنية على حين انحسر اهتمام القراء بروايات القتال وشعر الخنادق وذكريات الحرب. وقد أثرت الحرب في أدوار الجنسين، فالنساء يعملن في المصانع بالإضافة إلى البيت وفي أماكن القتال ليس كمقاتلات بل في أعمال التمريض والإنتاج مما ساهم في تحرير النساء عمومًا وانعكس في كتابات المرأة.
والحداثة هنا قطيعة معرفية مع قيود التقاليد الموروثة وضد التخلف والجمود في المؤسسات والنظم التي أدت إلى الحرب. فهي لا تحابي الرأسمالية. وفي الحقيقة إن التجديدات الوحيدة في الشكل بعد 1914 في الغرب لدى الطليعة الراسخة مقصورة على الدادئية التي أرهصت بالسيريالية، وعلى التشييدية في روسيا بعد الثورة متمثلة في التصميم الصناعي والمعماري. وكانت الدادائية احتجاجًا على الحرب والذين وراء إشعالها، واستعارت أشياء من تكعيبية ومستقبلية ما قبل الحرب وخصوصًا الكولاج فن الإلصاق عند هنري جيمس وجويس وإليوت وباوند. وكانت الدادائية منذ فبراير 1916 رد فعل ضد وحشية الحرب ونفعية الفن والأدب وعدم كفاءة الفكر العقلاني، وبصقت على الرأسمالية ونظامها وقوانينها، وعلى الفن التبسيطي الذي يقف عند تقديم صورة فوتوجرافية للواقع المفروض وعند وظيفة تسكين الألم وتحقيق الذات الأنانية. وتؤكد الدادئية أنها ضد المجتمع الذي يؤدي إلى الحروب وضد نظامه وليست ضد الإنسانية. ويعني المطلح المستخرج من القاموس عرضًا كل شيء ولا شيء، أو الحرية الشاملة ضد القواعد والمثل العليا المفروضة وقيود التقاليد. وقد اكتسبت شعبية في باريس بعد الحرب مباشرة واعتمدت على فن الإلصاق (الكولاج) وترتيب أشياء وكلمات لا علاقة بينها على نحو عشوائي. ثم أخلت مكانها قرابة عام 1921 للسيريالية. والسيريالية مكرسة أو منجذبة إلى ثورة اجتماعية، فهي أكثر من مجرد احتجاج سلبي. وهي تؤكد الخيال المبني على اللاشعور كما كشف عنه التحليل النفسي مع توكيد جديد على اللاعقلانية والأحلام والرموز.
وفي الرواية نجد كاتبًا بارزًا هو فورد مادوكس فورد يسجل التغيير وقد كتب رواية "الجندي الطيب" 1915 وهي تحفل بنغمة متقطعة وتنظيم عشوائي يظهران حكمًا وحدسًا يتجسدان خلال تقنية فنية هي تمثيل للحياة أكثر تعقيدًا وإحساسًا وإنسانية مما نجده عند موباسان أو زولا، فالتركيز على طراز التغيير الثقافي المعقد في اضطراب الحياة والعاطفة كثيف وإن يكن هادئًا، والشكل تام على الرغم من تقطعه، والإصرار على الإحاطة بالتجربة مهما تكن عابرة وفورية. والحياة عنده كما تقول فيرجينيا وولف هالة مضيئة، غلاف نصف شفاف. والاهتمام بانطباع السطح والمباشرة ينقل الذهن إلى الماهية وإلى ما وراء السطح إلى القيم الإنسانية. إن موقف المثقف الليبرالي الذي يواصل الحياة بعد الحرب ينهض ضد السيطرة الوحشية، رغم ما فيه من ضعف الثقة واليقين والحيوية.
وقد عمقت الحرب العالمية الأولى كما يقول هاوزر (في ترجمة فؤاد زكريا) الشعور بتغير تجربة الزمان في العصر الحاضر عن العصور الماضية. وهذا التغير مرتبط بتقدم التكنولوجيا ونشوء المدن العملاقة ورؤية العالم بعيني رجل المدينة، وبالحياة الحافلة بالتغير والإيقاع المتوتر والانطباعات الحادة المفاجئة. ولكن هذه الانطباعات عابرة زائلة تتصف بسيادة اللحظة على الاستمرار، وتبدو الحقيقة بعيدًا عن أن تكون وجودًا مماثلاً لنفسه في كل لحظة بل صيرورة بلا بنية أو اتجاه محدد. فما هو ثابت متماسك يصير مجموعة من التحولات دائمة التغير، فالواقع مثير دينامي. وهذا التصور الجديد للزمان تتلاقى فيه كل خيوط النسيج التي تؤلف مادة الفن الحداثي. فالتأكيد ينصب على تزامن محتويات الوعي وكمون الماضي في الحاضر، وانسياب فترات الزمان المختلفة معًا –في الوعي- وصيرورة التجربة الذاتية، والتدفق غير المحدود لمجرى الزمان. وهذا التصور وراء التخلي عن الحبكة الروائية المحكمة وعن البطل وبروز تقنية المونتاج السينمائي واستخدامها في الأدب. فالفهم الجديد للزمان قائم على التزامن بدلاً من التعاقب المنتظم إلى الأمام. وصار للزمان طابع مكاني إلى حد ما. وعلى هذا الفهم للزمان بنيت تقنيات الطابع المتقطع لخط القصة والانبثاقات المباغتة للانفعالات النفسية. ويفسر ذلك ما يوجد عند بروست وجيمس جويس من انفصال بين الزمان الموضوعي التاريخي وزمان الحياة الذاتية الشخصية. وقد تقلص الماضي في وعي الفرد، فهو لم يعد مستمرًا في تعاقب أجيال العائلة التي انفصل الفرد عنها. وتصور الروايات الفرد بحريته واستقلاله على خلفية تفسخ العائلة، ولم يعد يشعر بنفسه باعتباره حلقة داخل أجيال متعاقبة.