ما بعد العاصفة / توابع الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي


إبراهيم فتحي
الحوار المتمدن - العدد: 5215 - 2016 / 7 / 6 - 23:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

ماذا بعد التصويت لصالح مغادرة بريطانيا لنادي البلاد التي تشتري ما يقرب من نصف صادراتها، في تجاهل لتحذيرات الباحثين الاقتصاديين بعد ما يزيد على أربعة عقود في الاتحاد الأوروبي واختيار السير في طريق مجهول؟
الآن فتح صندوق باندورا وخرجت منه كل الشرور والمصائب. اغتيلت جو كوكس النائبة في مجلس العموم والمناصرة للمهاجرين وحقوق الأقليات في لحظة تحولت فيها حملة الاستفتاء إلى حملة بالغة الرداءة مع تكثيف بلاغة معاداة الأجانب والمهاجرين، مع اتهام كل معسكر للآخر بالكذب وسوء الطوية وأنصار المغادرة يؤكدون أن الهجرة صارت القضية المركزية للحملة، وهم يعرفون أن المبررات الاقتصادية للمغادرة ضعيفة كما أثبتتها جهات متعددة من معهد الدراسات المالية وبنك انجلترا إلى صندوق النقد الدولي. وقد أبرزت جريمة الاغتيال ضرورة أن تتغير الطريقة التي تمارس بها السياسة وإن روحًا جديدة من الواقعية والأمانة ينبغي أن تسود بعد الحملة. ويجب أن تعني ألا مزيد من الوعود الكاذبة، وذلك لا يحدث إلا إذا تغيرت وسائل الاتصالات، وطريقة وصف السياسة والكتابة عنها.
ويبرز سؤالان ماذا يعني هذا التصويت لبريطانيا وأوروبا، وماذا بعد؟ ويصل التصويت لصالح المغادرة إلى صب الغضب ضد المؤسسة. واكتشف حزب العمال مدى سخط كثيرين من الذين كانوا يصوتون له تقليديًا. قدم البريطانيون أسبابًأ كثيرة لرفض الاتحاد الأوروبي من نقص للديمقراطية في بروكسل إلى ضعف اقتصادات منطقة اليورو. ولكن أهم مسألة للبريطانيين بدت الحركة الحرة للأفراد، ومع زيادة عدد القادمين الجدد ارتفعت الهجرة إلى صدارة اهتمامات الناخبين. ووفقًا لذلك فإن جانب المغادرة وعد مناصريه باقتصاد منتعش وتحكم في الهجرة. ولكن البريطانيين لا يستطيعون أن يحصلوا على ذلك بمجرد التصويت. فإذا أرادوا النفاذ إلى سوق الاتحاد الأوروبي والتمتع بالثروة التي يجلبها يتوجب عليهم إن يقبلوا الحركة الحرة للناس فإذا رفضتها بريطانيا عليها أن تدفع الثمن وهو الاستبعاد من السوق المفردة التي تجمع دول الاتحاد في سوق واحدة ويجب أن تختار بين تقييد الهجرة وتنظيم الثروة.

لقد أصابت الاتحاد الأوروبي وهو مؤسسة انشئت للحفاظ على السلام في أوروبا ضربة ثقيلة الوطأة وعواقبها على بريطانيا المنقسمة وفق العمر والطبقة والجغرافيا في المدى القريب تتطلب حنكة سياسية وتتطلب في المدى البعيد إعادة رسم خطوط المعركة السياسية التقليدية وحتى الحدود الفرعية القومية. وستكون هناك فترة طويلة من عدم اليقين المؤذي. ويوميء انخفاض الجنيه الاسترليني غير المسبوق إلى ما سيجيء بعده مع تدهور الثقة . وقد تنزلق بريطانيا في انكماش أي وظائف أقل ومستحقات ضرائب أكثر انخفاضًا ومزيد من التقشف, وسيؤدي ذلك إلى زعزعة اقتصاد عالمي هش. ليست المغادرة إلا مجرد بداية السير على غير هدى.
ولن يكون ديفيد كاميرون الرجل الذي يقوم بالاختيار وهو لا يستطيع التفاوض على المغادرة فسيكون ذلك مسؤولية رئيس وزراء جديد وقد بدأ الصراع داخل حزب المحافظين بالفعل على الترشح للمنصب. ربما يتوجب عليه أن يحذو حذو النرويج التي استطاعت أن تبقى خارج الاتحاد الأوروبي وتنفذ إلى أكبر سوق مفردة في العالم، ولكن مع المحافظة على مبدأ حرية الحركة، والسبب أن ذلك سيعظم الرخاء والثمن المفترض وهو الهجرة مفيد فعليًا. فالمهاجرون من أوروبا الشرقية يسهمون إسهامًأ إيجابيًا في الموارد المالية، فهم يدفعون أكثر مما ينفق عليهم من خدمات الصحة والتعليم. ودون مهاجرين من الاتحاد الأوروبي تصبح المستشفيات وصناعات وزراعات وأعمال بناء مفتقرة إلى العاملين. والمهمة الصعبة ستكون إخبار البريطانيين الذين صوتوا للمغادرة أنهم لا يستطيعون أكل الكعكة والاحتفاظ بها، فليس ذلك خيارًأ ممكنًا.
وتدل استطلاعات النمو الاقتصادي على انخفاض كبير بالنسبة لبريطانيا وانخفاض ملموس لأوروبا ومتواضع للعالم. وبدءًا من أفضل حصيلة ممكنة فإن السبعة والعشرين عضوًا الآخرين في الاتحاد الأوروبي قد يتفقون سريعًا على موقف تفاوضي مشترك يسعى للحفاظ على بريطانيا أقرب ما يكون إلى أوروبا دون أن تكون عضوًا. وقد يتفق الجانب الأوروبي والبريطاني على صفقة تجارية لبريطانيا مماثلة لصفقة النرويج.
ومن ناحية أخرى تعد مغادرة بريطانيا ضربة قوية للاتحاد الأوروبي أو كهنة بروكسل الذين فقدوا الصلة بالمواطنين العاديين في بريطانيا، وليس في بريطانيا وحدها. وكل بلد يستاء بطريقته، فبلد يستاء من البيروقراطية وآخر من “فرط الليبرالية”. وهناك مفكرون يأسفون لهذا التصويت وخطورته في أن يجعل بريطانيا أكثر انغلاقًأ وانعزالاً وأقل دينامية، وقد يجعلها بريطانيا الصغرى لا العظمى. وسيكون الاسكتدلنديون الذين صوت معظمهم مع البقاء في الاتحاد الأوروبي حريصين على الخروج من المملكة المتحدة. وها هي نيكولا ستيرجون رئيسة الوزراء في سكوتلاندا تفاوض الاتحاد الأوروبي على إمكانية البقاء داخل الاتحاد وتلوح في حذر باستفتاء ثان على البقاء في المملكة المتحدة.
وفي أعقاب الاستفتاء سيكون من الصعب إعادة إغلاق صندوق باندورا، فقد انطلقت قوة الظلام وسرت في الجسد السياسي، وستدور الحياة وفق النتائج المنطقية لتلك القوى لسنوات قادمة. ولم يسبق في السنوات الحديثة أن ضعفت الثقة في النخب إلى هذه الدرجة أو أن الإيمان بحكمة الممثلين المنتخبين قد اهتز بهذا القدر. فالمملكة المتحدة بعيدة عن أن تكون موحدة والحزبان الرئيسيان فيها منقسمان ويحويان تكتلات متصارعة. وكشف الاستفتاء عن حرب ثقافية جديدة بين ليبرالي العاصمة والذين تركتهم العولمة على الهامش.