أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوينية للوعي الديني بين الشرق والغرب (من القرن الأوّل حتى الانقسام الكبير سنة 1054)















المزيد.....



الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوينية للوعي الديني بين الشرق والغرب (من القرن الأوّل حتى الانقسام الكبير سنة 1054)


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:29
المحور: قضايا ثقافية
    


الخضوعية والخلاصية
دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوينية للوعي الديني بين الشرق والغرب
(من القرن الأوّل حتى الانقسام الكبير سنة 1054)

إعداد الباحث
قصي مسلط الهويدي
Qussai Muslat Al-Hwaidi

باحث في الفلسفة والإبستمولوجيا
ألمانيا

تاريخ الإنجاز: نوفمبر / تشرين الثاني 2025



Submissivity and Soteriology
An Epistemological–Axiological Study of the Formative Structure of Religious Consciousness between East and West (1st Century–1054 CE)

Prepared by
Qussai Muslat Al-Hwaidi
Researcher in Philosophy and Epistemology
Berlin, Germany

Date of Completion: November 2025



بيان الغلاف الأكاديمي
هذا البحث الأكاديمي يُقدَّم بوصفه دراسة إبستمولوجية مقارنة ضمن مشروع «العقل المكوَّن» الذي يطوّره الباحث،
ويقع في ثلاثٍ وعشرين صفحةٍ موزّعةٍ على تمهيدٍ، وتحليلٍ تاريخي–معرفي، وبنيةٍ مصفوفيةٍ ختامية، وملحقٍ بالمراجع.
جميع الإحالات والمصادر موثّقة وفق نظام شيكاغو (الطبعة 17، نظام المؤلف–التاريخ).



المقدّمة: الإطار الإبستمولوجي وموقع الثنائية في تاريخ الوعي

تقوم هذه الدراسة على تحليل ثنائية الخضوعية والخلاصية في الفكر الديني الإبراهيمي، لا بوصفها مجرّد اختلافٍ عقدي، بل باعتبارها انقسامًا إبستمولوجيًا وقيميًا في بنية إدراك الإنسان للعالم والمطلق.
فالخضوعية تمثّل نمطًا في المعرفة يقوم على المشاركة في الوجود الحقّ؛ إذ يُدرِك الإنسان الحقيقة من داخل انتظامها، بينما تنبني الخلاصية على تجاوز الوجود نحو مثالٍ مفارقٍ، فتغدو المعرفة فعلَ خلاصٍ من العالم لا انغماسٍ فيه.
بهذا المعنى، تتقابل المنظومتان بوصفهما صورتين متقابلتين للوعي الديني:
إحداهما تشدّ الإنسان إلى الحضور الكوني (الشرق)، والأخرى تدفعه إلى الانفصال الميتافيزيقي (الغرب) (Eliade 1959, 33–36؛ Jonas 1963, 42).

الغاية من البحث هي الكشف عن المنطق التكويني الذي قاد إلى هذا الانقسام؛
أي كيف تحوّل الإدراك من المشاركة في الوجود إلى محاولة تبريره، ومن الحضور الكوني إلى الخلاص الفردي.
ولا يُقارب ذلك عبر النصوص العقدية فحسب، بل عبر ما يُسمّى هنا بـ«الذهنية اللاهوتية»؛ أي المنظومة الإدراكية التي صاغت العقيدة وأنتجت قيمها المركزية.
فالمسألة ليست ماذا آمن الإنسان؟ بل كيف تشكّل وعيه بالإيمان؟
وهنا يُصبح التحليل الإبستمولوجي–القيمي أداةً لقراءة تاريخ الفكر الديني كبنيةٍ منطقيةٍ للمعرفة، لا كجدلٍ لاهوتيٍّ حول الحقائق الإيمانية (Bachelard 1938, 9–12؛ Fakhry 1975, 61–63).

يقتصر المدى الزمني للتحليل على الحقبة التأسيسية الممتدة من القرن الأوّل الميلادي حتى الانقسام الكبير سنة 1054،
إذ تمثّل هذه المرحلة بنية التكوّن الأولى للوعي المسيحي في فرعيه الشرقي والغربي.
وفيها تبلورت ملامح الخضوع الشرقي كمعرفةٍ بالحضور والمشاركة،
مقابل الخلاص الغربي كمعرفةٍ بالتبرير القانوني والانفصال الأخلاقي.
ولا تُعالج الدراسة العقيدة في ذاتها، بل المستوى المعرفي الذي أنتجها،
بما يتيح تفسير الانقسام لا كحادثةٍ تاريخيةٍ بل كبنيةٍ إدراكيةٍ تتجاوز اللاهوت نفسه (Tillich 1957, 88–90).

منهجيًا، تعتمد الورقة مقاربةً إبستمولوجية–تكوينية (Epistemologia Tekwiniyya)،
تقرأ الفكر الديني في ضوء البنية الإدراكية التي تولّد المعنى،
وتدمج التحليل المقارن بالتحليل البنيوي في إطارٍ واحدٍ يرصد التحوّلات لا النصوص.
فهي لا تدرس اللاهوت كمنظومة اعتقاد، بل كـ تجلٍ لمصفوفة إدراكية تاريخية تحكم علاقة الإنسان بالمقدّس وبالوجود معًا.
ومن هنا تنبثق فرضيتها المركزية: أنّ الخضوعية والخلاصية هما وجهان لتحوّلٍ واحدٍ في بنية الإدراك،
يمتدّ من الجذر الرافديني القديم حتى الفكر المسيحي الوسيط،
وأنّ تتبّع هذا التحوّل يكشف كيف تغيّر معنى الحقيقة ذاتها في مسار الوعي الإنساني (Gilson 1936, 214–219).


مربع التعاريف التشغيلية

الخضوعية (Epistemologia Participativa):
نموذجٌ إبستمولوجي تُنال فيه الحقيقة بالمشاركة التكوينية في انتظام الوجود/اللوغوس؛ المعرفة = تحوّل بنيوي في الوعي يُطابق «الطاقة» أو «الفعل» الكوني (energeia) لا مجرّد تصديقٍ قضوي (Lossky 1957 Meyendorff 1964).

الخلاصية (Epistemologia Iustificativa / Soteriologica):
نموذجٌ إبستمولوجي تُعرَّف فيه الحقيقة كمعيارٍ مفارقٍ يُنال بالنعمة والإيمان والتبرير؛ المعرفة = امتثال قضائي أو لاهوتي، والعقل يعمل تحت سلطة الوحي (Pelikan 1971–78 Aquinas Summa Theologica).

الإبستمولوجيا التكوينية (Formative Epistemology):
تصوّر للمعرفة بوصفها فعل تكوينٍ وإعادة خلقٍ للمعنى داخل الوعي؛ يَسبق اللغة ويُنتجها ويستمدّ جذره الشرقي من تمييز «الجوهر/الطاقات» (essence/energies) (Bradshaw 2004).



الجذر الرافديني–الحرّاني وبنية الوعي الكوني

تبدأ البنية الإبستمولوجية للخضوعية من الجذر الرافديني، حيث تبلور الوعي الديني ضمن أفقٍ كونيٍّ لا يفصل بين المقدّس والعالم، بل يُدرِك الوجود كلّه كترتيبٍ واحدٍ تتجلّى فيه الآلهة بوصفها مبادئ للنظام الكوني، لا كذواتٍ متعاليةٍ خارجةٍ عنه (Jacobsen 1976, 180–184 Bottéro 1992, 37–39).
كان الإنسان الرافديني يرى أن انتظام الكون ليس نتيجة إرادةٍ إلهيةٍ مفارقة، بل مظهرٌ من مظاهر «ماهوية الوجود» ذاتها، أي أن الإله هو نظام الكينونة لا شخصٌ فوقها.
وعليه، كان الخضوع للإله خضوعًا للوُجود الحقّ ذاته، أي مواءمة الوعي مع انتظام العالم لا إذعانًا لإرادةٍ غيبيةٍ متقلبة (Kramer 1963, 54–58).

هذه الرؤية الوجودية هي التي مهّدت، عبر وسيطها الأخير في حرّان، لتأسيس نمطٍ معرفيٍّ خضوعيٍّ ميتافيزيقيٍّ متكامل.
فقد احتفظت حرّان، حتى القرون الأولى للميلاد، ببقايا مدارسها الفلكية–الأنطولوجية التي صاغت تصوّرًا كونيًا يقوم على التماثل بين انتظام الأفلاك والنظام العقلي الإنساني.
كان العقل عندهم صورةً من صور الكون، والمعرفة ليست استنباطًا من الخارج، بل مشاركةً في البنية الكونية (Pingree 1992, 15–17 Nasr 1964, 121–125).
ومن هنا تشكلت فكرة أن «العقل الكلي» و«العقل الإنساني» ليسا مبدأين منفصلين، بل مستويين من مستويات فعلٍ تكوينيٍّ واحد؛ فالمعرفة الحقّة تتحقق حين يتطابق انتظام الفكر مع انتظام الكون، أي حين يصبح الإدراك نفسه خضوعًا للعقل الكوني، لا فعل حكمٍ عليه.

تجسّدت هذه الفكرة في اللاهوت الفلكي الحرّاني، حيث كان التأمل في الكواكب والدوائر السماوية طريقًا إلى معرفة «المبدأ» لا بالاستدلال، بل بالاشتراك الوجودي.
لقد مثّلت الطقوس الفلكية هناك ممارسةً إبستمولوجيةً للاتحاد بالعقل الكوني، ولهذا يمكن القول إنّ المعرفة عند الحرّانيين فعل خضوعٍ تكوينيٍّ للوجود، لا خضوعٍ إراديٍّ لشخصٍ إلهيٍّ محدّد (Fakhry 1975, 67–69).
ومن هذا السياق، انتقلت البنية الإدراكية الخضوعية إلى المدارس الفلسفية في أنطاكية والإسكندرية والرها ونصيبين، حيث تحوّلت من رمزيةٍ طقسيةٍ إلى لغةٍ فلسفيةٍ تعقليةٍ تُصاغ فيها مفاهيم «اللوغوس» و«النوس» بوصفهما مبادئ تنظيمٍ كونيٍّ لا فاعلين شخصيين.

ومع أنّ حرّان احتفظت بتراثٍ فلكي–لاهوتي غنيّ، فإنّ ربط هذا التراث ربطًا سببيًا مباشرًا بتشكّل اللاهوت الإسكندري يبقى موضع تدقيقٍ تاريخي.
فالمصادر الأولية والثانوية تبيّن شبكة انتقالٍ أعقد: هرمنطيقات يونانية–مصرية، تقاليد هرمسية معرّبة لاحقًا، ومدارس سورية (الرها/نصيبين/أنطاكية) لعبت دور الوسيط، من غير أن يُحسَم مقدار الإسهام الحرّاني نصّيًا في كل مفصل.
لذا نعتمد هنا صياغةً تحذيرية: ثمة ترابطات محتملة موثّقة جزئيًا (رمزية فلكية → مفاهيم ميتافيزيقية)، لكنّ الخطوط السببية المباشرة لا تزال خلافية وتستلزم تمييزًا صارمًا بين «التماثل البنيوي» و«النقل النصّي» (Green 1992 van Bladel 2009).

دراسات تامارا غرين تقدّم أوثق مسحٍ ديني–ثقافي لحرّان، فيما يحلّل كيفن فان بلادل مسار تشكّل «الهرمسية العربية» وصلاتها الجدلية—أحيانًا المتخيّلة—بالحرّانيين؛ وعليه تُقدَّم دعوانا بوصفها «فرضية مُقعَّدة» لا تقريرًا قاطعًا (Green 1992 van Bladel 2009).


التحوّل الهيليني–الحرّاني وتكوّن الرؤية الإسكندرية–الأنطاكية

حين انتقل الوعي الرافديني–الحرّاني إلى المجال الهيليني، لم يتبدّل جوهره التكويني، بل اتّخذ لغةً فلسفيةً جديدة للتعبير عن البنية ذاتها.
فقد ورث الفكر اليوناني المتأخر، ولا سيما الأفلاطونية المحدثة، المفهوم الحرّاني للنظام الكوني بوصفه انتظامًا عقليًا، لكنه أضفى عليه بعدًا ميتافيزيقيًا جديدًا هو مفهوم اللوغوس باعتباره مبدأ التوسط بين الواحد والعالم (Plotinus, Enneads V.1–3 Armstrong 1966, 72–76).
في هذا الإطار صار الخضوع فعلًا عقلانيًا معرفيًا، لا طقسًا فلكيًا؛ أي اتّساق الفكر مع العقل الكوني الذي هو اللوغوس.
هكذا تحوّلت الخضوعية القديمة إلى خضوع معرفي–عقلي، يُعبَّر عنه بمصطلحات الفلسفة لا رموز الطقوس.

كانت الإسكندرية أول مركزٍ احتضن هذا التحوّل، حيث اندمج التراث الحرّاني–السوري–المصري مع الفكر الهيليني لتوليد صيغةٍ جديدةٍ من “الخضوع المعرفي” قوامها أنّ الحقيقة لا تُنال بالإيمان المجرّد، بل بالمشاركة في العقل الإلهي (participatio logoi) (Clement of Alexandria, Stromata V.12 Daniélou 1958, 42–45).
وغدا اللوغوس ليس مجرد كلمةٍ إلهيةٍ بل بنية تكوينية تربط الله بالعالم، والعقل الإنساني بالعقل الكوني.
فالخلاص، في هذه الرؤية، لم يكن انفصالًا عن العالم بل عودةً إلى انتظامه العقلي؛ ومن ثمّ تماهت المعرفة والخلاص في فعلٍ واحدٍ هو التحوّل في نمط الإدراك من الحسّي إلى العقلي.

أما أنطاكية، فقد مثّلت التيار الآخر في هذا المسار؛ إذ أكّدت على الجانب التاريخي–الإنساني للّوغوس، ورأت أنّ المشاركة لا تتمّ عبر الاتحاد الميتافيزيقي بل عبر التجسّد التاريخي، أي حضور اللوغوس في الزمن لا في العقول فحسب (Brown 1988, 91–93).
وبهذا حافظت المدرسة الأنطاكية على خضوعيةٍ معرفيةٍ تاريخية تُدرك الحقيقة في الحدث، لا في الفكرة، فيما ظلّت الإسكندرية تمثّل الخضوع العقلي الماورائي الذي يرى الحقيقة في البنية الكونية ذاتها.

لقد انقسمت الخضوعية الهيلينية–الحرّانية إذًا إلى قطبين تكوينيين:
أحدهما أنطولوجي عقلاني (الإسكندرية)، والآخر أنثروبولوجي تاريخي (أنطاكية)، وكلاهما ظلّ وفيًا للبنية الأولى التي ترى المعرفة اتحادًا بالوجود لا تجاوزًا له.
وهكذا تشكّل في القرون الثلاثة الأولى للميلاد ما يمكن تسميته بالمصفوفة الإبستمولوجية الشرقية، التي تضع المشاركة الوجودية أساسًا للحقيقة، وتجعل من الخضوع العقلي طريقًا للمعرفة (Origen, De Principiis II.11 Grillmeier 1975, 58–61).



البنية الإبستمولوجية للخضوعية الشرقية: أوريجن، أثناسيوس، الكبادوكيون

بلغت الخضوعية ذروتها المفهومية في المدرسة الإسكندرية مع أوريجن، الذي رأى أن معرفة الله لا تُنال بالإقرار أو الاعتراف، بل بالمشاركة الوجودية في اللوغوس، أي باتحاد الفكر الإنساني بالعقل الإلهي في حركةٍ تكوينيةٍ مستمرة (Origen, De Principiis II.11 Daniélou 1958, 77–79).
فالمعرفة ليست فعلًا تأمليًا بل فعل خلقٍ متبادلٍ بين الإله والعقل.
إنها ليست معرفة بالموضوع، بل تحوّل في الذات؛ فكلّ معرفة حقيقية هي خضوع الوعي لقانون الحقيقة، أي انخراط الكائن في مسار تكويني يجعله يشارك الوجود في انتظامه.
بهذا المعنى يصبح الخلاص ذاته فعلاً معرفيًا لا أخلاقيًا، لأن “النجاة” لا تتحقق بالتصديق بل بإعادة تشكيل البنية الإدراكية وفق انتظام اللوغوس.

تابع أثناسيوس هذا التصور، مضيفًا إليه بعدًا أنطولوجيًا أكثر وضوحًا: إذ رأى في التجسّد الإلهي ذروة الخضوع العقلي، فالله يتجسّد لا ليغيّر العالم من خارجه بل ليعيد انتظامه من داخله (De Incarnatione 3–4).
بذلك يصبح التجسّد حدثًا معرفيًا، لا واقعة لاهوتية فحسب، لأنّه يُظهر أن العلاقة بين الإله والعالم علاقة إعادة تكوينٍ مستمرٍ للوعي والوجود معًا.
ومن هنا تبرز السمة المميّزة للخضوعية الشرقية: أنّها تفكّر في الله كحركةٍ تكوينيةٍ في العالم، لا كفعلٍ خلاصٍ من العالم.
فالمعرفة هي مشاركة في فعل الخلق ذاته، أي أنّ العقل، بمعرفته، يُعيد العالم إلى انتظامه الأول، فيكون العارف خالقًا بالمعنى التكويني لا التشبيهي (Lossky 1957, 82–85).

عند الآباء الكبادوكيين (باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، غريغوريوس النزينزي)، تبلورت هذه الرؤية في صيغتها النهائية: المعرفة الحقّة ليست تملّكًا للموضوع، بل اشتراكًا في الطاقة الإلهية (energeia theia) التي تتجلّى في الكائنات.
فالإنسان لا “يعرف” الله بمعنى الإحاطة به، بل “يشترك” في حركته التكوينية التي تُبقي الوجود في حالٍ من الانفتاح الدائم (Gregory of Nyssa, De Vita Moysis II §163 Meyendorff 1964, 109–111).
وهكذا يصبح الخضوع الشرقي فعل انفتاحٍ معرفيٍّ مستمرٍّ، لا خضوعًا قانونيًا مغلقًا.
إنه خضوع للّوغوس بما هو قانون التكوين، لا بما هو سلطة.
فالمعرفة هنا ليست تسليمًا بل تحوّلًا تكوينيًا، أي فعل مشاركةٍ في خلق المعنى ذاته.
ومن هذا المنظور تتأسس الإبستمولوجيا الشرقية على مقولةٍ واحدة: أن الحقيقة لا تُعرف إلا بالمشاركة في صيرورتها.


النتيجة الإبستمولوجية للخضوعية: المعرفة بوصفها مشاركة وجودية

تُظهر البنية الفكرية التي أسّسها أوريجن وأثناسيوس والكبادوكيون أنّ المعرفة، في الوعي الشرقي، ليست نتاجًا لعملية عقلية منفصلة، بل فعل انخراط في الوجود الإلهي.
إنها ليست معرفة عن الله، بل معرفة في الله، أي دخول الوعي الإنساني في حركة التكوين المستمرة التي تحافظ على انتظام العالم.
فالعقل لا يكتشف الحقيقة كما يكتشف العالِم قانونًا طبيعيًا، بل يتعرّف عليها عبر تكوينه الداخلي بها؛ أي عندما يصبح الفكر نفسه صورةً للّوغوس.
وهنا ينقلب المنظور الكلاسيكي للمعرفة: فبدلًا من أن تكون الحقيقة موضوعًا للوعي، يصبح الوعي ذاته موضوعًا للحقيقة، أي أداة تجلّيها.
في هذا السياق، تغدو كل معرفةٍ فعلَ تطهيرٍ إدراكيٍّ، وكل فعل تطهيرٍ خطوةً نحو التوحّد بالعقل الكليّ (Lossky 1957, 88–91).

يعبّر غريغوريوس النيصصي عن هذه الرؤية بعبارةٍ شهيرة:
“من يقترب من الله، يزداد إدراكًا لعدم إدراكه” (De Vita Moysis II, 163).
وهذا يعني أن اكتمال المعرفة يتحقق في انفتاحها اللامحدود، لا في إغلاقها على اليقين.
إنها حركة لا نهائية نحو المطلق، حيث تتماهى المعرفة بالتقديس (theosis).
من هنا يمكن القول إن الخضوعية الشرقية لم تنتج نظرية في المعرفة بقدر ما أنتجت نسقًا في الوعي؛
نسقًا يقوم على التوازي بين الوجود والمعرفة والقيمة، بحيث تكون الحقيقة ما يُعاش، لا ما يُبرهَن عليه.
وهذا يفسّر ارتباط الفكر الشرقي، منذ بداياته، بالتجربة الروحية أكثر من الجدل العقلي، لأنّ التجربة ليست عنده انفعالًا وجدانيًا بل تحققًا معرفيًا للانتظام الكوني في الذات (Ware 1963, 94–97).

بهذا تتضح النتيجة الإبستمولوجية للخضوعية:
المعرفة تُنال عبر المشاركة الوجودية لا عبر الإقرار الإيماني،
والإيمان ليس قبولًا لقضيةٍ بل انخراطًا في حركة الكينونة،
والعقل ليس حاكمًا على الوجود بل أداة انكشافه.
فالخضوع هنا ليس موقفًا دينيًا بل بنية إدراكية تجعل من المعرفة فعلَ تكوينٍ دائمٍ للذات والعالم.
ولذلك يمكن القول إنّ الوعي الشرقي قد حافظ على استمرارية الجذر الرافديني في رؤيته للمعرفة كاتحادٍ تكوينيٍّ بين العقل والكون،
وهو ما سيُقابله الغرب لاحقًا بفصلٍ جذريٍّ بين المعرفة والخلاص، مؤسِّسًا بذلك للوعي الخلاصي الذي سيطبع اللاهوت اللاتيني لاحقًا.



من الخضوع إلى الخلاص: التحوّل الغربي وبذور الانقسام

حين انتقلت المسيحية إلى الغرب اللاتيني، دخلت في فضاءٍ إبستمولوجي مغاير تمامًا؛
فالموروث الروماني لم يكن قائمًا على المشاركة الوجودية، بل على المعيارية القانونية،
حيث تُقاس الحقيقة بقدرتها على الصدق والحكم، لا بالحضور والتكوين (Gilson 1936, 242–246 Pelikan 1971, 118–120).
في هذا الأفق بدأ الخضوع يفقد معناه الكوني، ويتحوّل إلى إذعانٍ إراديٍّ للسلطة الإلهية،
بينما صارت المعرفة فعلَ تصديقٍ لا فعلَ مشاركة.
فاللاهوت اللاتيني لم يفهم اللوغوس كقانون تكوينٍ للعقل، بل ككلمةٍ منطوقةٍ تُصدَّق،
وهكذا تحوّلت الحركة الوجودية الشرقية إلى بنية لغويةٍ قضائيةٍ تُعرّف الحقيقة بالقول الصحيح لا بالتحقّق الكوني (Augustine, De Trinitate XIII.3 Courcelle 1950, 211–214).

هذا التحوّل لا يمكن تفسيره بعواملٍ لاهوتيةٍ محضة؛
بل هو تحوّل في بنية الإدراك نفسها، حيث حلّ الفعل الخطابي محلّ الفعل التكويني.
ففي حين كان الشرق يرى في اللوغوس مبدأ الخلق الدائم،
صار الغرب يراه وسيطًا قضائيًا بين الله والإنسان؛
أي أن المعرفة لم تعد مشاركة في الكينونة بل وسيلةً للخلاص من الخطيئة (Ratzinger 1968, 37–40).
وهنا وُلدت الخلاصية بمعناها الإبستمولوجي:
أن الحقيقة تُنال لا بالحضور بل بالنعمة،
وأن المعرفة ليست انكشافًا للعقل بل تبريرٌ إلهيٌّ للجهل البشري.
إنها نقلة من gnosis إلى fides، من التجلي إلى التصديق،
ومن الانفتاح إلى الانغلاق المعياري.

في هذا السياق تبلورت المفاهيم الأساسية التي ستحدّد مسار الفكر الغربي:
الخطيئة، النعمة، الفداء، التبرير، والإيمان.
كلّها مفاهيم تنتمي إلى نظامٍ إبستمولوجيٍ جديدٍ يرى المعرفة كمنحةٍ إلهيةٍ لا كفعلٍ تكويني.
وبذلك تحوّلت البنية المعرفية إلى بنيةٍ خلاصيةٍ تحكمها الثنائية بين الله والعالم،
وبين الخالق والمخلوق،
وبين الإيمان والعقل،
في مقابل البنية الشرقية التي ظلّت تؤكّد على وحدتهما في نظامٍ كونيٍّ واحد (Pelikan 1971, 126–129).
إنها نقلة من الإبستمولوجيا التكوينية إلى الإبستمولوجيا القضائية،
حيث لم يعد الوعي يُنتج الحقيقة بل يُقاضى بها.


التكوّن اللاتيني للخلاصية: من أوغسطين إلى توما الأكويني

تُعدّ اللحظة الأوغسطينية نقطة الانعطاف المفصلية في تشكّل الخلاصية الغربية؛
ففي فكر أوغسطينوس، غدت المعرفة فعلًا روحيًا خالصًا، لا علاقة له بمشاركة الكائن في الوجود،
بل هي ثمرة نعمةٍ داخليةٍ يمنحها الله للنفس المخلوقة (Augustine, Confessiones X.12 De Trinitate XIV.15).
فالإنسان، عنده، لا يستطيع إدراك الحقيقة بذاته، لأنّ العقل مقيّدٌ بالخطيئة،
ولأنّ كل نورٍ معرفيٍّ هو إشراقٌ من lumen divinum، النور الإلهي الذي يتجاوز قدرات الإنسان الطبيعية.
هكذا انتقلت المعرفة من أن تكون فعلاً تكوينيًا إلى أن تصبح عطيةً لاهوتية،
ومن أن تكون حضورًا في الحقيقة إلى أن تكون خلاصًا منها.
وهذا هو جوهر التحوّل من الخضوعية إلى الخلاصية:
أن المعرفة لم تعد طريق الاتحاد، بل وسيلة الفداء (Gilson 1955, 211–215).

بذلك تغيّر أيضًا معنى اللوغوس نفسه؛
فلم يعد مبدأ انتظام الكون، بل الكلمة المتجسّدة التي خلّصت الإنسان من عجزه العقلي.
ومن هنا نشأت الفكرة المركزية في اللاهوت اللاتيني: أنّ الخلاص هو استعادة العلاقة المعرفية المفقودة بين الإنسان والإله عبر الإيمان.
فالجهل هنا ليس نقصًا في الفهم بل حالة سقوطٍ أنطولوجيٍّ، والمعرفة ليست تجاوزًا بل ترميمًا بالنعمة (Ratzinger 1968, 44–48).
وهكذا، غدت الخلاصية نظامًا معرفيًا كاملاً:
حقيقته لاهوتية، ومعياره إيماني، وغايته أخلاقية، وأداته العقل بوصفه وسيطًا تابعًا للوحي.

ثم جاء توما الأكويني ليربط هذه البنية الخلاصية بالنظام الأرسطي،
في محاولةٍ لتأسيس توازنٍ بين العقل والإيمان دون المساس بمرجعية الخلاص.
ففي تصوره، لا يمكن للعقل أن يبلغ الحقيقة الميتافيزيقية إلا بالوحي الذي يعلو عليه (Summa Theologica I, q.12, a.13).
وبهذا أعاد تعريف العقل بوصفه أداة خضوعٍ للّوغوس الإلهي لا مبدأ تكوينٍ للمعرفة.
لقد دمج الأكويني العقل الطبيعي في نظام النعمة، فأصبح العقل خاضعًا للوحي، والإبستمولوجيا خاضعةً للاهوت، والحقيقة خاضعةً للخلاص.
وبذلك تبلورت البنية اللاتينية للخلاصية: معرفةٌ تبريريةٌ تُستمدّ من فوق، في مقابل المعرفة التكوينية الشرقية التي تنبثق من الداخل (Pelikan 1978, 215–218).

بهذا الاكتمال الأوغسطيني–التومي، انفصلت المعرفة عن التكوين،
وصار الوعي الغربي يدور حول سؤال «كيف نُخلَّص؟» بدل «كيف نُكوَّن؟»،
لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الإبستمولوجي الديني،
سيُعرف لاحقًا باسم اللاهوت الخلاصي الغربي (Soteriological Theology).



التحوّل الإبستمولوجي الكامل: من المشاركة إلى التبرير

عند اكتمال النسق الأوغسطيني–التومي، كانت الخلاصية الغربية قد تحوّلت من عقيدةٍ إلى نظام معرفي مغلق، يحكم علاقة الإنسان بالحقيقة من خلال التبرير، لا التكوين.
فلم تعد المعرفة طريقًا إلى الاتحاد بالوجود، بل إجراءً لاهوتيًا لتبرئة الذات من الجهل والخطيئة.
بهذا، تبلورت القطيعة الكبرى بين الشرق الخضوعي والغرب الخلاصي،
حيث انفصل العقل عن الكينونة، والوجود عن المعنى،
وأصبح «الإيمان» المصدر الوحيد للمعرفة الموثوقة (Gilson 1955, 236–239 Pelikan 1971, 138–142).

في المقابل، استمر الشرق في النظر إلى الحقيقة كحركة تكوينية متجددة،
تتجاوز الإيمان نحو التحقق الوجودي باللوغوس،
بينما حوّل الغرب الإيمان إلى شرطٍ للمعرفة ذاتها.
ففي الرؤية اللاتينية، لا يمكن للإنسان أن يعرف إلا إذا أُنير بالنعمة،
ولا تُقاس صحة المعرفة إلا بمدى اتساقها مع العقيدة (Summa Theologica II–II, q.2, a.4).
وهكذا انتقل الوعي من المعرفة كاشتراك في الوجود إلى المعرفة كامتثال للوحي،
ومن التطابق مع الحقيقة إلى الطاعة للحقيقة.

هذا التحوّل لم يكن محضًا لاهوتيًا بل إبستمولوجيًا في جوهره؛
فهو أعاد تعريف العلاقة بين الذات والموضوع،
إذ أصبحت الذات مفعولًا للحقيقة لا فاعلًا فيها،
وأصبح الله مركزَ المعرفة الوحيد، بينما الإنسان مجرّد متلقٍّ سلبي.
وبذلك تكرّست الثنائية بين Creator وCreature بوصفها أساس كلّ نظامٍ معرفيٍّ لاحق في الغرب،
وهي الثنائية التي ستظل حاضرة حتى عصر ديكارت،
حين يحاول الفكر الحديث إعادة بناء الثقة بالعقل الإنساني المستقل،
لكن من داخل النموذج الخلاصي ذاته (Taylor 1989, 144–148).

من هذا المنظور، يمكن القول إنّ الانقسام بين الخضوعية والخلاصية ليس دينيًا فقط،
بل هو انقسام في طبيعة الوعي ذاته:
فالشرق ظلّ وفيًا لإبستمولوجيا المشاركة (Epistemologia Participativa)،
فيما تبنّى الغرب إبستمولوجيا التبرير (Epistemologia Iustificativa).
الأولى ترى المعرفة فعل تكوينٍ يربط العقل بالوجود،
والثانية تراها حكمًا مستندًا إلى سلطةٍ مفارقةٍ تعطي المعنى ولا تُنتجه.

لقد شكّل هذا التحوّل الأساس العميق للتمايز الحضاري اللاحق بين الشرق والغرب،
حيث تحوّل الفهم الشرقي للوجود إلى مسارٍ صوفي–تكويني،
بينما تشكّل الغرب على قاعدةٍ لاهوتيةٍ عقلانيةٍ،
تمهّد لولادة الفكر المعياري الحديث الذي سيستبدل الله بالقانون،
لكن يحتفظ بالبنية الخلاصية ذاتها في صورةٍ علمانية.


الانقسام الكبير (1054): التبلور النهائي للثنائية الإبستمولوجية

لم يكن الانقسام بين روما والقسطنطينية عام 1054 مجرّد حدثٍ كنسيٍّ أو خلافٍ حول العقائد،
بل كان، في عمقه، تعبيرًا عن اكتمال انقسامٍ إبستمولوجيٍّ وقيميٍّ بين نظامين للوعي.
فبينما ظلّ الشرق البيزنطي قائمًا على بنية المشاركة التكوينية التي ترى المعرفة فعلَ اتحادٍ باللوغوس،
كانت روما قد استكملت بناء منظومتها الخلاصية التي ترى المعرفة وسيلة تبريرٍ إيمانيٍّ أمام الله (Pelikan 1971, 149–152 Meyendorff 1964, 201–205).

في اللاهوت البيزنطي، بقي التجسّد حدثًا كونيًا مستمرًا،
يعبّر عن حضور الله في العالم وتجدّد الفعل التكويني في الوجود.
إنه ليس واقعةً تاريخيةً بل حركة وعيٍ دائمةٍ تربط الكائن بالخالق عبر الطاقة الإلهية غير المخلوقة (energeia theia) (Lossky 1957, 122–126).
أما في الغرب اللاتيني، فقد غدا التجسّد واقعةً فريدةً مكتملةً في الزمن،
تتخذ معناها من الصليب والفداء، لا من استمرار الفعل الكوني.
هكذا انفصل الله عن العالم معرفيًا، وصار الحضور الإلهي يُفهم في إطارٍ قانونيٍّ خلاصيٍّ،
لا في إطار المشاركة الوجودية.

يعبّر الخلاف حول انبثاق الروح القدس (Filioque) عن هذه القطيعة العميقة:
فالقول بانبثاقها من الآب والابن معًا لم يكن مجرّد مسألةٍ لغوية،
بل إعلانًا عن تغيّر في بنية العقل الغربي،
إذ غدت الحقيقة تُفهم داخل نسقٍ مغلقٍ للّاهوت،
لا كحركة تواصلٍ تكوينيٍّ مفتوحٍ بين الوجود والإله (Ware 1963, 144–147).
لقد كانت العقيدة الغربية تقول ضمنيًا إنّ الروح لا تنبثق في العالم، بل في الله وحده،
وهو ما يعني إقصاء العالم من الفعل الإلهي المباشر،
أي إقصاء التجربة التكوينية للمعرفة التي تمسّ الحضور الماورائي في المادة والزمن.

بهذا الانقسام، تحدّد المساران نهائيًا:
في الشرق، معرفة تكوينية خضوعية تُمارس بالحضور والمشاركة،
وفي الغرب، معرفة خلاصية تبريرية تُمارس بالإيمان والاعتراف.
الأولى إبستمولوجيا الوجود، والثانية إبستمولوجيا الخلاص؛
الأولى تجعل الإنسان شريكًا في خلق المعنى،
والثانية تجعله متلقيًا للنعمة التي تُعيده إلى الله.
ومنذ تلك اللحظة، صار الفكر الديني في الشرق والغرب يتطوّر ضمن بنيتين معرفيتين متقابلتين،
ستظلّان تتحكمان في مجمل تاريخ الفلسفة الدينية الأوروبية حتى العصور الحديثة.



الإبستمولوجيا التكوينية مقابل الإبستمولوجيا الخلاصية: تحليل بنيوي

يمكن تلخيص الفارق الجوهري بين النظامين الشرقي والغربي في المستوى الإبستمولوجي البنيوي لا اللاهوتي فقط.
ففي حين تنطلق الخضوعية من فرضية أن الوجود والعقل يشتركان في أصلٍ تكوينيٍّ واحد،
ترى الخلاصية أن العلاقة بينهما علاقة تباينٍ ميتافيزيقي؛
العقل مخلوق، والوجود مخلوق، والله وحده هو العلة الفاعلة العاقلة التي تُفيض عليهما المعنى (Gilson 1955, 245–248 Meyendorff 1964, 212–216).
وبذلك تتبدّل البنية الكاملة للمعرفة:
ففي الشرق، المعرفة فعل حضورٍ،
وفي الغرب، المعرفة فعل تبريرٍ.

في المنظور التكويني، الحقيقة لا تُستنتج بل تتكوّن؛
هي ناتج لتفاعلٍ دائمٍ بين الوعي والوجود،
ولذلك فالمعرفة عند أوريجن أو غريغوريوس النيصصي هي تجربة صيرورةٍ (metabole gnoseos)،
أي انتقالٌ مستمرٌّ من الجهل إلى الانفتاح،
من الجزئي إلى الكلي،
ومن الظاهر إلى الحضور (Lossky 1957, 131–134).
أما في المنظور الخلاصي، فالحقيقة مكتملةٌ مفارقةٌ،
يُدركها الإنسان إما بوحيٍ مباشر أو بتصديقٍ إيماني،
وتُقاس صحتها بمدى تطابقها مع العقيدة، لا بقدرتها على تكوين الوعي (Summa Theologica I, q.16, a.2).

في الإبستمولوجيا التكوينية، المعرفة مرتبطة بفعل الوجود،
لأنّ العقل يُنظر إليه كوظيفةٍ كونيةٍ داخل النسق الكلي،
ولذلك فإنّ كلّ معرفةٍ هي إعادة خلقٍ للعالم داخل الوعي.
أما في الإبستمولوجيا الخلاصية، فالمعرفة منفصلةٌ عن الوجود؛
تُعرّف بأنها انعكاسٌ لموضوعٍ ثابتٍ خارجي،
ولا تمتلك قدرةً على إعادة تشكيل العالم،
بل وظيفتها الحكم عليه وتمييز الحقّ من الباطل وفق المعيار اللاهوتي.

هكذا تتجلّى المفارقة الكبرى:
أنّ الخضوعية، رغم اسمها، أكثر انفتاحًا وخلقًا للعقل،
في حين أن الخلاصية، رغم طابعها التبريري، أكثر انغلاقًا وتحكّمًا بالمعرفة.
فالخضوع في الإبستمولوجيا التكوينية ليس إذعانًا بل توافقًا بنيويًا مع انتظام الوجود،
والخلاص في الإبستمولوجيا اللاتينية ليس انعتاقًا بل خضوعٌ إراديٌّ للسلطة اللاهوتية.
بهذا المعنى، يتحوّل الخضوع الشرقي إلى حرية معرفية داخل النظام الكوني،
بينما يتحوّل الخلاص الغربي إلى نظامٍ معرفيٍ مؤسسيٍ يقنّن العلاقة بالعقل والحقيقة (Pelikan 1971, 153–156).

إنّ هذا الاختلاف البنيوي هو ما يفسّر لماذا ظلّ الفكر الشرقي يدمج بين اللاهوت والفلسفة،
في حين فصل الغرب بينهما منذ العصور الوسطى،
حيث تحوّل اللاهوت إلى علمٍ فوقيٍّ مغلق،
والفلسفة إلى بحثٍ عقليٍّ في الممكن لا في المطلق.


التحوّل المعرفي بعد الانقسام: من اللاهوت إلى الفلسفة

بعد الانقسام الكبير، استمرّ كلّ من النظامين الشرقي والغربي في تطوير منطقه الداخلي على نحوٍ متباينٍ جذريًا.
ففي الشرق البيزنطي، ظلّ الوعي الديني يعمل داخل الإبستمولوجيا التكوينية؛
أي داخل رؤيةٍ ترى أنّ العقل الإنساني امتدادٌ للطاقة الإلهية غير المخلوقة (energeia theia)،
وأنّ كلّ فعل معرفةٍ هو تجلٍّ جديدٌ للّوغوس في الإنسان (Lossky 1957, 148–150 Meyendorff 1964, 223–226).
في المقابل، بدأ الغرب اللاتيني رحلةَ انفصالٍ تدريجيٍّ بين الإيمان والعقل،
إذ تطلّب الدفاع عن العقيدة الخلاصية تأسيسَ منطقٍ عقلانيٍّ يبرّر الإيمان دون أن يستمدّ منه،
فنشأ ما عُرف بـ السكولاستيكية (Scholasticism) التي بلغت ذروتها مع الأكويني (Gilson 1955, 251–256).

بهذا التحوّل، تحوّلت المعرفة إلى نظامٍ استدلاليٍّ هرميٍّ،
غايته تبرير العقيدة بالعقل، لا انبثاق الحقيقة من التجربة.
فقد أُعيد تعريف الحقيقة على أنها تطابق الحكم مع الواقع (adaequatio intellectus et rei)،
وهو تعريف سيُصبح لاحقًا جوهر الإبستمولوجيا الغربية الحديثة.
غير أنّ هذا التعريف ذاته يعكس روح الخلاصية:
فالمعرفة ليست تواصلاً مع الوجود بل تصديقًا على ما أُعطي سلفًا.
وهكذا، حتى حين استقلّ العقل الفلسفي في الغرب، ظلّ يعمل ضمن الإطار الخلاصي ذاته،
لكن بعد أن أُفرغ من محتواه اللاهوتي واستُبدل به الإنسان كمركزٍ للحقيقة (Taylor 1989, 156–160).

إنّ هذا التحوّل من اللاهوت إلى الفلسفة لم يكن تحرّرًا حقيقيًا من الخلاصية،
بل علمنةً لها؛ إذ احتفظت البنية المعرفية الغربية بنفس منطقها التبريري،
لكن غيّرت موضوع الخلاص من الله إلى الذات.
فديكارت، حين جعل اليقين في الكوجيتو أساسًا للمعرفة،
لم يلغِ الإبستمولوجيا الخلاصية بل أعاد صياغتها في شكلٍ أنثروبولوجي:
فالعقل البشري أصبح هو المخلِّص، واليقين العقلي هو النعمة الجديدة (Descartes, Meditationes II Gilson 1951, 312–316).
وبذلك وُلدت الخلاصية الحديثة التي ستتحوّل لاحقًا إلى المذهب الإنسانوي (Humanism)،
ثم إلى العقلانية الوضعية، وكلّها امتدادٌ مباشر للبنية التبريرية التي فصلت المعرفة عن التكوين.

في المقابل، ظلّ الفكر الشرقي البيزنطي يربط الحقيقة بالتحوّل الداخلي لا بالبرهان الخارجي،
ورأى أن كلّ معرفةٍ لا تفضي إلى تكوينٍ روحيٍّ هي جهلٌ متنكّر،
لأنّها تنفصل عن المبدأ الذي منه تستمدّ وجودها.
ولهذا، لم تنشأ في الشرق أرثوذكسية فلسفية تقابل السكولاستيكية،
بل بقي اللاهوت مسارًا إدراكيًا مفتوحًا،
يرى في كلّ بحثٍ في الوجود بحثًا في الله نفسه،
وفي كلّ معرفةٍ جزئيةٍ أثرًا من آثار اللوغوس الذي لا ينفصل عن العالم.



التحليل الإبستمولوجي المقارن: الخضوعية والخلاصية كبنيتين للوعي

يمكن، في ضوء ما سبق، تحديد الخضوعية والخلاصية كبنيتين معرفيتين متقابلتين لا بوصفهما اتجاهين دينيين فحسب، بل كصورتين لتكوين الوعي ذاته.
فـ الخضوعية تمثّل إدراكًا للحقيقة من الداخل، حيث يصبح العقل عضوًا فاعلًا في بنية الوجود،
بينما الخلاصية تمثّل إدراكًا للحقيقة من الخارج، حيث يكون العقل محكومًا بالمعيار الإلهي الذي يحدّد ما يجوز وما لا يجوز إدراكه (Bachelard 1938, 12–15 Tillich 1957, 91–95).

في النموذج الخضوعي، المعرفة هي تحوّل في الكينونة،
وهي تقوم على مبدأ التوازي البنيوي بين الإدراك والوجود،
فما يُدرك لا ينفصل عمّا يُدرِك، لأنّ كليهما وجهان لعملية تكوينٍ واحدةٍ متدفقةٍ بلا بداية ولا نهاية.
أما في النموذج الخلاصي، فالمعرفة انفصالٌ بين الذات والموضوع،
تُفهم الحقيقة فيه كمحتوى جاهزٍ يُسلَّم به،
ويصبح فعل الإيمان هو وسيلة التلقي الوحيدة.
إنها إبستمولوجيا “الطاعة”، مقابل إبستمولوجيا “التكوين” (Gilson 1955, 260–264).

تتميّز الخضوعية أيضًا بطابعها الهرمنيوطيقي الداخلي،
فالمعنى لا يُكتشَف بالتحليل بل يُخلَق بالمشاركة؛
كل تأويلٍ هو حركة إدراكٍ جديدة داخل الوجود نفسه.
بينما الخلاصية ذات طابعٍ نظاميٍّ مغلق،
تُحدَّد فيها المعاني سلفًا عبر السلطة النصيّة والمؤسّسية،
ويصبح دور الإنسان مجرّد الامتثال لا الإبداع (Pelikan 1971, 157–160).
إنّها الفرق بين من يرى الحقيقة فعلَ حضورٍ متجدّدٍ في التاريخ،
ومن يراها كيانًا مكتملًا فوق التاريخ.

من منظورٍ إبستمولوجي بحت، يمكن القول إن الخضوعية أقرب إلى ما ستسمّيه الفلسفات الحديثة لاحقًا “الإبستمولوجيا التكوينية” (Formative Epistemology)،
أي التي ترى المعرفة عمليةَ إنتاجٍ مستمرةٍ للمعنى،
بينما تمهّد الخلاصية لظهور “الإبستمولوجيا المعيارية” (Normative Epistemology) التي تُخضع كلّ معرفةٍ لسلطة معيارٍ مفارقٍ — سواء كان هذا المعيار إلهيًا كما في اللاهوت، أو عقليًا كما في الوضعية الحديثة (Bachelard 1949, 33–37).
وهكذا يتضح أن الانقسام بين الشرق والغرب لم يكن تاريخيًا أو لاهوتيًا فحسب،
بل كان تحولًا في نموذج إنتاج المعرفة نفسه:
من العقل المشارك إلى العقل الحاكم،
ومن المعرفة كتكوينٍ إلى المعرفة كقانونٍ.

بناءً على ذلك، فإن الخضوعية والخلاصية تمثلان نموذجين متقابلين للوعي الإنساني:
الأول يدمج الحقيقة بالوجود،
والثاني يفصل بينهما ليحيلها إلى معيارٍ خارجيٍّ مطلق.
إنهما صورتان متكاملتان لتاريخ الفكر،
إحداهما تأسّس على الحضور،
والأخرى على التبرير،
وبينهما تشكّل المسار الكامل للمعرفة الدينية في العالم الإبراهيمي.


الإبستمولوجيا التكوينية: تجاوز البنائيات الغربية

إذا انتقلنا من المستوى التاريخي إلى المستوى النظري، يتبيّن أن الإبستمولوجيا التكوينية التي تبلورت في الخضوعية الشرقية تختلف جذريًا عن البنائيات الغربية اللاحقة، رغم تشابه المفردات.
ففي حين يرى جان بياجيه أنّ المعرفة «تتكوّن من خلال تفاعل الذات مع الموضوع» في مسارٍ منظَّمٍ للتكيّف العقلي (adaptation cognitive) (Piaget 1970, 12–15)،
فإنّ التكوينية الشرقية تتجاوز هذا التصوّر التجريبي لأنها لا تفصل بين الذات والموضوع أصلًا.
إنّها لا تفترض وجود “عالمٍ خارجي” يُبنى تمثيله في الذهن،
بل تعتبر الإدراك ذاته جزءًا من حركة التكوين الكوني التي يتجلّى فيها الوجود عبر مستوياتٍ متراكبةٍ من الوعي.
فالمعرفة ليست وظيفةً عقليةً بل عملية تكوينية مشتركة بين الإنسان والعالم واللوغوس.

كذلك تختلف عن الإبستمولوجيا العملية عند ألفرد نورث وايتهد،
التي ترى في الفكر «سيرورةً من العلاقات المتحوّلة» (Process Philosophy) (Whitehead 1929, 31–34).
فالتكوينية الشرقية لا تكتفي بوصف الفكر كحركة، بل ترى أن الحركة ذاتها هي جوهر الوجود والمعرفة؛
أي أن كلّ معرفةٍ هي انكشاف للوجود وهو يُعيد إنتاج ذاته في الوعي.
بينما تبقى عملية وايتهد محصورةً في إطار الميتافيزيقا التجريبية،
تتجاوزها الإبستمولوجيا التكوينية إلى مبدأ توليدي شامل يربط بين الإدراك، والقيمة، والمعنى في نسقٍ واحدٍ متكامل.

من هذا المنظور، يمكن القول إنّ الإبستمولوجيا التكوينية هي نظرية في التكوين البنيوي للمعرفة لا في بنائها فقط؛
إنها تفسّر كيف تولد البنى المعرفية ذاتها قبل أن تتمايز إلى تصوراتٍ أو أحكام.
فالمعرفة، هنا، لا تُبنى على معطيات، بل تسبقها؛
إنها الفعل الذي يؤسّس إمكانية الإدراك ذاتها.
وبهذا تخرج التكوينية عن جميع مدارس constructivism، لأنّها لا تفسّر نشأة المفاهيم داخل الذهن فحسب، بل نشأة الذهن داخل الوجود.

هذه الأصالة المفهومية هي ما يجعل الخضوعية الشرقية نموذجًا لإبستمولوجيا بديلة،
قادرة على تجاوز الميتافيزيقا الغربية التي فصلت بين الوعي والعالم.
فبينما بقيت الفلسفة الأوروبية تبحث عن الجسر بينهما — من ديكارت إلى كانت —
كان الشرق قد ألغى الجسر نفسه لأنّ الوعي والوجود لم ينفصلا أصلاً.
وهذا ما يجعل “التكوينية” ليست تطويرًا للبنائيات الحديثة،
بل تأسيسًا ميتا–إبستمولوجيًا جديدًا يعيد صياغة العلاقة بين العقل والحقيقة ضمن وحدةٍ تكوينيةٍ شاملة.



الانتقال التاريخي والتحويلي: من الجذر الرافديني إلى الإسكندرية عبر الوسيط السوري–الحرّاني

لا يمكن فهم تماسك البنية التكوينية للخضوعية دون تتبّع آلية الانتقال التاريخي التي حملت هذا الوعي من فضائه الرافديني القديم إلى الإسكندرية في العصر الهيليني.
فما بين وادي الرافدين وسواحل المتوسط قامت شبكةٌ كثيفة من المراكز الفكرية في حرّان والرها ونصيبين وأنطاكية،
أدّت دور الوسيط في نقل الرؤية الكونية الرافدينية – بما تحمله من وحدة بين السماء والأرض والعقل والكون – إلى اللغة الفلسفية الهيلينية (Pingree 1992, 19–21 Fakhry 1975, 70–72).

في هذه المراكز، تحوّلت الرموز الفلكية القديمة إلى مفاهيم ميتافيزيقية:
فالعقل الكوني أصبح nûs، والنظام الكوني logos kosmikos، والطاقة الخلّاقة pneuma.
هكذا انتقلت البنية التكوينية من التعبير الطقسي إلى التعبير الفلسفي،
دون أن تفقد جوهرها الإدراكي، أي رؤيتها للمعرفة بوصفها انخراطًا في انتظام الوجود.
وقد كان للمدارس السورية تأثيرٌ حاسم في بلورة هذا التحوّل،
إذ احتفظت بوعيها المزدوج: فلكيّ–رمزي من جهة، ومقولاتي–عقلي من جهةٍ أخرى.
ومن خلال هذا المزيج، انفتح المجال أمام نشوء اللاهوت الفلسفي الذي ستحتضنه الإسكندرية لاحقًا (Daniélou 1958, 51–54).

لقد مثّلت أنطاكية والرها المرحلة الانتقالية بين الدين الكوني الرافديني واللاهوت العقلي الإسكندري.
فمنهما انتقلت فكرة أنّ الحقيقة لا تُدرَك إلا داخل التاريخ الكوني،
وأنّ كلّ لحظةٍ زمنيةٍ هي تكرارٌ للفعل الإلهي الأصلي.
وهذا هو الأصل الذي سيُعاد صياغته في الفكر المسيحي الشرقي على صورة “التجسّد المستمرّ”،
أي حضور اللوغوس في كلّ لحظةٍ من الزمان، بوصفه مبدأ التكوين والمعرفة في آنٍ واحد (Meyendorff 1964, 118–121).

بهذه العملية التاريخية، تبلورت في الإسكندرية أول بنيةٍ فلسفيةٍ مسيحيةٍ
تربط بين الموروث الرافديني–الحرّاني وبين المنطق اليوناني،
وتحوّل الرؤية الكونية إلى نسقٍ معرفيٍّ متكامل،
يجمع بين الوجود والعقل ضمن مبدأ تكويني واحد.
ومن هنا، فإنّ كلّ محاولةٍ لفهم الخضوعية الشرقية دون استحضار هذه الجذور التحويلية
تُفقد النظرية بُعدها التاريخي الواقعي،
وتُحوّلها إلى تأملٍ ميتافيزيقيٍّ منقطعٍ عن سياقه.
إنّ حرّان والرها وأنطاكية لم تكن محطات عبورٍ للنصوص،
بل مختبراتٍ لتوليد الوعي الذي سيجعل من الإسكندرية ذروة التفاعل بين الشرق القديم والعقل اليوناني.


حلقة مَكسيموس المُعترِف: اللوغوس واللوغويّات والمعرفة كمشاركة أنطولوجية

يُعدّ مَكسيموس المُعترف (580–662م) المفصل الإبستمولوجي الأعمق في تاريخ الخضوعية،
إذ جمع بين الرؤية الإسكندرية اللاهوتية والرؤية الكبادوكية الأنطولوجية في نسقٍ معرفيٍّ واحد.
طرح مَكسيموس مفهوم اللوغويّات (logoi) بوصفها وجوه انتظام الكائنات في اللوغوس الكلي،
أي أنّ لكلّ موجودٍ «لوغوسًا» خاصًّا يعبّر عن معناه الوجودي داخل اللوغوس الإلهي الشامل (Maximus, Ambigua 7–8 Thunberg 1995, 93–96).
ومن ثمّ، تصبح المعرفة فعلَ كشفٍ لهذه اللوغويّات في النفس، أي مشاركةً تكوينيةً في العقل الإلهي نفسه.
فالعقل الإنساني لا يقتبس الحقيقة بل يُعيد خلقها داخله،
وحين يعرف، فهو يشارك في فعل الخلق ذاته.

بهذا المعنى، تُعرَّف المعرفة عند مَكسيموس بأنّها حركة «تألّه» (theosis epistemica)؛
حيث يُدرِك الإنسان الحقيقة بقدر ما يتحوّل إليها.
لا وجود لمعرفةٍ خارج هذا التحوّل، لأنّ الإدراك لا ينفصل عن الوجود بل هو تجلٍّ له.
إنّ الانتقال من الجهل إلى العلم ليس انتقالًا من النقص إلى الكمال بل من الكثرة إلى الوحدة،
أي عودة اللوغوس الجزئي إلى اللوغوس الكلي الذي منه صدر.
وهكذا تصبح عملية الإدراك نفسها جزءًا من حركة الوجود نحو اكتماله (Louth 1996, 88–92).

يرى مَكسيموس أنّ الإنسان، بفعله المعرفي، يحقّق معنى الخليقة:
فهو الميدان الذي تتوحّد فيه الكثرة بالواحد عبر المعرفة والمحبة معًا.
لذلك يقول: “من عرف اللوغوس في كلّ شيء، عرف الله في كلّ شيء” (Ambigua 10).
والمعرفة عنده ليست نشاطًا عقليًا بل «اشتراكٌ في الطاقة الإلهية» التي تُبقي العالم في حال تكوينٍ دائم.
بهذا تتّخذ الخضوعية معناها الأقصى: أن المعرفة لا تُكتسب بل تُعاش،
وأنّ إدراك الحقيقة هو دخولٌ في نظامها التكويني، لا استدلالٌ عليها من خارجه.

إنّ مَكسيموس بهذا التحديد يُعيد تعريف العقل البشري نفسه:
ليس هو أداةً للحكم والتمييز كما في الغرب اللاتيني،
بل طاقة اشتراكٍ في اللوغوس الإلهي.
فحين يفكر الإنسان، فهو يشارك في حركة الوجود نحو الحقيقة،
وحين يتأمّل، فهو يُفعِّل اللوغوس الجزئي فيه ليعود إلى مصدره الكلي.
من هنا تصبح المعرفة ذات بُعدٍ خلاصـيٍّ مغاير:
فهي ليست تبريرًا من الخطيئة بل عودةٌ إلى الوحدة الأصلية بين الفكر والوجود،
أي عودة إلى ما قبل الانقسام.

هذا التصوّر الذي قدّمه مَكسيموس سيُصبح لاحقًا الأساس النظري لتطوّر مفهوم الطاقات الإلهية عند غريغوريوس بالاماس،
وهو المفهوم الذي سيقفل البناء الإبستمولوجي الشرقي في صورته النهائية.
فبينما كانت الخلاصية الغربية قد أقامت معرفتها على العقل–القانون،
أقام مَكسيموس ومن بعده بالاماس معرفتهما على العقل–الطاقة،
أي على المشاركة التكوينية التي تدمج بين الله والعالم دون أن تخلطهما.
بهذا ينتقل الوعي الشرقي من الخضوع بوصفه مواءمةً إلى الخضوع بوصفه اتحادًا تكوينيًا،
فتغدو المعرفة لحظةَ تجلٍّ للّوغوس في الوعي الإنساني نفسه.



غريغوريوس بالاماس: الجوهر والطاقات ومعقولية المعرفة بالمشاركة

في القرن الرابع عشر الميلادي، واجه اللاهوت الشرقي تحدّيًا مزدوجًا:
أن يحافظ على نقاء العقيدة الأرثوذكسية في مواجهة اللاهوت المدرسي الغربي،
وأن يقدّم تبريرًا عقلانيًا لتجربة المعرفة الصوفية–النوسية (hesychasm).
جاءت إجابة غريغوريوس بالاماس (1296–1359م) لتُكمل البناء الذي أسّسه مَكسيموس،
حين صاغ التمييز الشهير بين الجوهر الإلهي (ousia) والطاقات الإلهية (energeiai).
فالله، في جوهره، غير مدرك ولا مُشارَك فيه،
لكنّه، في طاقاته، حاضر في العالم ومشاركٌ فيه.
ومن خلال هذه الطاقات، يعرف الإنسان الله بالخبرة والمعايشة لا بالمفهوم (Palamas, Triads I.3–II.1 Meyendorff 1983, 214–219).

بهذا التحديد، وضع بالاماس الأساس الميتافيزيقي الدقيق للإبستمولوجيا التكوينية.
فالمعرفة لا تُبنى على مفاهيم، بل على تفعيل الطاقات التي بها يتحرّك الوجود الإلهي في الكائنات.
وحين يشارك الإنسان في هذه الطاقات، يصبح إدراكه فعلًا إلهيًا جزئيًا؛
أي أنّ الله يُدرك نفسه من خلال الإنسان، لا أنّ الإنسان يُدرك الله كموضوعٍ خارجي.
هذه الحركة هي جوهر الخضوعية:
فالمعرفة ليست انتقالًا من الجهل إلى العلم بل من الغياب إلى الحضور،
من المفهوم إلى الوجود،
من الحكم إلى التجلّي.

لقد حرّر بالاماس فكرة المعرفة من ثنائية «العقل والإيمان» التي حكمت الغرب،
حين بيّن أن المعرفة الإلهية ليست عقليةً ولا إيمانيةً بالمعنى القضائي،
بل طاقية تكوينية.
ومن هنا تنبع القيمة الفلسفية الفريدة لهذا التصور:
إنّه يجعل العلاقة بين الإنسان والله علاقة معرفةٍ متبادلةٍ لا علاقة سلطةٍ أو تبرير.
فالله لا يُعرَف كموضوعٍ، بل يعرّف نفسه كفعلٍ داخل الإنسان والعالم معًا.
إنّها إبستمولوجيا المشاركة المطلقة (gnosis synergike):
حيث يصبح الإدراك ذاته فعلًا من أفعال الألوهة.

يترتب على ذلك إعادة تعريف شاملة للحقيقة:
فهي ليست مطابقة الحكم للواقع كما عند الأكويني،
بل تطابق الكينونة مع ذاتها في حركة الطاقات الإلهية.
وهذا يعني أن كلّ معرفةٍ صحيحةٍ هي تحقّق أنطولوجي قبل أن تكون تصديقًا منطقيًا.
فالعارف يشارك في الحقيقة بقدر ما تتحقّق الحقيقة فيه.
ومن ثمّ، تغدو المعرفة خلاصًا تكوينيًا لا تبريريًا،
وتصبح الغاية النهائية للوعي هي التألّه (theosis) لا التبرير (iustificatio).

بهذا، يكتمل النسق الشرقي في صورته النهائية:
فالمعرفة فعل تكوينٍ متجدد،
والخلاص إدراكٌ متعالي عبر الطاقات،
والعقل أداة مشاركةٍ لا أداة حكم،
والإبستمولوجيا التكوينية تتحوّل إلى ميتافيزيقا للحضور الدائم.
وعند هذه النقطة، تُغلق دائرة الخضوعية بتمامها؛
إذ أصبحت بنيةً متكاملةً ترى أن الحقيقة تُعرف بقدر ما تُعاش،
وأن المعرفة لا تبدأ من الشكّ ولا تنتهي باليقين،
بل تبدأ بالحضور وتنتهي بالتجلّي.


الفيليوكويه: البنية اللاهوتية للانفصال الإبستمولوجي

يشكّل الخلاف حول Filioque (انبثاق الروح من الآب والابن) التعبير الرمزي الأوضح عن القطيعة المعرفية بين الشرق والغرب.
فمنذ إضافته إلى قانون الإيمان في مجمع طليطلة (Toledo) في القرن السادس، بدأ يتكرّس في الغرب تصوّرٌ مغلقٌ للعلاقة داخل الثالوث الإلهي:
العقل اللاهوتي اللاتيني لم يعد يرى الروح كـ«حركة انبثاقٍ مفتوحة» بل كـ«علاقةٍ منتهيةٍ» داخل نظامٍ منطقيٍّ ثلاثيٍّ متناسقٍ رياضيًا (Siecienski 2010, 118–124).
إنّها لحظة تحوّلٍ دقيقة:
فبينما ظلّ الشرق يرى الروح فعلَ تواصلٍ تكوينيٍّ حيٍّ بين الله والعالم،
حصرها الغرب في علاقةٍ سببيةٍ داخل الله ذاته،
فتحوّلت المعرفة من مشاركةٍ في الفعل الإلهي إلى تأمّلٍ في بنية الألوهة.

في القراءة الشرقية، الروح هي مبدأ المشاركة،
تتجلّى في العالم وتُعيد الكائن إلى الله عبر الطاقة،
وبهذا تُبقي دائرة المعرفة مفتوحةً على الحضور الإلهي في التاريخ.
أما في القراءة الغربية، فانبثاق الروح من الآب والابن معًا يعني اكتمال النظام داخل اللاهوت نفسه،
أي أنّ الحقيقة أصبحت مكتفيةً بذاتها، لا تحتاج إلى العالم لتتجلّى فيه.
بهذا يُغلق النسق الغربي الباب أمام إمكانية المعرفة بالمشاركة،
ويُقيمها داخل المعيار اللاهوتي المغلق.
وهكذا، تحوّل الثالوث من بنية تواصلٍ مفتوحٍ إلى بنية اكتمالٍ منطقيٍّ مغلقة،
وتحوّل الإدراك الإلهي من حضورٍ إلى تبرير (Dvornik 1948, 133–139 Siecienski 2010, 143–148).

من هذا المنظور، لم يكن Filioque مجرد إضافةٍ لغويةٍ على قانون الإيمان،
بل إعلانًا عن انزياحٍ إبستمولوجيٍّ جذريٍّ:
من الحقيقة كفعلٍ تكوينيٍّ متجدّدٍ إلى الحقيقة كمفهومٍ مكتملٍ مفارق.
لقد أصبح مبدأ «الانبثاق المزدوج» مرادفًا للبنية المعيارية التي تحكم الفكر الغربي،
حيث كلّ معرفةٍ تُشتقّ من سلطةٍ عُليا،
ولا مجال فيها لتوليد المعنى من الداخل.
إنه اكتمال لمنطق الخلاصية:
فالمعرفة لا تتدفّق من الروح إلى الإنسان، بل من النظام الإلهي إلى النظام العقلي.
وبذلك، تمّ تثبيت الفصل النهائي بين العقل والوجود،
وهي القطيعة التي سيحاول الفكر الحديث التوفيق بينها دون نجاحٍ كامل.



المصفوفة التحليلية الموسَّعة (3×4)

تتيح المصفوفة التالية رؤيةً بنيويةً مقارنة بين الخضوعية والخلاصية عبر أربعة أبعادٍ متقاطعةٍ (مستويات الإدراك، القيم الكبرى، الأنساق التاريخية، والفاعل المعرفي):

مستويات الإدراك القيم الكبرى الأنساق التاريخية الفاعل المعرفي
ماذا؟ (الماهية) النظام الجذر الرافديني–الحرّاني: انتظام الكون كحضورٍ إلهيٍّ متواصل؛ المعرفة هي مواءمة الفكر للكون العارف المشارك – الذات المنخرطة في النسق الكوني (Jacobsen 1976 Bottéro 1992)
كيف؟ (الوظيفة) العدالة / التوازن الإسكندرية–أنطاكية–مكسيموس: المشاركة في اللوغوس عبر اللوغويّات؛ الفعل العقلي صورةٌ للفعل الكوني الشركة العاقلة – العقل بوصفه energeia (Origen Gregory of Nyssa Maximus)
لماذا؟ (الغاية) التكوين بالاماس: المعرفة بالطاقات؛ التألّه كأفق إدراكيٍّ للإنسان الذات المتألّهة معرفيًا – الإنسان كحركة مشاركةٍ في الطاقات الإلهية (Palamas)
بماذا يُحكَم؟ (المعيار) القانون / المعيارية اللاتينية الأوغسطينية–التومية: الإيمان، النعمة، التبرير؛ الحقيقة مطابقة الحكم للواقع الذات المصدّقة / المؤسسة المقنّنة – الإنسان المبرَّر لا المكوَّن (Augustine Aquinas)

هذه المصفوفة تبيّن أن التحوّل من الخضوعية إلى الخلاصية ليس مجرّد تبدّلٍ في القيم أو الميتافيزيقا،
بل تغيّر في هوية الفاعل المعرفي نفسه:
من “العارف المشارك” الذي يكوّن الحقيقة،
إلى “الذات المبرَّرة” التي تُقاس معرفتها بمدى مطابقتها للمعيار اللاهوتي.



الخطّ الزمني التحليلي لتطوّر الوعي الإبستمولوجي (من الرافديني إلى بالاماس)
• الرافديني–الحرّاني (الألفية الثانية ق.م – القرن الأوّل م): انتظام كونيّ–فلكي يربط الإنسان بالسماء؛ الخضوع للّوغوس الكوني فعلُ معرفةٍ وتوازنٍ. (Jacobsen 1976 Green 1992).
• الهيليني المتأخر / الأفلاطونية المحدثة (القرن الثالث م): اللوغوس كوسيطٍ عقليٍّ بين الواحد والكثرة؛ المعرفة كصعودٍ عقليٍّ في سلم الوجود. (Plotinus Armstrong 1966).
• الإسكندرية–أنطاكية (القرنان الرابع والخامس): الخضوع العقلي التاريخي؛ التجسّد حدثٌ معرفيٌّ مستمرٌّ؛ اللوغوس فاعل تكوين. (Origen Athanasius Cappadocians).
• مَكسيموس المُعترف (القرن السابع): اللوغويّات؛ المعرفة كمشاركةٍ أنطولوجيةٍ في اللوغوس؛ الإنسان حلقة الوصل بين الكثرة والوحدة. (Maximus Ambigua).
• اللاتين (من القرن الرابع إلى الثالث عشر): أوغسطين ثم الأكويني؛ تثبيت الخلاصية، تحوّل المعرفة إلى تبريرٍ إيمانيٍّ وعقليٍّ. (Pelikan 1978).
• الفيليوكويه والانقسام الكبير (القرن الحادي عشر): اكتمال القطيعة بين الإبستمولوجيا التكوينية والإبستمولوجيا التبريرية. (Dvornik 1948 Siecienski 2010).
• غريغوريوس بالاماس (القرن الرابع عشر): التمييز بين الجوهر والطاقات؛ تقعيد المعرفة بالمشاركة الطاقية؛ استعادة الخضوعية في صورتها النهائية. (Palamas Triads).



الخاتمة: نحو إعادة تعريف المعرفة الدينية

يمكن، بعد هذا المسار الطويل، استخلاص النتيجة المركزية:
أنّ الخضوعية والخلاصية تمثّلان بنيتين متقابلتين للوعي،
إحداهما ترى الحقيقة حضورًا تكوينيًا، والأخرى تعتبرها حكمًا تبريريًا.
الأولى تجعل من المعرفة مشاركةً في الوجود، والثانية تجعلها مطابقةً لمعيارٍ مفارق.
إنّ الاختلاف بينهما ليس في العقيدة بل في البنية الإدراكية التي تُنتج العقيدة.

من هنا، تُعدّ الإبستمولوجيا التكوينية التي بلورتها الخضوعية الشرقية أفقًا فلسفيًا جديدًا
يتجاوز الميتافيزيقا الغربية إلى رؤيةٍ تُعيد وصل العقل بالوجود والمعرفة بالحضور.
فهي ترى أن المعرفة لا تُعرّف بالحكم ولا بالتصديق،
بل بالفعل التكويني الذي يُعيد خلق العالم في الوعي.
وبهذا تصبح «الحقيقة» عمليةً حيّةً لا مفهومًا ساكنًا،
ويتحوّل العقل من سلطةٍ إلى طاقة،
ومن حكمٍ على الوجود إلى أداةٍ لانكشافه المستمر.



البيان البحثي الختامي

تؤكّد الدراسة أنّ ما سُمّي بالانقسام الكبير سنة 1054
هو في جوهره انقسامٌ إبستمولوجيٌّ لا طقوسيٌّ فحسب؛
انقسامٌ بين عقلٍ يكوّن الحقيقة بالاشتراك فيها،
وعقلٍ يبرّرها بالامتثال لها.
ومن ثمّ، فإنّ تجاوز هذا الانقسام لا يكون بإصلاحٍ لاهوتيٍّ أو كنسيّ،
بل بإعادة بناء المفهوم ذاته للمعرفة والحقيقة.
إنّ الإبستمولوجيا التكوينية، كما تجلّت في التراث الشرقي من أوريجن إلى بالاماس،
تقدّم نموذجًا بديلًا للفكر المعاصر،
يمكن أن يعيد للمعرفة طابعها الأنطولوجي الحيّ،
ويستعيد للإنسان موقعه كشريكٍ في خلق المعنى،
لا كمجرد شاهدٍ عليه.



المراجع (Chicago 17th ed., Author–Date)

Aquinas, Thomas. Summa Theologica. Trans. Fathers of the English Dominican Province. London: Burns Oates, 1920.
Armstrong, A. H. 1966. Plotinus. London: Allen & Unwin.
Augustine. Confessiones. Trans. J. J. O’Donnell. Oxford: OUP, 1992.
———. De Trinitate. Trans. Edmund Hill. New York: New City Press, 1991.
Bachelard, Gaston. 1938. La formation de l’esprit scientifique. Paris: Vrin.
Bottéro, Jean. 1992. Religion in Ancient Mesopotamia. Chicago: University of Chicago Press.
Bradshaw, David. 2004. Aristotle East and West: Metaphysics and the Division of Christendom. Cambridge: CUP.
Brown, Peter. 1988. The Body and Society: Men, Women and Sexual Renunciation in Early Christianity. New York: Columbia University Press.
Daniélou, Jean. 1958. Message évangélique et culture hellénistique. Paris: Desclée.
Descartes, René. Meditationes de Prima Philosophia. Paris: 1641.
Dvornik, Francis. 1948. The Photian Schism: History and Legend. Cambridge: CUP.
Fakhry, Majid. 1975. A History of Islamic Philosophy. New York: Columbia University Press.
Gilson, Étienne. 1936. The Spirit of Medieval Philosophy. London: Sheed & Ward.
———. 1955. History of Christian Philosophy in the Middle Ages. New York: Random House.
Green, Tamara M. 1992. The City of the Moon God: Religious Traditions of Harran. Leiden: Brill.
Gregory of Nyssa. De Vita Moysis. Trans. Abraham Malherbe and Everett Ferguson. New York: Paulist Press, 1978.
Jacobsen, Thorkild. 1976. The Treasures of Darkness: A History of Mesopotamian Religion. New Haven: Yale University Press.
Lossky, Vladimir. 1957. The Mystical Theology of the Eastern Church. London: James Clarke.
Louth, Andrew. 1996. Maximus the Confessor. London: Routledge.
Maximus the Confessor. Ambigua. PG 91.
Meyendorff, John. 1964. Christ in Eastern Christian Thought. Washington, DC: Corpus Books.
———, ed. 1983. Gregory Palamas: The Triads. New York: Paulist Press.
Pelikan, Jaroslav. 1971–78. The Christian Tradition: A History of the Development of Doctrine. 5 vols. Chicago: University of Chicago Press.
Piaget, Jean. 1970. La construction du réel chez l’enfant. Paris: Delachaux & Niestlé.
Pingree, David. 1992. “Harranian Astronomy and Astrology.” Journal of Near Eastern Studies 51 (1): 15–25.
Plotinus. Enneads. Trans. A. H. Armstrong. London: Heinemann, 1966.
Ratzinger, Joseph. 1968. Einführung in das Christentum. Munich: Kösel.
Siecienski, A. Edward. 2010. The Filioque: History of a Doctrinal Controversy. Oxford: OUP.
Taylor, Charles. 1989. Sources of the Self. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Thunberg, Lars. 1995. Microcosm and Mediator: The Theological Anthropology of Maximus the Confessor. Chicago: Open Court.
Ware, Kallistos (Timothy). 1963. The Orthodox Church. London: Penguin.
Whitehead, Alfred North. 1929. Process and Reality. New York: Macmillan.
van Bladel, Kevin. 2009. The Arabic Hermes: From Pagan Sage to Prophet of Science. Oxford: OUP.



دليل التنسيق الداخلي والمراجع الأكاديمية

الأسلوب المعتمد: نظام شيكاغو، الطبعة السابعة عشرة (Chicago Manual of Style, 17th Edition, Author–Date System).
اللغة: النص العربي مع الإحالات الأجنبية المترجمة والمعرّبة عند الحاجة، مع الإبقاء على الأسماء والمصطلحات اللاتينية في مواضعها العلمية الأصلية.
الترقيم: تسلسل الصفحات متصل من المقدّمة حتى البيان البحثي دون فواصل.
الإحالات داخل النص: تعتمد الصيغة المختصرة (الكاتب، السنة، الصفحة/الفقرة).
تخطيط الصفحة: هوامش 2.5 سم من الجهات الأربع، خط Traditional Arabic مقاس 14 للنصوص العربية وTimes New Roman مقاس 12 للنصوص اللاتينية، المسافة بين الأسطر 1.5، والعناوين بحجم 16 غامق.
اللغة الثانوية: المصطلحات الإبستمولوجية تُدرج بالإنجليزية بين قوسين عند أول ظهور فقط.
نظام المراجع: موحّد بالترتيب الأبجدي لأسماء المؤلفين، مع توحيد تنسيق المصادر الأساسية (كتب – مقالات – ترجمات).



بيان حقوق الفكر والنشر

العنوان الأكاديمي الكامل للدراسة:
الخضوعية والخلاصية: دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوينية للوعي الديني بين الشرق والغرب (من القرن الأوّل حتى الانقسام الكبير 1054)

الباحث:
قصي مسلط الهويدي – Qussai Muslat Al-Hwaidi
باحث في الفلسفة والإبستمولوجيا

صيغة الاستشهاد الأكاديمي الموحّدة (Chicago, Author–Date):
Al-Hwaidi, Qussai Muslat. Al-Khuḍūʿiyya wa-l-Khalāṣiyya: -dir-āsa Ibsitimūlūjiyya-Qīmiyya fī al-Bunya al-Takwīniyya li-l-Waʿy al-Dīnī bayna al-Sharq wa-l-Gharb (al-Qarn al-Awwal ḥattā al-Inqisām al-Kabīr 1054). 2025.

بالإنجليزية:
Al-Hwaidi, Qussai Muslat. Submissivity and Soteriology: An Epistemological–Axiological Study of the Formative Structure of Religious Consciousness between East and West (1st Century–1054 CE). 2025.

بيان حقوق الفكر:
هذا النص العلمي بكل فصوله وملاحقه ومصفوفاته هو نتاج بحثٍ أصيلٍ لباحثه قصي مسلط الهويدي (Qussai Muslat Al-Hwaidi)، ويُعدّ جزءًا من مشروعه الإبستمولوجي الأشمل حول العقل التكويني ومصفوفة الإدراك. يُحظر إعادة إنتاج أي جزءٍ من هذه الدراسة أو ترجمتها أو تلخيصها أو نشرها بأي وسيلةٍ دون الإشارة الصريحة إلى المؤلف.

تاريخ الإنجاز: نوفمبر / تشرين الثاني 2025
المكان: برلين – جمهورية ألمانيا الاتحادية.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- -باتمان- يظهر في مجلس مدينة بكاليفورنيا.. ويطالب بعدم دعم عم ...
- الكرملين: موسكو وافقت على -طلب شخصي- من ترامب بوقف ضرب كييف ...
- فوق السلطة.. هل خسرت عائلة الأسد سوريا وربحت لبنان؟
- أسطورة الروك بروس سبرينغستين يطلق أغنية مهداة لمينيابوليس تن ...
- أمطار وسيول تدفع المغرب لرفع مستوى التأهب شمالي البلاد
- بوتين يوافق على طلب ترمب وقف الهجمات على كييف مؤقتا
- عندما تُسكت الآلة الضمير.. كيف يغير الذكاء الاصطناعي علاقتنا ...
- -أطباء بلا حدود-: سلامة موظفينا أولوية ولن نشارك بياناتهم مع ...
- حكايات ملونة على جدران صماء.. كيف أعاد فن الشوارع صياغة روح ...
- غارديان: وحدات المستوطنين بالجيش الإسرائيلي تعمل كمليشيات با ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوينية للوعي الديني بين الشرق والغرب (من القرن الأوّل حتى الانقسام الكبير سنة 1054)