أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام البشري في عالم متسارع















المزيد.....

الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام البشري في عالم متسارع


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 16:17
المحور: قضايا ثقافية
    


باحث في الإبستمولوجيا والنظرية التكوينية


T
الملخّص

تجادل هذه الورقة بأنّ التمييز الشائع بين الانتظامات الطوعية والأنظمة القسرية غير كافٍ لتفسير ظواهر الاستقرار التاريخي والانهيار والتطرّف. وبدلاً من التركيز على الإكراه أو الشرعية أو الرضا، تقترح الورقة معياراً تكوينياً بديلاً يتمحور حول مفهوم الفجوة بوصفها قيمة تشغيلية سالبة تنشأ عن عدم التطابق بين قدرة الفاعل—فرداً كان أو جماعة—على الفعل، وبين شروط واقع متحوّل. وتذهب الورقة إلى أنّ الفارق الحاسم لا يكمن في وجود الفجوة أو شدّتها، بل في كيفية محاذاة الفجوة الجمعية مع الفجوة الفردية: هل تمرّ عبر الذات دون كسرها، أم تُفرض فوقها فتنتج انشطاراً داخلياً. وتبيّن الورقة أنّ تثبيت الفجوة—لا الإكراه ولا الزيف—هو الآلية البنيوية التي تفضي، على المدى البعيد، إلى العنف المؤجَّل والانهيار التاريخي، ولا سيما في سياقات التحوّل الأُسّي حيث يغدو وعد التطابق المستقر متعذّراً خارج آفاق زمنية قصيرة أو سياقات موضعية.

الكلمات المفتاحية: الفجوة، المحاذاة، التثبيت البنيوي، الانتظام البشري، الذات، الدولة الحديثة، النظرية التكوينية.



1. مقدّمة: تصحيح نقطة البدء

ليس من الدقة المنهجية أن يبدأ تحليل الانتظام البشري من الدولة، ولا من السلطة، ولا من القانون، ولا من الأخلاق. فهذه جميعاً نتائج بنيوية متأخرة. إنّ البدء منها يحوّل التحليل إلى تفسير لاحق لما هو قائم، لا إلى تشخيص تكويني لما جعله ممكناً.

نقطة البدء الوحيدة التي لا يجوز تجاوزها هي السؤال التالي:
ما الذي يحدث داخل الذات البشرية عندما تواجه فجوة لا تملك لها حلاً جاهزاً؟

قبل كل بنية جمعية، وقبل كل تنظيم أو معيار، توجد ذات بشرية تُجبر—أمام واقع لا يطابق قدرتها على الفعل—إمّا على إعادة التكوّن، أو على الانشطار الداخلي. ومن هذا الموضع وحده يبدأ التحليل التكويني الصحيح.



2. الفجوة: تعريف تكويني وإجرائي

لا تُختزل الفجوة في نقص المعرفة، ولا في الخوف النفسي، ولا في الخلل الأخلاقي. بل تُعرَّف هنا بوصفها:

عدم تطابق بنيوي بين قدرة الكائن أو الجماعة على الفعل، وبين شروط واقع لا ينتظر ولا يتباطأ.

بهذا المعنى، الفجوة قيمة تشغيلية سالبة (𕒵): ليست شيئاً يُمتلك، بل ضغطاً يُعاش. وهي شرط سابق على التنظيم والمعنى والشرعية، وليست حالة عارضة. ولا يوجد انتظام بشري بلا فجوة، كما لا ينجو أي انتظام من محاولة التعامل معها.

وإن أمكن، لأغراض تحليلية فقط، التمييز بين فجوات وجودية وتنظيمية ومعرفية ورمزية، فإنّها في التجربة الحيّة تتراكب لتشكّل وحدة ضغط واحدة تدفع الأفراد والجماعات إلى البحث عن صيغ انتظام تمكّن الفعل والاستمرار.



3. محاذاة الفجوات وتكوُّن ذات غير منقسمة

الفارق الجوهري بين أنماط الانتظام لا يكمن في وجود الفجوة أو شدّتها أو الوعي بها، بل في سؤال واحد حاسم:

هل تمرّ الفجوة الجمعية عبر الفجوة الفردية، أم تُفرض فوقها وتكسرها؟

في الانتظام الطوعي بالمعنى التكويني—لا الأخلاقي ولا الإجرائي—يختبر الفرد الفجوة الجمعية بوصفها امتداداً مباشراً لفجوته الوجودية. فالخطر والنقص والحاجة لا تأتيه من “النظام”، بل من العالم نفسه. والقاعدة هنا لا تُغلق الفجوة ولا تدّعي حلّها، بل تنظّم العيش داخلها.

النتيجة ليست سلوكية فحسب، بل داخلية عميقة: لا تنشطر الذات بين ما تعيشه وما تمثّله، ولا تحتاج إلى أقنعة داخلية كي تطيع. تكون الفجوة واحدة، ويغدو التنظيم استجابة لها لا بديلاً عنها. هنا فقط تصبح الكلفة محتملة، والتضحية مفهومة، والاستقرار ذا معنى—even وهو هش.



4. عدم المحاذاة والانشطار التكويني

في الأنظمة القسرية—بغضّ النظر عن خطابها أو ادعاءاتها—تُنشأ فجوة جمعية لا تنبع من التجربة الفعلية للفرد. يُطلب من الذات أن تتصرّف وفق خطر لا تراه، أو نقص لا تشعر به، أو معنى لا ينبع من خبرتها.

هنا لا يقع القمع أولاً، بل الانشطار التكويني. تُجبر الذات على إغلاق فجوتها الحقيقية وفتح فجوة مصطنعة مكانها، فينقسم الداخل إلى ذات تعيش وذات تمثّل. وقد يستمر السلوك منضبطاً، لكن البنية التكوينية تكون قد تصدّعت. وهذا أخطر من القمع المباشر، لأنه لا يضغط من الخارج فقط، بل يعيد تشكيل الداخل ذاته.



5. من إدارة الفجوة إلى تثبيتها: مؤشرات تشخيصية دنيا

لا يُقاس تثبيت الفجوة بمقاييس كمية، بل يُشخَّص عبر علامات حدّية تسمح بالتمييز الإجرائي بين إدارة الفجوة وتثبيتها. ومن أبرز هذه العلامات:
1. تحريم إعادة السؤال التأسيسي الذي وُلِدت الإجابة لعبوره.
2. تجريم الغموض واللاتحديد وإغلاق إمكان التأويل المؤسسي.
3. تقديس آلية ناجحة تاريخياً وتحويلها إلى معيار غير قابل للمراجعة.

عند اجتماع هذه العلامات، تنتقل البنية من إدارة فجوة حيّة إلى تثبيت فجوة ماضية. وهنا يتحوّل المعنى من وسيط لعبور الفجوة إلى جهاز ضبط يمنع إعادة فتحها.



6. مثال توضيحي محسوب: الدولة الحديثة المبكرة

تشكّلت الدولة الحديثة في سياق تاريخي كانت فيه وتيرة الواقع أبطأ، والتهديد قابلاً للتمثيل، والفجوة الجمعية قابلة للمرور عبر تجربة الفرد. في ذلك السياق، كانت الدولة حلاً تكوينياً ناجحاً: نجحت في تنظيم الفعل وخفض القلق وتوفير إطار توقّعي.

غير أنّ هذا النجاح جرى تثبيته وتحويله إلى قاعدة دائمة. ومع تسارع التحوّل التاريخي، باتت الدولة تدير ذاكرة فجوة لا فجوة حيّة. المثال هنا توضيحي لا تعميمي، ويهدف إلى إظهار كيف يمكن لحلّ تكويني ناجح أن يتحوّل—بفعل التثبيت—إلى مصدر خلل بنيوي.



7. التحوّل الأُسّي وحدود التطابق

في واقع يتحوّل بوتيرة أُسّية، لم يعد ممكناً إعادة إنتاج تطابق مستقر بين الفجوة الجمعية والفجوة الفردية خارج آفاق زمنية قصيرة أو سياقات موضعية. هذا لا يعود إلى فساد الدولة أو شرّ السلطة، بل إلى فشل زمني وبنيوي: الواقع نفسه سبق كل قدرة على التمثيل والتثبيت.



8. لماذا تفشل مشاريع الإصلاح؟

تفشل مشاريع الإصلاح لأنها تركّز على تحسين الشرعية أو تحديث المؤسسات أو إعادة توزيع السلطة، بينما تقع الأزمة قبل ذلك كله: في استحالة إعادة إنتاج التطابق ذاته. فقد بُنيت الدولة الحديثة على افتراض زمن يمكن التخطيط له ومستقبل يمكن استباقه، وهو افتراض يسحبه التحوّل الأُسّي من أساسه.



9. ما بعد وعد التطابق: النمط التنظيمي الممكن

إذا كان التطابق المستقر قد غدا متعذّراً، فإن التنظيم الممكن ليس ذاك الذي يعد بإعادته أو يفرضه قسرياً، بل ذاك الذي يعترف بأن عدم التطابق صار الحالة الطبيعية. وتتمثّل ملامحه في: دورات قرار قصيرة، قابلية دائمة للمراجعة، فشل جزئي مُحتوى، وسلطة بوصفها وظيفة تنسيق لا سيادة مغلقة، وشرعية زمنية تُقاس بالاستجابة لا بالادّعاء.



خاتمة

لا تنهار النظم لأن الناس لا تخضع، بل لأن الخضوع انفصل عن المعنى. ولا تفشل الدولة لأنها قمعية فقط، بل لأنها قامت على افتراض لم يعد صالحاً: أنّ وعد التطابق يمكن تثبيته في عالم متسارع. واستحالة هذا الوعد لا تعني نهاية التنظيم أو السياسة، بل نهاية التنظيم القائم على الإنكار والوعد المغلق. يبقى ما يقبل القلق ويُديره تكوينياً.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- مسؤولة أوروبية تتوقع إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة ا ...
- الكاف يفرض عقوبات على السنغال والمغرب بعد فوضى نهائي كأس أمم ...
- -هل يمكن أن تجعلنا الحبوب الذكية أكثر صحة؟- - مقال في فاينان ...
- ماذا نعرف عن الحرس الثوري الإيراني بعد تحرك أوروبي من أجل تص ...
- تساقط ثلوج قياسي يسبب فوضى في أنحاء عدة من اليابان
- هل يكون بديلًا لتيك توك؟ تطبيق طوره فلسطيني يحقق أرقامًا قيا ...
- أخبار اليوم: الاتحاد الأوروبي يتفق على فرض عقوبات جديدة على ...
- عكس التيار الأوروبي.. إسبانيا تتجه لتسوية أوضاع نصف مليون مه ...
- إيطاليا: لحظات تحبس الأنفاس.. انهيارات أرضية في صقلية
- المستشار الألماني: أوروبا شريك لواشنطن وليست تابعا لها


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام البشري في عالم متسارع