أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك إبستمولوجي لموقع الفاعل داخل بنية السلطة














المزيد.....

لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك إبستمولوجي لموقع الفاعل داخل بنية السلطة


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 14:04
المحور: قضايا ثقافية
    


تمهيد: حين ينهار السؤال الأخلاقي

يُقدَّم “الاستبداد” في الخطاب العام بوصفه موضوعًا أخلاقيًا بديهيًا: إمّا أن نرفضه بوصفه شرًا، أو نقبله تحت ذرائع الضرورة. غير أنّ هذه الثنائية تخفي افتراضًا لم يُفحَص بما يكفي: أنّ الإنسان يمتلك أصلًا موقفًا مستقلًا من الاستبداد.

المشكلة أنّ هذا الافتراض ذاته غير مُبرهَن. بل إنّ تتبّع السلوك الفعلي، فرديًا وجماعيًا، يكشف انزلاقًا متكررًا: ما يُعلن بوصفه رفضًا مبدئيًا للاستبداد يتبدّل—غالبًا بسرعة لافتة—حال تغيّر موقع الفاعل داخل علاقات القوة.

ليس الأمر نفاقًا، ولا تناقضًا نفسيًا عابرًا. إنّه خلل في موضع السؤال ذاته.



1) من “موقف من الاستبداد” إلى “موضع داخل بنية”

الخطأ المنهجي الشائع هو التعامل مع الاستبداد كموضوع خارجي تُتَّخذ حياله مواقف. بينما الأجدر هو قلب زاوية النظر:

ليس السؤال: ما موقف الإنسان من الاستبداد؟
بل: أين يقع الإنسان داخل البنية التي نسمّيها استبدادًا؟

بهذا التحويل، يتبدّل موضوع التحليل من قيمة أخلاقية إلى علاقة تموضع. فالفرد لا يقف خارج شبكة السلطة ليحكم عليها، بل يوجد دائمًا داخلها—في موضع ما منها.



2) الأطروحة: الموقف دالة في الموضع

ما نسمّيه “موقفًا” من الاستبداد ليس حكمًا مستقلًا، بل مخرج يتحدد بموضع الفاعل داخل علاقات القوة.

حين يكون الفرد في موقع خضوع، يظهر “رفض الاستبداد” بوصفه استجابة مباشرة للضغط الواقع عليه.
وحين ينتقل إلى موقع قدرة أو تحكّم، يتلاشى هذا الرفض أو ينقلب إلى تبرير أو إعادة صياغة.

بعبارة أدق: لا يتغير “الموقف” لأنّ القيم تبدّلت، بل لأنّ الموضع تغيّر.



3) ما الذي ينهار هنا؟

بهذه القراءة، تنهار ثلاثة تصورات شائعة:

* وهم الرفض الأخلاقي الخالص: إذ يتبيّن أن الرفض ليس قيمة مستقلة، بل أثر موضعي.
* وهم حبّ السلطة: فلا يوجد “حب” بسيط، بل تموضع يتيح الفعل بدل الانفعال.
* وهم التناقض أو النفاق: إذ لا يوجد تناقض إذا كان ما نراه “موقفًا” يتبدّل بتبدّل الموضع.



4) ما الذي يُرفَض فعلاً؟

إذا أُعيد ضبط السؤال بدقة، تتبدّى النتيجة الحاسمة:

ما يُرفَض ليس الاستبداد بوصفه بنية، بل الانضغاط داخلها.

الإنسان لا يرفض أن توجد علاقات قوة، بل يرفض أن يكون هو موضوعها.
ومن هنا، فإن ما نسمّيه “رفض الاستبداد” ليس موقفًا من البنية ذاتها، بل رفضٌ للموضع الأدنى داخلها.



5) إعادة قراءة التحرّر

تترتب على ذلك نتيجة غير مريحة:

ما يُسمّى “تحرّرًا من الاستبداد” ليس خروجًا من هذه البنية، بل إعادة توزيع لمواضعها.

ولهذا تتكرر ظاهرة معروفة تاريخيًا: قوى تُسقط استبدادًا لتعيد إنتاجه بأشكال أخرى، لأنّ ما تغيّر هو مواقع الفاعلين داخل البنية، لا منطقها العميق.



6) من الأخلاق إلى الإبستمولوجيا

بهذا المعنى، لا يعود الاستبداد قضية أخلاقية فحسب، بل يصبح مسألة إبستمولوجية:

كيف تتشكّل “المواقف”؟
وهل يمكن أن تكون مستقلة عن الشروط التي تولّدها؟

الإجابة التي تقترحها هذه القراءة واضحة:
لا وجود لموقف خارج شروط إنتاجه البنيوية.



7) هل يمكن الخروج من البنية؟

إذا كان “الموقف” دالة في الموضع، فهل يعني ذلك استحالة الخروج من منطق الاستبداد؟

ليس تمامًا.

ما يمكن كسره ليس البنية بوصفها شبكة علاقات قوة—إذ لا وجود لفضاء خارجها—بل آلية التماهي الصامت مع الموضع داخلها.

بعبارة أدق:
التحرّر لا يبدأ بتغيير الموقع، بل بإدراك أنّ الموقع نفسه ليس معطًى طبيعيًا، بل نتيجة قابلة لإعادة التشكيل.

هنا يظهر شرط إمكان مختلف:

* ليس أن يخرج الإنسان من علاقات القوة
* بل أن يصبح واعيًا بكون “موقفه” نفسه نتاجًا لها

هذا الوعي لا يحرّره مباشرة، لكنه يفتح فجوة داخل التماهي، تسمح بإعادة تنظيم العلاقة مع الموضع بدل الانقياد التلقائي له.

ومن داخل هذه الفجوة فقط يمكن أن يظهر نمط مختلف من الفعل:
ليس إعادة إنتاج للاستبداد، ولا مجرد انقلاب في المواقع، بل محاولة لتفكيك شروط إنتاجهما معًا.



خاتمة: تفكيك الوهم

العبارة التي تبدو للوهلة الأولى تبسيطية—

“البشر لا يكرهون الاستبداد، بل يكرهون أن يُستبدّ بهم”

—تخفي أطروحة أعمق:

لا يمتلك الإنسان موقفًا من الاستبداد خارج تموضعه داخله.

وهذا لا يبرّر الاستبداد ولا يشرعنه، بل يضع شرطًا أوليًا لنقده:
أن يُفهم بوصفه علاقةً بنيوية نوجد داخلها، لا موضوعاً خارجيًا نحكم عليه من خارجه.

الاستبداد ليس موضوعًا خارجنا لنحكم عليه،
بل بنية نتموضع داخلها؛
ومن هذا التموضع فقط يصدر ما نسمّيه نقدًا.

لكن هذا التموضع ليس قدرًا صامتًا.

فحين يُدرك بوصفه بناءً—لا طبيعة—
تنفتح إمكانية نادرة:

أن لا يكون “الرفض” مجرد صدى للموضع،
بل بداية وعيٍ يعيد تشكيله.

ومن دون هذا الوعي،
سيبقى الرفض انعكاسًا، لا تجاوزًا.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بعد الحرب: هل دخل الحرس الثوري لحظة “صفوان غير المكتمل ...
- الأحلام المضيّعة بوصفها انهيارًا في تنظيم الفجوة نحو قراءة إ ...
- الخليج لا يعلن الحرب… بل يثبّت الشروط التي سيُسمح ضمنها للنه ...
- إيران بين ازدواجية القرار وحدّ التحول البنيوي: قراءة مُحكَمة
- الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال ت ...
- الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع ...
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- بعد لقاء الشرع.. جمال سليمان يؤكد مجددا على ثوابته كمواطن سو ...
- إعلام إيراني ينشر -شروط طهران الخمسة- لإنهاء الحرب مع أمريكا ...
- نداء إلى أعضاء مجلس النواب لرفض مد الدورة النقابية
- بوتين يفتح باب الجنسية الروسية أمام سكان ترانسنيستريا.. ومول ...
- ترامب يلمح للتصعيد العسكري مع إيران وغيرالد فورد تعود للولاي ...
- وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان يزور الجزائر الإثنين
- كأس الاتحاد الأفريقي: اتحاد العاصمة بطلا للمرة الثانية بعد ف ...
- تشابي ألونسو مدربا جديدا لنادي تشيلسي
- بين الاغتيالات ورسائل النار.. غزة تواجه تصعيداً إسرائيلياً ج ...
- بذكرى النكبة.. مظاهرة في باريس تضامنا مع الشعب الفلسطيني


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك إبستمولوجي لموقع الفاعل داخل بنية السلطة