أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع القوة والردع والطاقة والزمن العملياتي في الشرق الأوسط














المزيد.....

الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع القوة والردع والطاقة والزمن العملياتي في الشرق الأوسط


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 16:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الحروب الكبرى مجرد مواجهات بين جيوش، بل لحظات ضغط تكشف البنية التنظيمية التي يعمل داخلها الإقليم. ففي ظروف معينة يبلغ هذا الضغط مستوى تتحول معه الحرب من صراع بين خصوم إلى اختبار للبنية التي تنتظم داخلها علاقات القوة نفسها. عند هذه العتبة يتغير موضوع التحليل جذرياً: لم يعد السؤال من ينتصر في المعركة، بل أي بنية تنظيمية ستنجح في إعادة ضبط الإقليم بعد الصدمة.

في التحليل المصفوفي لا يُقرأ الإقليم بوصفه خريطة دول، بل كنظام تشغيل تتقاطع داخله منافذ تدفق القوة مع مخزونات التنظيم التي تحفظ استقراره. ما يسمى عادةً “النظام الإقليمي” ليس كياناً ثابتاً، بل نتيجة مؤقتة لهذه التقاطعات. الحروب التقليدية تعمل داخل هذه البنية وتستهلك مواردها، أما الحروب التحويلية فتضغط على هذه التقاطعات حتى تدفعها إلى إعادة التنظيم.

يمكن فهم البنية التنظيمية للإقليم عبر مصفوفة تتقاطع فيها سبعة منافذ لإدخال القوة مع سبعة مخزونات تنظيمية. منافذ القوة الأساسية هي: المجال الجوي، المجال البحري، مسارات الطاقة، شبكات البيانات والإنذار المبكر، اللوجستيات العسكرية، التمويل والمخاطر الاقتصادية، والزمن العملياتي الذي يحدد إيقاع القرار. هذه التدفقات لا تعمل في الفراغ؛ فهي تُنظَّم عبر مخزونات تحفظ تماسك البنية: الردع، السيطرة، التنسيق الشبكي، القدرة على إعادة التنظيم، امتصاص الصدمات، توسيع المجال العملياتي، وضبط الإيقاع الزمني للصراع.

عند تقاطع هذه المحاور تتولد الوظائف الفعلية التي تجعل الإقليم قابلاً للتنظيم. فالدفاع الجوي مثلاً ليس مجرد امتلاك منظومات صاروخية، بل نتيجة تقاطع المجال الجوي مع مخزون الردع والسيطرة. وضبط الممرات البحرية ليس قضية بحرية محضة، بل نتيجة تفاعل البحر مع مخزون السيطرة واللوجستيات. أما شبكات القيادة والسيطرة فتتشكل عند تقاطع البيانات مع التنسيق العملياتي الذي يسمح بتوحيد الفعل العسكري والسياسي.

الحرب الجارية في الشرق الأوسط تكشف بوضوح أن الصراع تجاوز مستوى الاشتباك العسكري المباشر إلى مستوى اختبار هذه التقاطعات المصفوفية نفسها. الممرات البحرية الحيوية، على سبيل المثال، لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل تحولت إلى عقد تنظيمية تضغط على البنية الإقليمية بكاملها. عندما يتعطل ممر بحري رئيسي لا يبقى الأثر محصوراً في البحر؛ بل ينتقل فوراً إلى الطاقة والتأمين واللوجستيات والتمويل. أي أن منفذاً واحداً من منافذ القوة يمكن أن يضغط على عدة تقاطعات في المصفوفة دفعة واحدة.

في هذه اللحظة تظهر ما يمكن تسميته الفجوة التنظيمية. تعقيد التدفقات يصبح أعلى من قدرة المخزونات التنظيمية على ضبطها. في المنطق المصفوفي لا تمثل الفجوة خللاً عرضياً، بل ضغطاً يولّد إعادة التنظيم. غير أن الفجوة قد تتسع إلى درجة تتجاوز قدرة النظام على الامتصاص، وعندها تظهر لحظة أخطر: القطع البنيوي.

يحدث القطع عندما تتعطل الوظائف التي تسمح للبنية بإعادة تنظيم نفسها—مثل القيادة والسيطرة أو ضبط الإيقاع الزمني للقرار. في هذه الحالة لا يتوقف الفعل العسكري، بل يتحول إلى سلسلة ردود غير منسقة. القوة المادية تبقى موجودة، لكن القدرة على تنظيمها تتآكل. هذه هي اللحظة التي يمكن وصفها بـ النظام بلا مركز: تتعدد مراكز القرار، تتسارع المبادرات المحلية، ويتحول الصراع من مواجهة بين نظامين إلى اضطراب داخل شبكة إقليمية واحدة.

غير أن الفراغ البنيوي لا يستمر طويلاً. فالبنى الإقليمية تمتلك ميلاً قوياً لإعادة التنظيم. عندما يعجز مركز قديم عن ضبط الشبكة، تبدأ عملية إعادة تركيب على مستوى أوسع. تظهر هذه العملية عادة في دمج أنظمة الدفاع، توحيد شبكات الإنذار المبكر، إعادة توزيع أدوار الحماية البحرية، أو تحويل الممرات الحيوية للطاقة إلى أدوات ضبط مشتركة. هذه التحولات ليست مجرد إجراءات عسكرية؛ إنها إعادة بناء مصفوفة السيطرة الإقليمية.

في هذا السياق يصبح إدخال الزمن العملياتي في قلب التحليل أمراً حاسماً. فالقوة في الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الموارد أو عدد الأسلحة، بل بقدرة الفاعلين على فرض إيقاع الزمن داخل البنية الإقليمية. من يحدد سرعة القرار، ويضبط توقيت الرد، ويقرر إيقاع التصعيد أو التهدئة، يمتلك في الواقع القدرة على توجيه المصفوفة قبل أن تُحسم المعركة ميدانياً. الزمن هنا ليس عاملاً خارجياً، بل أحد منافذ القوة التي تعيد تشكيل النظام.

لهذا السبب لا تُقاس الحروب التي تعيد تركيب الإقليم بما تدمره من قوة مادية فحسب، بل بما تعيد توزيعه من عُقد التحكم داخل المصفوفة. عندما تتغير الجهة التي تضبط الممرات البحرية، أو التي تتحكم في شبكات الإنذار المبكر، أو التي تحدد سقف الردع، فإن البنية التي يعمل داخلها الإقليم كله تكون قد تغيرت؛ حتى وإن بقيت الحدود والجيوش كما هي.

بهذا المعنى، ما يجري في الشرق الأوسط اليوم يتجاوز كونه حرب جبهات. إنه صراع على إعادة تنظيم تقاطعات حاسمة في المصفوفة الإقليمية: البحر، الطاقة، البيانات، والزمن العملياتي الذي يحدد سرعة القرار وإيقاع الرد. النتيجة النهائية لن تُقاس فقط بمن يربح معركة هنا أو هناك، بل بالبنية التنظيمية التي ستستقر بعد انتهاء موجة الصدمات.

الحروب التي تغيّر الإقليم لا تنتهي عندما تتوقف المعارك،
بل عندما تُفرض مصفوفة السيطرة الجديدة التي سيعمل داخلها الإقليم كله.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- ترامب يكشف ما دار بينه وبين بوتين في أول اتصال منذ اندلاع حر ...
- -قضينا على قدرات إيران النووية-.. ترامب: العملية العسكرية ست ...
- الشرع يؤيد مسعى الرئيس اللبناني لنزع سلاح حزب الله
- حزب الله يوسع هجماته ويضرب العمق الإسرائيلي.. وإسرائيل تكثف ...
- مباشر: ترامب يؤكد أن الحرب على إيران -ستتوقف قريبا-
- عاجل | سانا عن الجيش السوري: ميليشيات حزب الله أطلقت قذائف ب ...
- بعد هجومين صاروخيين.. إيران تعرض تحقيقا مشتركا على تركيا
- المشاريع الكبرى والاستراتيجية: بيع للوهم في دولة تتسوّل أجور ...
- اتصال ساعة بين ترامب وبوتين لبحث حربي إيران وأوكرانيا
- انفجارات تهز طهران.. وإسرائيل تعلن موجة ضربات جديدة


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع القوة والردع والطاقة والزمن العملياتي في الشرق الأوسط