أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - حين تصير اللغة عالمًا اشتقاق إبستمولوجي لشروط التكوّن اللغوي وفاعليته في تكوين الواقع الإنساني دراسة في ضوء نظرية «التكوّن»















المزيد.....



حين تصير اللغة عالمًا اشتقاق إبستمولوجي لشروط التكوّن اللغوي وفاعليته في تكوين الواقع الإنساني دراسة في ضوء نظرية «التكوّن»


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 13:36
المحور: قضايا ثقافية
    


الملخص

تبحث هذه الدراسة في شروط إمكان تكوّن النسق اللغوي، وفي الكيفية التي يمكن بها لاستقرار تعالقي متحقق أن يصبح أصلًا فاعلًا في تكوين علاقات ووقائع إنسانية جديدة، دون افتراض استقلال اللغة عن الواقع أو اختزالها إلى تمثيل له. وتنطلق من القانون العام لنظرية «التكوّن»، بوصفه مرجعًا تأسيسيًا واحدًا، مع الفصل بين ما يقرره القانون، وما يلزم عن تحققه بشروط مخصوصة، وما يحتاج إلى إثبات مستقل عند تعيّنه في النسق اللغوي.

وتقوم الدراسة على تمييز تأسيسي بين تحقق الاستقرار، واكتساب الاستقرار وظيفة الأصل التكويني، وتحقق استقرار جديد. فالاستقرار لا يُعرَّف بآثاره اللاحقة، ووظيفة الأصل لا تُستنتج من مجرد استمرار الانتظام، كما أن التأثير الراجع أو إعادة التنظيم لا يكفيان وحدهما لإثبات إعادة التكوّن.

وتقترح الدراسة أن الخصوصية التكوينية للغة لا تكمن في امتلاكها معاني أو قدرتها على التأثير في السلوك، بل في إمكان تحقق انتظامات تعيينية مستقرة تصبح شروطًا فاعلة لإنتاج علاقات جديدة، مع استمرار خضوعها لشروط تحققها المادية والمعرفية والاجتماعية. وتحدد الفرق بين التعيين الدلالي، والاستقرار المرجعي، والفاعلية الراجعة، وإعادة التنظيم، وتحقق الأصل التكويني الجديد.

كما تبحث في تعيّن الجريان والإجهاد والتغاير والاستقطاب داخل النسق اللغوي، وتفصل بين تعيين الوظائف النظرية لهذه المفاهيم وبين إثبات ضرورتها التفسيرية. وتحافظ على التلازم بين التجلي التكويني والتجلي البنيوي، وعلى تعريف الفجوة بوصفها الفارق المطرد بين التكثف والامتداد، دون اختزالها إلى الجهل أو الغموض أو تعدد المعاني أو الإمكانات التخيلية.

وتعالج الدراسة العلاقة بين العقل واللغة، ثم تنتقل إلى التكوين المؤسسي، حيث يمكن للأفعال اللغوية أن تشارك، ضمن شروط مخصوصة، في إنشاء وقائع إنسانية ذات آثار مستقرة. وتتناول المجاز والتخييل والنص المقدس بوصفها تطبيقات تكشف تنوع التحققات الممكنة، لا مراحل حتمية في نشوء اللغة.

وتخلص الدراسة إلى أن اللغة لا تصير عالمًا لأنها تستبدل الواقع أو تنشئ عالمًا منفصلًا عنه، بل لأنها قد تصبح نسقًا متحققًا من العلاقات التي تدخل في تكوين الواقع الإنساني نفسه. غير أن إثبات هذا الإمكان لا يكفي وحده لإثبات انطباق جميع مقتضيات القانون العام؛ إذ يتطلب ذلك بيانًا مستقلًا لشروط تعيّنها اللغوي واختبارًا مقارنًا لقيمتها التفسيرية.

الكلمات المفتاحية: التكوّن؛ الإبستمولوجيا التكوينية؛ التعالق؛ التفاوت المتفاوت؛ الاستقرار؛ الأصل التكويني؛ اللغة؛ العقل؛ الدلالة؛ التمركز؛ الامتداد؛ الفائض؛ الفجوة التكوينية؛ إعادة التنظيم؛ الواقع المؤسسي.

المقدمة

من سؤال العلاقة إلى سؤال التكوّن

لم تعد العلاقة بين اللغة والعالم مسألة يمكن حصرها في السؤال عما إذا كانت الكلمات تمثل الأشياء تمثيلًا صحيحًا أو خاطئًا. فقد أظهرت فلسفة اللغة أن للعبارات وظائف تتجاوز الإخبار، وأن المعنى لا ينفصل عن الاستعمال، وأن بعض الأفعال اللغوية تدخل في إنشاء التزامات وأوضاع مؤسسية. كما بيّنت الأنطولوجيا الاجتماعية أن وظائف كثير من الوقائع الإنسانية لا يمكن استخلاصها من الخصائص الفيزيائية لحواملها وحدها.

لكن هذه النتائج، على أهميتها، لا تجيب بالضرورة عن سؤال التكوّن.

فإثبات أن اللغة تؤثر في الواقع لا يفسر كيف يمكن لانتظام لغوي متحقق أن يصبح أصلًا فاعلًا في إنتاج انتظام جديد. وإثبات أن المؤسسات تعيد تحديد استعمال اللغة لا يثبت أن هذا التأثير قد أنتج استقرارًا تكوينيًا جديدًا. كما أن وصف التفاعل المتبادل لا يحدد، بذاته، شروط انتقال انتظام متحقق إلى وظيفة الأصل.

ومن هنا تتحدد مشكلة الدراسة:

كيف يمكن أن يتكوّن نسق لغوي، وكيف يمكن لاستقراره التعالقي أن يكتسب وظيفة الأصل في تكوين علاقات ووقائع إنسانية جديدة، دون افتراض اللغة أو العقل أو المعنى أصولًا مكتملة قبل الاشتقاق؟

لا يبدأ هذا السؤال من لغة مكتملة تقف قبالة عالم مكتمل، ثم يبحث في اتجاه التأثير بينهما. بل يبدأ من إمكان تحقق انتظام مخصوص داخل الواقع، تتحدد فيه وظائف تعيينية قابلة للاستمرار وإعادة التشغيل، ثم يبحث في الشروط التي تسمح لهذا الانتظام بأن يدخل في تكوين علاقات جديدة.

ولا يعني ذلك أن كل انتظام دلالي سيصبح أصلًا تكوينيًا، أو أن كل أصل متحقق سينتج مؤسسة، أو أن كل مؤسسة ستعيد تكوين النسق اللغوي.

فالمطلوب ليس إثبات حتمية الحدوث، وإنما تحديد شروط الإمكان، وما يلزم عن تحقق شروط مخصوصة، وما يبقى حصيلة ممكنة غير مضمونة.

وتلتزم الدراسة أربعة قيود منهجية.

أولها عدم افتراض المتعيّن المطلوب اشتقاقه. فلا يجوز تفسير نشوء الدلالة بواسطة دلالة مكتملة مفترضة، أو تفسير تكوّن العقل بواسطة عقل جاهز، أو تفسير استقرار اللغة بواسطة مؤسسة لغوية يُفترض وجودها قبل بيان شروطها.

وثانيها عدم تحويل ترتيب البرهان إلى ترتيب زمني. فالعلاقات التي يجري تمييزها تحليليًا قد تتكوّن بصورة متبادلة ومتزامنة، ولا يلزم أن تكون قد ظهرت في التاريخ وفق ترتيب عرضها.

وثالثها عدم مساواة الإمكان بالضرورة. فإثبات إمكان تحقق نسق لا يثبت أن تحققه كان حتميًا، كما أن إثبات مقتضى مشروط لا يجعل شروطه واجبة الحدوث.

ورابعها عدم استعمال القانون العام بوصفه قالبًا وصفيًا يمكن إدراج كل ظاهرة تحته. فالقيمة الاشتقاقية للقانون تتوقف على تحديد ما يقتضيه، وما لا يقتضيه، وما الذي يمكن أن يضيفه إلى التفسيرات المنافسة.

وتتحدد أطروحة الدراسة في القضية التالية:

يمكن للغة، متى تحققت بوصفها نسقًا تعالقيًا ذا انتظامات تعيينية مستقرة، أن تدخل في تكوين علاقات ووقائع إنسانية جديدة؛ غير أن تحقق أصل تكويني جديد لا يثبت بمجرد التأثير المتبادل أو تغير الاستعمال، بل يتطلب إثبات استقرار جديد مستقل في شروط تحققه عن الآثار التي تُنسب إليه لاحقًا.

القسم الأول

القانون العام وحدود الاشتقاق

1. القانون المرجعي

تعتمد الدراسة الصياغة المرجعية الآتية لنظرية «التكوّن»:

القانون العام للتكوّن التعالقي

كلُّ استقرارٍ تعالقيٍّ، متى بلغ حدَّ استقراره، أصبح أصلًا استقراريًا تعالقيًا متمركزًا ممتدًا، لا يكون إلا تفاوتيًا متفاوتًا، يتمظهر تعالقيًا في الجريان، والإجهاد، والتغاير. ودينامية هذا التعالق هي الدينامية التكوينية، التي يلازم اشتغالَها استقطابٌ تعالقيٌّ يعيد تفعيلها، فتتولد من تعالقهما تعالقاتٌ شدّيةٌ ونبذية. ثم تدخل هذه التعالقات جميعًا في تعالقٍ أعلى، فينشأ استقرارٌ تعالقيٌّ أكثر تمركزًا وامتدادًا. ويتجلى هذا الاستقرار، في كل لحظة من لحظات تعالقه، في وجهين متلازمين لا ينفصلان: تجلٍّ تكوينيٍّ يعيد بناء النسق، وتجلٍّ بنيويٍّ يتولد فيه فائضٌ يفتح فجوةً لا تنغلق، بل تتسع مع كلِّ تمركزٍ جديد. ويغدو هذا الاستقرار أصلًا استقراريًا تعالقيًا متمركزًا ممتدًا جديدًا، فيستمر التكوّن وفق القانون نفسه.

هذه الصياغة هي المرجع النظري الذي تنطلق منه الدراسة، وليست نتيجة تستخلصها من الظواهر اللغوية.

ومن الضروري التمييز بين اعتمادها داخل النظرية وبين إثبات صحتها أو انطباقها على نسق مخصوص.

فإذا ثبت أن انتظامًا لغويًا يتغير ويؤثر في ممارسات لاحقة، فإن ذلك لا يثبت تلقائيًا أن جميع مقتضيات القانون قد تحققت فيه.

كما أن إثبات انطباق بعض المقتضيات لا يثبت، دون برهان إضافي، انطباق بقيتها.

2. القانون ومنطق الإمكان

لا تقرر النظرية أن كل تعالق ممكن سيتحقق، أو أن كل تحقق سينتج لغة أو عقلًا أو مؤسسة.

كما لا تقرر أن كل استقرار سيصبح بالفعل أصلًا لتكوّن جديد.

إنما تتناول ما يمكن أن يلزم عن تحقق استقرار يستوفي شروطًا مخصوصة، وكيف يمكن أن يعيد هذا الاستقرار إنتاج إمكانات تكوّن جديدة.

وعليه، ينبغي الفصل بين ثلاثة أحكام:

إمكان الحدوث: لا يُستبعد تحقق انتظام مخصوص إذا توافرت شروط تسمح به.

اللزوم المشروط: إذا تحقق انتظام يستوفي شروطًا محددة، فقد تلزم عنه مقتضيات يمكن اشتقاقها من تلك الشروط.

عدم حتمية الحصيلة: لا يلزم من تحقق الإمكان أن تقع حصيلة بعينها، ولا من تحقق استقرار أن تنشأ رتبة مخصوصة.

ولا يجوز الاستدلال على الإمكان من مجرد العجز عن إثبات الاستحالة. فعدم ثبوت النفي لا يكفي وحده لإثبات إمكان موجب؛ وإنما يتطلب الادعاء بالإمكان بناءً متسقًا أو شروط تحقق قابلة للدفاع.

وهذا التمييز يمنع تحويل القانون العام إلى دعوى حتمية عن تاريخ الكون أو اللغة أو المجتمع.

3. وحدة القانون واختلاف التعيّنات

إذا كان القانون عامًا، فإن عموميته لا تعني تماثل جميع الأنساق.

فالاستقرار الفيزيائي ليس استقرارًا دلاليًا، والتفاعل العضوي ليس فعلًا لغويًا، والتداول اللغوي ليس مؤسسة قانونية.

وحدة القانون، إن ثبتت، تتعلق بالبنية التكوينية العامة، لا بتطابق الوظائف المخصوصة.

ومن ثم لا يجوز استنتاج خصائص اللغة من مجرد وجود التعالق.

بل يجب تحديد الشروط التي تجعل تحققًا معينًا لغويًا، ثم اختبار كيفية تعيّن مقتضيات القانون فيه.

كما ينبغي الحفاظ على الفرق بين التعالق والاقتران.

فالتعالق هو المستوى العام للعلاقات المتبادلة، أما الاقتران فهو تحقق مخصوص بين تكثفات محددة يمكن تعيين شروط استمرارها ووظائفها.

ولذلك لا يكون كل تعالق اقترانًا، وإن كان كل اقتران يتضمن تعالقًا مخصوصًا.

القسم الثاني

شروط إمكان التعيّن اللغوي

4. من الاختلاف إلى الوظيفة التعيينية

لا تكفي الفروق المادية وحدها لتكوين لغة.

فالاختلاف بين صوتين أو علامتين قد يكون قابلًا للرصد دون أن يؤدي وظيفة تعيينية داخل ممارسة.

كما أن انتظام استجابة لإشارة لا يثبت وحده تحقق نسق لغوي.

ولهذا لا يبدأ الاشتقاق من «التمييز الدلالي» بوصفه معطًى جاهزًا.

بل يبدأ من السؤال عن الشروط التي يمكن أن يصبح ضمنها اختلاف متحقق ذا وظيفة تعيينية.

والحد الأدنى المقترح هو إمكان دخول الاختلاف في ممارسة تسمح بأن يكون لاستعماله أثر في تحديد موضوع أو علاقة أو حالة، وأن يُعاد استعماله ضمن علاقات أخرى.

لكن هذا التحديد لا يفسر وحده كيف نشأت الممارسة أو كيف تحققت معاييرها.

إنه يحدد ما يجب تفسيره.

5. التعيين وإعادة التعيين

إذا أدى اختلاف متحقق وظيفة تعيينية في ممارسة، فإن استمرار هذه الوظيفة يتطلب إمكان إعادة التعرف إلى الانتظام الذي يؤديها.

ولا يعني ذلك تكرار العلامة المادية نفسها في كل مرة.

فقد تتغير الصيغة أو السياق، بينما تستمر بعض العلاقات التي تسمح بإعادة التعيين.

ومن هنا يمكن التمييز بين وقوع تعيين منفرد وبين تحقق انتظام تعييني قابل لإعادة التشغيل.

لكن لا يجوز افتراض أن إعادة التعيين شرط مستقل تمامًا عن إعادة التشغيل.

فالأولى تتعلق باستمرار إمكان تحديد الوظيفة عبر اختلاف المواضع، والثانية تتعلق بدخول الانتظام المتحقق في إنتاج استعمالات وتعيينات لاحقة.

وقد تتداخل الوظيفتان في التحقق نفسه.

ولهذا لا تُقدَّمان بوصفهما علتين منفصلتين، بل بوصفهما جانبين تحليليين لاستمرار الانتظام التعييني.

6. التفسير والتصويب

لا يكفي أن تؤدي علامة أثرًا متكررًا حتى تصبح جزءًا من نسق لغوي بالمعنى المعتمد هنا.

فالممارسة اللغوية تتضمن إمكان اختلاف الاستعمالات وتفسيرها وتصويبها.

ولا يعني التصويب وجود قواعد صريحة أو وعي نظري بها لدى جميع المشاركين.

بل يعني وجود فروق عملية بين استعمالات تُعامل بوصفها ملائمة وأخرى تُعامل بوصفها غير ملائمة ضمن الممارسة.

لكن هذه المعايير ليست مفترضة خارج النسق بوصفها سلطة سابقة عليه.

فقد تتحدد من خلال الممارسة نفسها، وتتغير بفعل إعادة التعيين والاستعمال.

وعليه، فإن التفسير والتصويب لا يأتيان بالضرورة بعد تحقق الدلالة، بل يمكن أن يكونا جزءًا من شروط استمرار انتظامها.

7. التعيّن اللغوي بوصفه تحققًا مشروطًا

يمكن الآن صياغة القضية الأولى:

إذا تحقق انتظام من الفروق يؤدي وظائف تعيينية قابلة لإعادة التعرف والتفسير والتصويب وإعادة التشغيل داخل ممارسة، أمكن تعيين نسق لغوي بالمعنى الوظيفي المحدد في هذه الدراسة.

لكن هذه القضية لا تشتق ظهور اللغة من القانون العام وحده.

إنها تحدد شروطًا مخصوصة ينبغي بيان إمكان تحققها، ثم اختبار علاقتها بالمقتضيات التكوينية العامة.

كما أنها لا تدعي تفسير جميع خصائص اللغة البشرية، ولا اشتقاق النحو أو البنية العصبية أو القدرة الرمزية المعقدة.

إنها تحدد موضوع البحث دون تحويل تعريفه إلى برهان على منشئه.

القسم الثالث

العقل واللغة: التجلي لا الإخراج

8. اللغة بوصفها تجليًا خارجيًا للعقل

تتبنى الدراسة الأطروحة التالية:

اللغة هي التجلي الخارجي لما ندعوه: العقل.

لكن التجلي الخارجي لا يعني وجود عقل مكتمل أولًا، ثم انتقال محتوياته إلى لغة جاهزة.

كما لا يعني أن جميع وظائف العقل لغوية، أو أن اللغة وحدها تستنفد إمكانات التحقق العقلي.

إنما يشير إلى إمكان تحقق انتظامات عقلية في صيغ تعيينية قابلة للتداول والتفسير والتصويب وإعادة التشغيل.

والعلاقة هنا ليست انتقالًا أحادي الاتجاه من الداخل إلى الخارج.

فالصيغة اللغوية المتحققة قد تصبح شرطًا لإعادة تنظيم بعض الوظائف العقلية التي أسهمت في إمكان ظهورها.

وبذلك لا تكون اللغة مجرد أداة يستعملها عقل مكتمل سابق عليها، ولا يكون العقل مجرد حصيلة آلية للغة.

إنهما، في نطاق الأطروحة، تحققان مخصوصان يمكن أن تتحدد بعض وظائفهما بصورة متبادلة.

9. حدود هذا التحديد

لا يجوز استعمال أطروحة التجلي الخارجي بوصفها دليلًا على أن كل تفكير لغوي.

كما لا يجوز استنتاج أن جميع الكائنات التي تملك قدرات إدراكية أو تمثيلية تمتلك لغة بالمعنى البشري.

فالنسق العقلي نفسه يحتاج إلى اشتقاق مستقل من القانون العام.

ولهذا تحدد الدراسة موقع اللغة داخل المشروع التكويني، دون الادعاء بأنها أنجزت اشتقاق العقل.

القسم الرابع

الاستقرار وحدّه ووظيفة الأصل

10. الاستقرار ليس أثره

إذا تحقق انتظام دلالي قابل للاستمرار عبر اختلاف الاستعمالات، أمكن الحديث عن استقرار مرجعي.

لكن هذا الاستقرار لا يُعرَّف بما سينتجه لاحقًا.

فقد يستمر انتظام دون أن يثبت أنه أصبح أصلًا لتكوّن جديد.

ولهذا يجب تحديد شروط الاستقرار بصورة مستقلة عن فاعليته اللاحقة.

ويمكن اقتراح معيارين تحليليين أوليين:

تمايز التنظيم: أن يمكن تعيين انتظام للعلاقات يختلف وظيفيًا عن مجرد استمرار حالة سابقة.

استمرار التنظيم: أن يحتفظ الانتظام المتحقق بقابلية إعادة إنتاج وظائفه ضمن اختلافات لا تلغي شروط التعرف إليه.

ولا يُقصد بالاستمرار مدة زمنية محددة سلفًا، ولا بعدد معين من مرات التكرار.

بل يتعلق الأمر بقابلية التنظيم للحفاظ على علاقاته المحددة ضمن نطاق تغير معلوم.

وهذان المعياران لا يثبتان وحدهما حدّ الاستقرار بالمعنى العام للنظرية؛ إنما يقدمان أساسًا لفحصه في الرتبة اللغوية.

11. حدّ الاستقرار

لا يجوز تعريف حدّ الاستقرار بأنه اللحظة التي يصبح فيها الاستقرار أصلًا جديدًا.

فهذا تعريف دائري.

كما لا يجوز مساواته بدرجة انتشار أو تكرار.

والأدق أن يُبحث حدّ الاستقرار بوصفه شرطًا بنيويًا يمكن عنده تعيين انتظام متحقق قادر على استمرار تنظيمه ضمن نطاق محدد من التغيرات.

لكن هذا التحديد يظل بحاجة إلى ضبط أدق، لأن مفهوم «القدرة على الاستمرار» لا يكفي إذا لم تُحدد العلاقات التي ينبغي أن تستمر، ونطاق التغيرات الذي تُختبر ضمنه.

ومن ثم فإن إثبات حدّ الاستقرار يتطلب تعيين التنظيم وشروط بقائه قبل الاستدلال بآثاره اللاحقة.

12. وظيفة الأصل التكويني

بعد إثبات الاستقرار يمكن طرح سؤال مستقل:

هل أصبح هذا الاستقرار شرطًا فاعلًا في تحقق انتظام جديد؟

إذا كانت الإجابة مثبتة، أمكن القول إن الاستقرار اكتسب وظيفة الأصل التكويني.

ولا تعني هذه الوظيفة أنه بداية تاريخية مطلقة، أو جوهر مستقل، أو سبب أحادي الاتجاه.

إنها تعني أن انتظامًا متحققًا أصبح طرفًا في شروط تحقق جديد.

لكن لا يجوز استنتاج هذه الوظيفة من مجرد وجود الاستقرار.

فقد يتحقق استقرار دون أن يثبت دخوله في تكوين انتظام آخر.

ومن هنا يتحدد الفرق بين تحقق الاستقرار واكتساب وظيفة الأصل.

13. إعادة التكوّن

لا يكفي أن يصبح استقرار سابق مؤثرًا في استعمال لاحق حتى نثبت إعادة التكوّن.

فقد يحدث تأثير راجع دون تغير التنظيم.

وقد يتغير التنظيم دون أن يستقر انتظام جديد.

أما إعادة التكوّن فتتطلب تحقق استقرار جديد يمكن تعيين شروطه مستقلة عن مجرد أثره اللاحق.

وعليه، ينبغي التمييز بين ثلاث قضايا:

التأثير الراجع: حصيلة سابقة تؤثر في اشتغال لاحق.

إعادة التنظيم: تغير العلاقات التي تحدد وظائف النسق.

إعادة التكوّن: تحقق انتظام جديد يستوفي شروط الاستقرار، مع إمكان اكتسابه وظيفة الأصل في تحقق لاحق.

وهذه ليست ثلاث مراحل زمنية حتمية، ولا ثلاثة قوانين.

إنها مستويات إبستمولوجية مختلفة لقوة الادعاء.

القسم الخامس

الدينامية التكوينية وتعيّنها اللغوي

14. من التدفق إلى الجريان والإجهاد والتغاير

تتناول نظرية «التكوّن» التعالق بوصفه تحققًا تفاوتيًا متفاوتًا، لا مجموعة عناصر ساكنة.

وفي المستوى اللغوي لا يجوز مساواة التدفق بحركة الأصوات أو انتقال النصوص.

فقد يبقى النص ثابتًا ماديًا، بينما تتغير علاقاته التفسيرية.

وقد تنتقل علامة ماديًا دون أن يتغير انتظامها الدلالي.

ولهذا ينبغي البحث عن التدفق اللغوي في استمرار اشتغال العلاقات التعيينية وتفاوت وظائفها.

ويمكن تعيين الجريان في استمرار هذا الاشتغال، والإجهاد في العلاقات التفاوتية التي تنشأ بين انتظامات متحققة وشروط إعادة تعيينها، والتغاير في اختلاف مواقع العلاقات ووظائفها.

لكن هذه التعيينات لا تصبح اشتقاقات لمجرد إمكان وصفها بهذه المصطلحات.

فلا بد من بيان ما الذي يختلف في كل منها، وما الذي لا يفسره الوصف العام للتغير الدلالي دون هذا التمييز.

15. الاستقطاب

لا يُختزل الاستقطاب التكويني إلى تعارض رأيين، أو صراع بين المحافظة والتجديد.

فهذا تحويل لمفهوم عام إلى صورة اجتماعية مخصوصة.

إنما يتعلق الاستقطاب بتمايز أنماط اشتغال التعالق، بما يسمح باختلاف اتجاهات إعادة تنظيم العلاقات.

وقد تتجه بعض العلاقات إلى تكثيف انتظام مرجعي، بينما تدخل علاقات أخرى في إعادة توزيع وظائفه وامتداده.

لكن لا يلزم من ذلك وجود قوتين مستقلتين أو صراع خطي ينتهي بانتصار إحداهما.

كما لا يلزم أن ينتج عن كل استقطاب استقرار جديد.

والمطلوب هو تحديد كيف يمكن لتمايز أنماط الاشتغال وتعالقها أن يتيح تنظيمًا جديدًا، وما الشروط التي تسمح باستقراره.

16. التعالقات الشدّية والنبذية

ينص القانون المرجعي على تولد تعالقات شدّية ونبذية من تعالق الدينامية التكوينية والاستقطاب الملازم لها.

لكن لا يجوز مساواة الشدّ بالمحافظة اللغوية، أو النبذ بالتجديد.

فقد تتضمن إعادة التنظيم اللغوي علاقات تكثيف وامتداد متبادلة، لكن إثبات تعيّن التعالقات الشدّية والنبذية يتطلب تحديد وظائفها بصورة مستقلة عن هذه المقابلات المجازية.

ولا يكفي القول إن اللغة تتغير بفعل توترات داخلية.

فالتوتر، بوصفه وصفًا عامًا، لا يثبت آلية مخصوصة.

ومن ثم تبقى مهمة الاشتقاق هي بيان شروط ظهور هذه التعالقات في النسق اللغوي، وعلاقتها بتكوّن انتظام جديد.

17. التعالق الأعلى

إذا أدت إعادة تنظيم العلاقات إلى تحقق انتظام جديد، فلا يكفي وصف الحصيلة بأنها «تعالق أعلى».

بل يجب تحديد التنظيم الجديد، وشروط استقراره، وما الذي يميزه عن مجموع العلاقات السابقة.

كما يجب بيان ما إذا كان هذا التنظيم قد أصبح شرطًا فاعلًا في تحققات لاحقة.

فالتعالق الأعلى ليس اسمًا لكل نتيجة معقدة، وإنما دعوى بنيوية تتطلب إثباتًا.

وهنا تتحدد خصوصية التفسير التكويني: لا يكفي وصف التغير، بل يجب بيان شروط تحقق انتظام جديد ومقتضياته.

القسم السادس

التجليان والفائض والفجوة

18. التلازم بين التكوين والبنية

تتبنى نظرية «التكوّن» أن الاستقرار التعالقي يتجلى في وجهين متلازمين: تجلٍّ تكويني يعيد بناء النسق، وتجلٍّ بنيوي يتولد فيه فائض.

ولا يصح تحويل هذين الوجهين إلى مرحلتين زمنيتين.

كما لا يصح اختزال التجلي التكويني إلى الابتكار اللغوي، أو التجلي البنيوي إلى حفظ القواعد.

فهما وجهان لتحقق واحد.

لكن إثبات تلازمهما في النسق اللغوي يتطلب بيان ما الذي يتكون، وما التنظيم الذي يتحقق، وما المقتضى البنيوي الذي لا يُختزل إلى مجرد إعادة ترتيب العلاقات.

19. التكثف والتمركز والامتداد

لا يجوز استعمال التكثف والتمركز بوصفهما مترادفين تلقائيًا.

فالتكثف يتعلق بتحقق تنظيم للعلاقات، بينما يشير التمركز إلى تعيّن موقع تنظيمي مرجعي داخل هذا التحقق.

أما الامتداد فيتعلق بدخول التنظيم المتحقق في علاقات أوسع.

لكن هذه التمييزات أولية، ولا تثبت بذاتها علاقات اللزوم بينها.

كما لا يجوز تصور التكثف أولًا ثم التمركز ثم الامتداد بوصفها مراحل زمنية.

فحيث يتحقق انتظام تكثفي متمركز ممتد، تتحدد هذه الأوجه ضمن تعالق واحد.

والمطلوب في الرتبة اللغوية هو بيان كيفية تعيّنها دون اختزال التكثف إلى كثرة الاستعمال، أو التمركز إلى شيوع اللفظ، أو الامتداد إلى الانتشار الكمي.

20. الفائض البنيوي

لا يُعرَّف الفائض التكويني بأنه مجموع المعاني الممكنة، أو عدد الاستعمالات المستقبلية، أو كمية المعلومات المتراكمة.

إنه، وفق القانون المرجعي، مقتضى بنيوي يتولد في التجلي البنيوي للاستقرار التعالقي.

ولذلك لا يكفي إثبات أن مفهومًا مستقرًا أصبح قابلًا للاستعمال في سياقات جديدة حتى نثبت تحقق الفائض بالمعنى الدقيق.

بل يجب تحديد أثر بنيوي متولد من الاستقرار لا يُختزل إلى إعادة إنتاج وظائفه السابقة.

وهذا هو موضع الاشتقاق المطلوب.

21. الفجوة التكوينية

الفجوة، في نظرية «التكوّن»، هي:

الفارق المطرد بين التكثف والامتداد، الذي يزداد كلما ازداد التحقق، ولا ينقص.

ولا تعني نقص المعرفة أو غموض النص أو عدم اكتمال المعجم.

كما لا يجوز مساواتها بتعدد التأويلات أو اتساع الإمكانات التخيلية.

فقد يزول غموض اصطلاحي، أو يستقر تفسير، أو تُحسم دلالة إجراء، دون أن يعني ذلك انغلاق الفجوة التكوينية.

وفي المقابل، لا يثبت استمرار الاختلاف التأويلي اتساع الفجوة.

إن تعريف الفجوة بوصفها فارقًا مطردًا يتطلب تحديد معنى الاطراد والازدياد بنيويًا.

ولا يجوز افتراض أنه فرق حسابي بين كميتين، ما لم تُحدد الكميتان وطريقة قياسهما.

وقد يكون الاطراد علاقة ترتيب بنيوية، لا مقدارًا عدديًا.

لكن هذا الاحتمال نفسه يحتاج إلى تعريف واختبار.

ولهذا لا تُستعمل الفجوة في هذه الدراسة مقدمةً لإثبات المجاز أو التخييل أو التكوين المؤسسي.

بل يُحافظ على موقعها بوصفها مقتضى من مقتضيات القانون العام، مع تحديد ما يلزم لإثبات تعيّنها في النسق اللغوي.

وهذا ليس استبعادًا للفجوة من النظرية، بل منعٌ لاستعمالها قبل استكمال البرهان الخاص بها.

القسم السابع

من اللغة إلى الواقع المؤسسي

22. الاستقرار الدلالي لا ينشئ مؤسسة بذاته

قد يستقر معنى لفظ قرونًا دون أن ينشأ عنه حق أو التزام.

وقد تؤدي عبارة قانونية، ضمن شروط مخصوصة، إلى إنشاء وضع مؤسسي جديد.

إذن، لا يكفي وجود معنى مستقر لكي تتكون مؤسسة.

ولا يلزم أن يسبق التكوين المؤسسي مجاز أو شعر أو تخييل.

فهذه أنماط مخصوصة يمكن أن تتفاعل، لكنها ليست مراحل واجبة التعاقب.

23. شروط الفعل المؤسسي

يمكن للغة أن تشارك في تكوين واقعة مؤسسية عندما تدخل الأفعال الدلالية في تعالقات تتضمن قواعد أو أعرافًا أو إجراءات، وصلاحيات، وأنماط اعتراف أو امتثال، وآليات لاستمرار الأثر أو تعديله أو إنفاذه.

فعبارة «أعلن افتتاح الجلسة» لا تنشئ الأثر المؤسسي نفسه في جميع السياقات.

إذ يتوقف ذلك على صفة المتكلم، والإجراء، والمؤسسة، والاعتراف بالصلاحية.

ولا يعني الاعتراف هنا الإجماع أو الموافقة الأخلاقية؛ فقد تعمل مؤسسات على أشخاص يعترضون على مشروعيتها.

كما أن الأثر المؤسسي لا يتحقق باللغة وحدها؛ بل يرتبط بحوامل مادية وسجلات وأجساد وموارد وممارسات.

لكن هذه الحوامل لا تكفي بخصائصها الفيزيائية وحدها لتفسير وظائفها المؤسسية.

24. الواقعة المؤسسية ليست مجرد اعتقاد

قد تكون وثيقتان متماثلتين ماديًا، لكن إحداهما نافذة قانونيًا والأخرى غير نافذة.

ولا يفسر اختلاف الأثر نوع الورق أو الحبر.

إنما يفسره موقع الوثيقة داخل علاقات الصلاحية والإجراء والاعتراف والإنفاذ.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن المؤسسة مجرد اتفاق ذهني بين الأفراد.

فقد تستمر آثارها من خلال تنظيمات وقدرات تنفيذية تتجاوز اعتقادات المشاركين منفردين.

وهنا تظهر ضرورة عدم اختزال الواقع المؤسسي إلى مجموع المقاصد الفردية.

25. الفاعلية الراجعة

لا تنتهي العلاقة عند انتقال الأثر من اللغة إلى المؤسسة.

فالمؤسسة المتحققة قد تعيد تحديد معاني الألفاظ التي تستعملها، وشروط صحة الأفعال اللغوية داخلها، والجهات المخولة بتفسيرها.

فالمحكمة لا تستخدم فقط مفردات «الدعوى» و«الشهادة» و«الحكم»، بل تشارك في تحديد وظائفها داخل إجراءات مخصوصة.

كما أن تعديل نظام قانوني قد يعيد تنظيم دلالات مصطلحات كانت مستقرة قبله.

إذن، يمكن للحصيلة المؤسسية أن تصبح شرطًا فاعلًا في إعادة تنظيم النسق اللغوي.

لكن هذه الفاعلية الراجعة لا تثبت وحدها إعادة التكوّن.

فقد تتغير الاستعمالات دون أن يتغير التنظيم الدلالي، وقد يتغير التنظيم دون أن يستقر انتظام جديد.

ولا يجوز الانتقال إلى دعوى إعادة التكوّن إلا إذا أمكن تحديد استقرار جديد يستوفي شروطه.

26. الاقتران المخصوص

إذا أردنا وصف العلاقة بين النسق اللغوي والنسق المؤسسي بأنها اقتران تكويني، فلا بد من تعيين التكثفات المحددة التي تدخل في العلاقة.

فقد يكون لدينا انتظام لغوي مستقر وتنظيم مؤسسي متحقق، ولكل منهما شروط استمرار ووظائف يمكن تمييزها.

وعندما تدخل هذه التنظيمات في علاقة مخصوصة تسمح بتغير وظائفها المتبادلة مع استمرار إمكان تمييزها، يمكن بحث تحقق اقتران تكويني.

لكن مجرد التفاعل بين اللغة والمؤسسة لا يكفي لإثبات الاقتران.

كما أن اعتماد المؤسسة على الأفعال اللغوية لا يثبت وحده تحقق أصل تكويني أعلى.

فهذا يحتاج إلى تحديد شروط التنظيم الجديد واستقراره وفاعليته اللاحقة.

القسم الثامن

تطبيقات مخصوصة: المجاز والتخييل والنص المقدس

27. المجاز وإعادة التنظيم الدلالي

حين نقول «الذاكرة مدينة مهجورة»، لا نضع كلمة مكان أخرى فحسب.

بل نعيد تنظيم علاقات بين الذاكرة والمكان والهجر والأثر والبقاء والعودة.

وقد تنتج هذه العلاقات صورة لا يمكن اختزالها إلى المعنى الحرفي لأي عنصر منفرد.

ومن هنا يمكن تعريف المجاز، في حدود الدراسة، بأنه نمط مخصوص من إعادة تنظيم العلاقات الدلالية، يتيح تعيين علاقات لا تتحقق بالطريقة نفسها داخل الاستعمال السابق.

لكن هذا لا يجعل كل تغير دلالي مجازًا، ولا يجعل كل تركيب غير مألوف صورةً ناجحة.

كما أن إمكان تفسير المجاز تعالقيًا لا يثبت أن نظرية «التكوّن» هي التفسير الوحيد له.

28. التخيّل والتخييل

ينبغي التمييز بين التخيّل والتخييل.

التخيّل هو إمكان إعادة تشكيل العلاقات التمثيلية داخل النسق المعرفي، وإنتاج صور لأوضاع لا يشترط تحققها في الواقع.

أما التخييل فهو التأثير في تشكّل الصور والعلاقات التمثيلية لدى الآخر بواسطة التعبير.

فالشاعر لا ينقل صورةً مكتملة من ذهنه إلى ذهن القارئ، بل ينتج تعبيرًا يمكن أن يسهم في تشكيل صورة لدى المتلقي.

وهذا التشكيل ليس مطابقًا بالضرورة لقصد المنتج، لأن المتلقي يشارك في إنتاج الصورة من خلال خبراته وانتظاماته المعرفية.

ولا ينبغي حصر التخييل في اللغة اللفظية؛ فقد يتحقق بوسائط فنية أخرى.

لكن موضوعنا هنا هو التخييل الذي تعمل فيه العلاقات اللغوية بوصفها شروطًا للتأثير في تشكيل التمثلات.

29. المعرفة وإمكانات التخييل

ليس لازمًا أن يؤدي تقدم المعرفة إلى انحسار التخييل.

فالمعرفة قد تستبعد تصورات ثبت خطؤها، لكنها قد تفتح إمكانات جديدة لإعادة تشكيل العلاقات التمثيلية.

ومع ذلك، لا يثبت هذا أن كل تقدم معرفي يؤدي إلى زيادة فعلية في الإبداع.

فالتمييز ضروري بين اتساع الإمكانات المتاحة، وتحقق إنتاج جديد، والقيمة المعرفية أو الجمالية لذلك الإنتاج.

وعليه، يمكن القول إن ازدياد التحقق المعرفي قد يتيح إمكانات تخييلية جديدة، لأن المعارف المتحققة تصبح مراجع إضافية لإعادة تنظيم العلاقات التمثيلية.

لكن لا يجوز اعتبار هذه النتيجة برهانًا مباشرًا على اتساع الفجوة التكوينية.

فالفجوة ليست نقصًا معرفيًا يعوضه التخييل، ولا تُقاس بعدد الصور الممكنة.

30. النص المقدس والتمركز المرجعي

لا يلزم من تحقق اللغة أن ينشأ نص مقدس.

ولا يلزم أن تمر اللغة بالمجاز ثم الشعر ثم المؤسسة وصولًا إلى المقدس.

فالنص المقدس نمط مخصوص من التمركز المرجعي، تتحقق شروطه ضمن تقاليد اعتقادية واجتماعية وتاريخية مختلفة.

ولا يجوز افتراض وحدة هذه الشروط في جميع الأديان.

31. المرجعية والتفسير والسلطة

ينبغي الفصل بين السؤال عن المصدر المتعالي الذي تنسب إليه جماعة نصها، وبين السؤال الوصفي عن كيفية عمل النص داخل ممارساتها.

فالبحث في التكوين الاجتماعي للمرجعية لا يثبت المصدر المتعالي ولا ينفيه.

إنما يبحث في الشروط التي يصبح النص بموجبها مرجعًا معتمدًا لتحديد الاعتقاد أو الممارسة أو المشروعية.

وقد تدخل في هذه الشروط ممارسات التلاوة والحفظ والتفسير والتعليم والاحتجاج والطقس، وعلاقات السلطة والاعتراف.

ولا يكفي وجود النص لكي تتحدد آثاره الاجتماعية بصورة واحدة.

ويجب التمييز بين أربع قضايا:

وجود النص بوصفه مرجعًا معتمدًا.

وصحة تفسير معين له.

وصلاحية جهة معينة لإلزام الآخرين بذلك التفسير.

وصدق القضايا المتعلقة بالعالم التي يتضمنها التفسير أو يُنسب إليه تقريرها.

ولا تستلزم إحدى هذه القضايا القضايا الأخرى تلقائيًا.

فحجية النص داخل جماعة لا تثبت صحة كل تفسير يقدم باسمه.

كما أن امتلاك سلطة مؤسسية على التفسير لا يثبت صدق ذلك التفسير.

وقد تنشأ، ضمن شروط مخصوصة، جهات تحتكر تحديد المعنى المقبول، فيتحول الخلاف من مضمون النص إلى معيار مشروعية التأويل نفسه.

وهنا يصبح التكوين الدلالي متصلًا بالتكوين المؤسسي للسلطة المعرفية.

لكن احتكار التأويل ليس نتيجة لازمة لكل مرجعية مقدسة، بل احتمال يتطلب شروطًا مستقلة.

القسم التاسع

البرهان المركزي: متى تصير اللغة عالمًا؟

32. تحديد المطلوب إثباته

لا تسعى الدراسة إلى إثبات أن اللغة تخلق واقعًا فيزيائيًا بمجرد التلفظ.

ولا إلى إثبات أن كل استعمال لغوي ينتج مؤسسة.

ولا إلى إثبات أن كل استقرار دلالي يفضي إلى تجديد فعلي.

إنما تسعى إلى تحديد الشروط التي يمكن بموجبها أن تصبح انتظامات لغوية متحققة أصولًا فاعلة في إنتاج علاقات ووقائع لاحقة، ثم تدخل حصائلها في إعادة تنظيم النسق الذي أسهم في تكوينها.

ويُبنى البرهان في ست قضايا مترابطة تحليليًا، لا بوصفها مراحل زمنية.

القضية الأولى: التعيّن اللغوي

إذا تحقق انتظام من الفروق يؤدي وظائف تعيينية قابلة للتفسير والتصويب وإعادة التشغيل ضمن ممارسة، أمكن تحديده بوصفه نسقًا دلاليًا مستوفيًا للشروط الوظيفية الدنيا المعتمدة هنا.

ولا يلزم من ذلك أن كل نسق إشاري يحقق هذه الشروط، أو أن تحققها يفسر جميع خصائص اللغة البشرية.

النتيجة: لا تُشتق اللغة من العلائقية العامة وحدها، بل يتطلب تعيّنها شروطًا مخصوصة.

القضية الثانية: الاستقرار المرجعي

إذا اكتسب الانتظام الدلالي قابلية الاستمرار عبر اختلاف الاستعمالات، وأمكن إعادة التعرف إليه بوصفه انتظامًا واحدًا، تحقق استقرار مرجعي بالمعنى المحدد.

ولا يتطلب إثبات هذا الاستقرار إثبات فاعليته اللاحقة.

النتيجة: يمكن إثبات تحقق الاستقرار مستقلاً عن إثبات اكتسابه وظيفة الأصل التكويني.

القضية الثالثة: وظيفة الأصل

إذا أصبح استقرار متحقق شرطًا فاعلًا في إنتاج تعيينات وعلاقات جديدة، أمكن القول إنه اكتسب وظيفة الأصل داخل النسق.

ولا يعني «الأصل» هنا بداية تاريخية مطلقة، أو جوهرًا مستقلًا، أو سببًا أحادي الاتجاه.

النتيجة: وظيفة الأصل دعوى إضافية لا تُستنتج من مجرد تحقق الاستقرار.

القضية الرابعة: إعادة التنظيم

إذا دخل الاستقرار المرجعي في تعالقات تغير العلاقات التي تحدد وظائف النسق، أمكن أن تتحقق إعادة تنظيم دلالي.

ولا يكفي مجرد التكرار أو تغير الاستعمال لإثبات ذلك.

كما لا يكفي تحقق إعادة التنظيم لإثبات استقرار جديد.

النتيجة: إعادة التنظيم ممكنة، لكنها لا تساوي إعادة التكوّن.

القضية الخامسة: إعادة التكوّن

إذا نتج عن إعادة التنظيم انتظام جديد متمايز، واستوفى شروط الاستقرار، أمكن القول إن استقرارًا تكوينيًا جديدًا قد تحقق.

وإذا أصبح هذا الاستقرار الجديد شرطًا فاعلًا في تحقق لاحق، اكتسب بدوره وظيفة الأصل.

النتيجة: إعادة التكوّن ليست مرادفًا للتغير، بل تحقق مشروط لاستقرار جديد، يمكن أن يصبح أصلًا لتكوّن لاحق.

القضية السادسة: التكوين المؤسسي وإعادة التعالق

إذا دخلت الأفعال الدلالية في تعالقات تتضمن قواعد وصلاحيات واعترافًا وإجراءات وممارسات تسمح بإنشاء أو تعديل أو إنهاء أوضاع اجتماعية، أمكن أن تشارك اللغة في تكوين وقائع مؤسسية.

وإذا أصبحت هذه الوقائع المتحققة شروطًا لإعادة تنظيم بعض العلاقات اللغوية، أمكن تحقق فاعلية راجعة.

وإذا استوفت الحصيلة الجديدة شروط الاستقرار التكويني، أمكن بحث إعادة التكوّن.

النتيجة: يمكن أن تتحقق علاقة تكوينية متبادلة بين الانتظام اللغوي والانتظام المؤسسي، دون أن تكون أي حصيلة بعينها حتمية.

33. النتيجة المركزية

تسمح القضايا السابقة، ضمن شروطها، بالدفاع عن النتيجة التالية:

تصير اللغة عالمًا، بالمعنى الإبستمولوجي والمؤسسي المحدد، حين تصبح انتظاماتها التعالقية المستقرة أصولًا فاعلة في تكوين علاقات ووقائع إنسانية جديدة، وتعود هذه الحصائل لتدخل في شروط استمرارها وإعادة تنظيمها، مع إمكان تحقق استقرارات جديدة تصبح بدورها أصولًا لتكوّن لاحق.

ولا تعني هذه النتيجة أن العالم اللغوي منفصل عن العالم الفيزيائي.

كما لا تعني أن اللغة شرط كافٍ لجميع الوقائع الإنسانية.

إنها تحدد إمكان تحقق رتبة من الفاعلية العلائقية لا تُفسَّر وظائفها بالاكتفاء بالخصائص الفيزيائية لحواملها أو بالمقاصد الفردية للمتكلمين.

لكن يجب التمييز بين مستويين من هذه النتيجة.

فإمكان التكوين المؤسسي والفاعلية الراجعة قابل للدفاع عنه بواسطة تحليل الممارسات والمؤسسات المعروفة.

أما إثبات أن هذه البنية مشتقة تحديدًا من جميع مقتضيات القانون العام للتكوّن، فهو ادعاء أقوى، لا يكتمل بمجرد تحقق النتيجة الأولى.

وهذا الفصل يمنع استخدام نجاح التفسير المؤسسي دليلًا دائريًا على صحة القانون.

القسم العاشر

الاختبارات المنطقية والبدائل التفسيرية

34. اختبار عدم اللزوم

يمكن أن يوجد معنى مستقر دون مؤسسة.

ويمكن أن يتحقق تأثير راجع دون إعادة تنظيم.

ويمكن أن تتحقق إعادة تنظيم دون استقرار جديد.

ويمكن أن يحدث تخييل دون تقدم معرفي سابق قابل للقياس.

ويمكن أن يكون التعبير مؤثرًا رغم خطئه.

ويمكن أن توجد مؤسسة دون موافقة جميع المتأثرين بها.

وتبين هذه الحالات أن كثيرًا من العلاقات التي تتناولها الدراسة علاقات إمكان مشروط، لا علاقات لزوم مطلق.

35. اختبار الشرط الكافي

لا يكفي وجود معنى مستقر لإثبات مؤسسة.

ولا يكفي تغير الاستعمال لإثبات إعادة تنظيم.

ولا يكفي تحقق إعادة تنظيم لإثبات استقرار جديد.

ولا يكفي استمرار انتظام لإثبات أنه أصبح أصلًا فاعلًا.

ولا يكفي وجود نص مرجعي لإثبات احتكار التأويل.

وهذه الاختبارات تمنع توسيع النتائج خارج الشروط التي تسمح بها مقدماتها.

36. اختبار البدائل المنافسة

يمكن لنظريات الأفعال الكلامية أن تفسر بعض الآثار المؤسسية للتلفظ.

ويمكن للتداولية الاستدلالية أن تفسر جوانب من المعنى والالتزام المعياري.

ويمكن لنظريات المجاز أن تفسر إعادة التنظيم الدلالي.

كما يمكن للأنطولوجيا الاجتماعية أن تفسر بعض شروط قيام المؤسسات واستمرارها.

ومن ثم لا يكفي إثبات الظواهر نفسها لإثبات ضرورة الإطار التكويني.

بل ينبغي تحديد ما إذا كان القانون العام يضيف تفسيرًا لا توفره هذه النظريات بالدرجة نفسها.

وقد تتمثل الإضافة في تحديد شرط جديد، أو كشف علاقة لزوم، أو التمييز بين حالات تبدو متشابهة، أو تقديم توقع مشروط قابل للفحص.

أما مجرد إعادة تسمية الظواهر فلا يثبت أصالة اشتقاقية.

37. اختبار الدائرية

ينبغي أن تُفحص كل خطوة اشتقاقية بالسؤال:

هل استعملنا في المقدمات ما نريد إثباته في النتيجة؟

فإذا عرّفنا الاستقرار بفاعليته في إنتاج انتظام جديد، ثم استنتجنا من تحقق الاستقرار وجود هذه الفاعلية، وقعنا في الدور.

وإذا عرّفنا اللغة بالدلالة، ثم استنتجنا نشوء الدلالة من وجود اللغة، وقعنا في الدور.

وإذا افترضنا انطباق القانون العام على اللغة، ثم استعملنا الظواهر اللغوية لإثبات صحة القانون، وقعنا في الدور.

ومن ثم يجب أن تكون شروط التعيين والاستقرار ووظيفة الأصل قابلة للفصل المنطقي، حتى عندما تتداخل في التحقق الفعلي.

القسم الحادي عشر

حدود البرهان وموقع الأصالة

38. ما الذي ثبت في حدود الدراسة؟

يمكن الدفاع عن أن اللغة، ضمن شروط مخصوصة، تشارك في تكوين بعض الوقائع المؤسسية.

ويمكن الدفاع عن أن الحصائل المؤسسية قد تعود لتؤثر في شروط استعمال اللغة وتفسيرها.

كما يمكن تحديد الفرق بين التأثير الراجع وإعادة التنظيم وتحقق استقرار جديد.

لكن هذه النتائج لا تثبت وحدها جميع مقتضيات القانون العام.

ولا تثبت أن كل تعيين لغوي للجريان أو الإجهاد أو التغاير أو الاستقطاب تعيين ضروري.

كما لا تثبت تعيّن الفائض والفجوة في كل حالة لغوية مدروسة.

39. ما الذي لم يثبت؟

لا تثبت الدراسة المنشأ التاريخي الأول للغة.

ولا تشتق البنية العصبية أو العضوية اللازمة لها.

ولا تستخرج نحو لغة بعينها من القانون العام.

ولا تفسر تاريخ مؤسسة محددة دون أدلة مستقلة.

ولا تثبت أن الفجوة التكوينية قابلة للقياس بواسطة عدد المعاني أو الاستعمالات.

ولا تثبت أن جميع الفنون نشأت تعويضًا عن العجز.

ولا تثبت أن كل نص مرجعي ينتج احتكارًا للتفسير.

كما أن اتساق الدراسة مع القانون العام لا يثبت صحة القانون نفسه بصورة مستقلة.

هذه الحدود ليست نواقص تحريرية يمكن تجاوزها بتشديد اللغة، بل فروق معرفية يجب الحفاظ عليها.

40. موضع الأصالة

لا تدعي الدراسة اكتشاف أن المعنى يتأثر بالاستعمال، أو أن الألفاظ قد تؤدي أفعالًا، أو أن المجاز يعيد تنظيم الفهم، أو أن المؤسسات تعتمد على علاقات الاعتراف والصلاحية.

فهذه مسائل تناولتها أدبيات فلسفية ومعرفية واسعة.

إنما تقع دعواها الخاصة في محاولة إعادة بناء هذه الظواهر ضمن سؤال تكويني واحد:

كيف يمكن لاستقرار لغوي متحقق أن يصبح أصلًا استقراريًا متمركزًا ممتدًا، يعيد بناء النسق، ويكتسب قابلية المشاركة في تكوين علاقات ووقائع جديدة، دون أن تتحدد حصائله مسبقًا؟

وتظل أصالة الإجابة مشروطة بقدرتها على إثبات الوظيفة الاستدلالية لمقتضيات القانون العام، لا بمجرد إدراج الظواهر تحت مصطلحاته.

الخاتمة

العالم اللغوي: واقع متكوّن لا واقع بديل

لم يكن المطلوب من هذه الدراسة الاختيار بين تصورين: لغة تعكس العالم كما هو، ولغة تصنع عالمًا منفصلًا عنه.

فكلا التصورين يفترض فصلًا مسبقًا بين اللغة والواقع، ثم يحاول تحديد اتجاه العلاقة بينهما.

أما السؤال التكويني فيتعلق بشروط تحقق نسق تصبح علاقاته المستقرة قادرة على الدخول في تكوين علاقات ووقائع لاحقة.

وقد بينت الدراسة أن اللغة لا تُعرَّف بمجرد إحلال العلامة محل الموضوع، بل من خلال انتظامات دلالية قابلة للتمييز وإعادة التعيين والتفسير والتصويب والتداول وإعادة التشغيل.

وحين يصبح الانتظام الدلالي المتحقق مرجعًا فاعلًا في إنتاج علاقات جديدة، يمكن أن يكتسب وظيفة الأصل الاستقراري داخل النسق.

لكن لا يكفي مجرد التكرار أو التغير لإثبات إعادة التكوّن.

فقد يتحقق تأثير راجع دون إعادة تنظيم، وقد تتحقق إعادة تنظيم دون استقرار جديد.

ولا يصح الانتقال إلى دعوى تحقق أصل تكويني جديد إلا حين يمكن تحديد انتظام متمايز، وشروط استقراره، وفاعليته في إنتاج علاقات لاحقة.

كما ظهر أن المجاز والتخييل والشعر أنماط مخصوصة من إعادة تنظيم العلاقات الدلالية، لا مراحل واجبة في تاريخ اللغة.

وأن التكوين المؤسسي يتطلب شروطًا تتجاوز الاستقرار الدلالي، وأن اللغة قد تشارك في إنشاء وقائع اجتماعية حين تدخل في تعالقات الصلاحية والاعتراف والإجراء والممارسة.

وفي هذه الحالات لا تكون اللغة مجرد وصف لواقع سابق، بل تصبح أحد الشروط التي يتحدد ضمنها وجود بعض الوقائع الإنسانية ووظائفها.

لكن هذه الفاعلية لا تجعل اللغة مستقلة عن العالم الفيزيائي، ولا تجعلها قادرة على خلق الوقائع المادية بمجرد التلفظ.

فالعالم اللغوي ليس عالمًا ثانيًا قائمًا إلى جوار العالم الأول.

إنه رتبة مخصوصة من التكوّن الإنساني، تتحقق فيها انتظامات وعلاقات ذات آثار لا تُستخلص من الخصائص الفيزيائية لحواملها وحدها.

ويبلغ هذا التكوين مستوى أكثر تعقيدًا حين تصبح الحصائل اللغوية والمؤسسية نفسها مراجع تعيد تنظيم شروط الاستعمال والتفسير والممارسة.

وهنا لا تعود العلاقة بين اللغة والواقع الإنساني علاقة وصف أحادي الاتجاه، بل علاقة تكوينية متبادلة.

غير أن هذه النتيجة لا تبرر إلغاء الفرق بين الواقع والتمثيل، أو بين الاستقرار والصدق، أو بين المرجعية وصحة التأويل، أو بين الإمكان والضرورة.

بل إن الحفاظ على هذه الفروق هو ما يمنح الأطروحة قيمتها الإبستمولوجية.

ومن ثم يمكن تثبيت النتيجة النهائية:

اللغة لا تصير عالمًا لأنها تستبدل الواقع، بل لأنها قد تصبح، ضمن شروط مخصوصة، نسقًا من العلاقات المتحققة التي تدخل في تكوين علاقات ووقائع إنسانية جديدة، وتعود حصائلها لتشارك في إعادة تنظيم النسق الذي أسهم في إنتاجها.

وهذا لا يثبت حتمية ظهور اللغة، ولا حتمية أي حصيلة من حصائلها، ولا صحة القانون العام إثباتًا مستقلًا.

إنما يحدد موضع اشتقاقها الممكن من القانون الواحد، ويبين الشروط التي ينبغي استكمال البرهان عليها حتى يتحول التفسير التكويني من إطار مفهومي متسق إلى نظرية اشتقاقية ذات إضافة معرفية مستقلة.

فاللغة لا تنشئ عالمًا آخر خارج الواقع؛ إنها قد تصبح أحد الأنساق التي يتكوّن بها واقع الإنسان نفسه.

المراجع الأكاديمية

Austin, J. L. (1975). How to Do Things with Words (2nd ed.). Oxford University Press. https://global.oup.com/academic/product/how-to-do-things-with-words-9780198245537;

Brandom, R. B. (1994). Making It Explicit: Reasoning, Representing, and Discursive Commitment. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674543300;

Davidson, D. (1978). What Metaphors Mean. Critical Inquiry, 5(1), 31–47. https://doi.org/10.1086/447971;

Fauconnier, G., & Turner, M. (2002). The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities. Basic Books. https://books.google.com/books?q=Fauconnier+Turner+The+Way+We+Think;

Fricker, M. (2007). Epistemic Injustice: Power and the Ethics of Knowing. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780198237907.001.0001;

Goodman, N. (1978). Ways of Worldmaking. Hackett Publishing. https://books.google.com/books?q=Nelson+Goodman+Ways+of+Worldmaking;

Hacking, I. (1996). The Looping Effects of Human Kinds. In D. Sperber, D. Premack, & A. J. Premack (Eds.), Causal Cognition: A Multidisciplinary Debate (pp. 351–394). Oxford University Press. https://scholar.google.com/scholar?q=Ian+Hacking+The+Looping+Effects+of+Human+Kinds+1996;

Ricœur, P. (1977). The Rule of Metaphor: Multi-disciplinary Studies of the Creation of Meaning in Language. University of Toronto Press. https://books.google.com/books?q=Paul+Ricoeur+The+Rule+of+Metaphor+1977;

Searle, J. R. (1995). The Construction of Social Reality. Free Press. https://books.google.com/books?q=John+Searle+The+Construction+of+Social+Reality;

Searle, J. R. (2006). Social Ontology: Some Basic Principles. Anthropological Theory, 6(1), 12–29. https://doi.org/10.1177/1463499606061731;

Tomasello, M. (2008). Origins of Human Communication. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262701312/origins-of-human-communication/;

Winner, E. (2018). How Art Works: A Psychological Exploration. Oxford University Press. https://global.oup.com/academic/product/how-art-works-9780190863357;



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- احتكار تكوين المجتمع كيف تتحول سلطة تفسير الدين إلى سلطة تحد ...
- المرأة: المتن المؤسِّس للدولة العقدية قراءة في السيادة بالخض ...
- السيادة بالخضوع والاكتمال بالانتماء البنية التكوينية للمعتقد ...
- انفجار العجز وتعويض الفجوة نحو نظرية تكوينية للفن في دينامية ...
- حين يفشل الصراع في إنتاج دولة: قراءة في البنية والزمن معًا
- المأزق العميق للدولة الحديثة من أزمة الدولة إلى أزمة الطور ا ...
- لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك ...
- إيران بعد الحرب: هل دخل الحرس الثوري لحظة “صفوان غير المكتمل ...
- الأحلام المضيّعة بوصفها انهيارًا في تنظيم الفجوة نحو قراءة إ ...
- الخليج لا يعلن الحرب… بل يثبّت الشروط التي سيُسمح ضمنها للنه ...
- إيران بين ازدواجية القرار وحدّ التحول البنيوي: قراءة مُحكَمة
- الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال ت ...
- الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع ...
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...


المزيد.....




- الحرس الثوري يعلن انفجار واحتراق 3 ناقلات نفط بمضيق هرمز.. و ...
- القوات المسلحة الإيرانية تعلن فشل الضغوط الأمريكية وتؤكد أن ...
- حريق بناقلة نفط في مياه عمان
- إعلام: قتلى وإصابة باشتباكات في مخيم صبرا وشاتيلا
- -حزب الله-: الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية لن تغيّر مواقف ...
- بيان مدارس الرياض لأولياء الأمور بعد تفعيل خطط الإغلاق الآمن ...
- زاخاروفا: ملجأ ماكرون السري لحمايته من مواطنيه وليس من تهديد ...
- انقطاع الكهرباء الخارجية عن محطة زابورجيه النووية
- كاتس يؤكد أن المهمة مع إيران لم تنته ويدعو للوحدة والاستعداد ...
- الإكوادور.. حرب خفية


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - حين تصير اللغة عالمًا اشتقاق إبستمولوجي لشروط التكوّن اللغوي وفاعليته في تكوين الواقع الإنساني دراسة في ضوء نظرية «التكوّن»