أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية الإغلاق














المزيد.....

ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية الإغلاق


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 17:37
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن الأيديولوجيات، تاريخياً، مجرّد أدوات سياسية أو برامج حكم، بل كانت مصادر نهائية للمعنى. اليمين واليسار—على اختلاف محتواهما—اشتركا في وظيفة واحدة: تقديم سردية شاملة تُغلق الواقع حول معنى قابل للثبات أو للتحقق. بهذه القدرة على الإغلاق، استمدّت الأيديولوجيا شرعيتها، وبهذه القدرة أيضاً نظّمت الصراع واحتوت التناقضات وأنتجت الاستقرار النسبي.

اليوم، هذه الوظيفة بالتحديد تدخل طور الأزمة. لا لأن الأيديولوجيات فقدت أنصارها، بل لأن الشرط الزمني والبنيوي الذي جعل الإغلاق ممكناً لم يعد قائماً.



الأيديولوجيا كجهاز إغلاق

سواء تجلّت في صورة يمين محافظ يؤسّس المعنى على الراسخ (الدين، الأمة، الطبيعة، النظام)، أو في صورة يسار تقدّمي يؤسّس المعنى على الغاية (التحرر، العدالة النهائية، التقدّم التاريخي)، كانت الأيديولوجيا تقوم بالعمل نفسه: اختزال التعقيد في معنى واحد، وتحويل التناقض إلى مسار يمكن السيطرة عليه.

هذا العمل يفترض زمناً خطياً، ودورة قرار تسمح بالحسم، وواقعاً قابلاً للتثبيت. حين كانت هذه الشروط متوافرة، عملت الأيديولوجيات بكفاءة متفاوتة. وحين تتلاشى، تتعطّل الوظيفة لا الفكرة فقط.



ملاحظة منهجية حول مستوى التحليل

يعتمد هذا النص مستوىً تحليلياً بنيوياً–زمنياً، ويتعمّد الامتناع عن الأمثلة الظرفية أو الحالات التطبيقية المباشرة. فالغاية هنا ليست توصيف ظاهرة بعينها أو تحليل واقعة سياسية محددة، بل تشخيص شرط عام سابق على الحالات، تعمل ضمنه الوقائع السياسية والتقنية والاجتماعية بوصفها أعراضاً لا أسباباً.
إن إدخال أمثلة ظرفية في هذا المستوى من التحليل من شأنه أن يختزل التشخيص البنيوي في سجال سياقي، وهو ما يتعارض مع مقصود النص.



تغيّر الزمن السياسي

ما تغيّر في العقدين الأخيرين ليس توازن القوى فحسب، بل بنية الزمن السياسي ذاته. الواقع بات أسرع من القرار، والتشابك السببي بات أعمق من أي سردية، والأحداث باتت تولّد آثاراً تتجاوز ساحاتها فوراً. في مثل هذا السياق، تتحوّل محاولات الإغلاق—أيّاً كان مصدرها—من أدوات استقرار إلى مُضاعِفات للفجوة.

هنا، يفشل اليمين حين يسعى إلى تثبيت معنى لم يعد قابلاً للتثبيت، ويفشل اليسار حين يسعى إلى تحقيق غاية لم يعد الزمن يسمح ببلوغها. الاختلاف في المحتوى، لا في الحدّ البنيوي الذي يصطدم به الطرفان.



من إنتاج المعنى إلى فرضه

حين تفقد الأيديولوجيا قدرتها على إنتاج معنى يعمل تلقائياً داخل المجتمع، تنتقل قسراً من موقع الإنتاج إلى موقع الفرض. تصبح الهوية أكثر حدّة، والخطاب أكثر يقينية، والأدوات أكثر قسوة. هذه ليست علامات قوّة، بل مؤشرات عجز وظيفي: محاولة إنقاذ وظيفة الإغلاق بعد أن فقدها الزمن.

لهذا تتشابه أعراض الأزمة عبر الأيديولوجيات المتعارضة: تشدّد، استقطاب، حنين قسري، ومبالغة في استخدام أدوات الضبط. الجميع يدافع عن معنى يتآكل، لا لأن البديل واضح، بل لأن الاعتراف بنهاية الإغلاق مكلف سياسياً ونفسياً.



الأيديولوجيا بين المعنى والسلطة

لا ينطلق هذا التشخيص من إنكار البعد السلطوي للأيديولوجيا، ولا من افتراض أنها مجرّد منظومة أفكار. على العكس، يعترف النص بأن الأيديولوجيا كانت—ولا تزال—أداة سلطة وتنظيم وضبط. غير أن أطروحته الأساسية تميّز بين الأيديولوجيا بوصفها أداة قمع، والأيديولوجيا بوصفها آلية إغلاق فعّالة.

ما يدخل طور الأزمة اليوم ليس استخدام الأيديولوجيا كوسيلة فرض، بل قدرتها على إنتاج استقرار ناتج عن قبول ضمني أو توافق سردي. حتى حين تُستخدم الأيديولوجيا قسراً، فإنها تفقد قدرتها على الإغلاق، وتتحوّل من أداة ضبط إلى مولّد اختلالات جديدة، بما في ذلك تعميق الاستقطاب وتسريع فقدان الشرعية.



الأزمة المزدوجة

نحن، إذن، أمام أزمة مزدوجة:
• سقوط المعنى الراسخ (يمين)،
• وسقوط المعنى الغائي (يسار)،
في لحظة تاريخية واحدة.

هذه ليست هزيمة تيار لصالح آخر، بل تراجع نموذج الأيديولوجيا بوصفها جهازاً لإغلاق الواقع. ومن هنا يخطئ من ينتظر انتقالاً بسيطاً من يمين إلى يسار أو العكس؛ فالحدّ الذي اصطدم به الطرفان واحد.



في حدود الاستشراف: لماذا لا يُسمّى البديل؟

قد يبدو أن هذا النص يتجنّب توصيف “بديل” واضح لما بعد الأيديولوجيا. غير أن هذا التجنّب ليس نقصاً في الاستشراف، بل موقفاً منهجياً واعياً. فكل تسمية لبديل مغلق—سواء أكانت تكنوقراطية، ذرائعية، حوكمة شاملة، أو غيرها—تعني عملياً إعادة إنتاج أيديولوجيا جديدة، أي جهاز إغلاق آخر.

لذلك، يكتفي النص بتحديد خصائص سلبية لما بعد الأيديولوجيا:
لا نهائي، لا شمولي، غير غائي، وقابل للتعديل.
أما الأشكال التنظيمية والسياسية التي قد تنشأ ضمن هذا الأفق، فتبقى مفتوحة بحكم طبيعتها، لأنها تعمل داخل فجوات معترف بها لا مغلقة قسراً.



خاتمة

ما نعيشه ليس أفول يمين أو يسار، بل أفول فكرة أن للواقع معنى أخيراً يمكن تثبيته أو تحقيقه. الأيديولوجيات، وقد بُنيت على هذا الافتراض، تجد نفسها اليوم خارج زمن يتشكّل بسرعة لا تسمح بالإغلاق.

من يواصل التفكير بمنطق المعنى النهائي—أيّاً كان موقعه—لن يكون مخطئاً أخلاقياً بقدر ما سيكون غير قابل للتشغيل زمنياً. وهنا مكمن الاستشراف الحقيقي: المستقبل لا ينتمي لمن يملك السردية الأشد، بل لمن يستطيع العمل داخل عالمٍ فقد خاصية الإغلاق، دون أن يَعِد بما لم يعد ممكناً.



— توقيع منهجي | قصي مسلط الهويدي
هذا المقال يستند إلى قراءة تكوينية لأزمة الأيديولوجيا (خاصة للمؤلف) بوصفها أزمة معنى ناتجة عن تفكك قابلية الإغلاق في الزمن السياسي المعاصر.
اللغة وسيلة تحليل؛ المنهج هو الدليل.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- ألمانيا: قرارات إسرائيل تصعب دعم الضفة وتقوض فرص السلام وحل ...
- فيضانات المغرب: استجابة بحجم الكارثة؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مصادر: مسؤولون بإدارة ترمب ناقشوا ...
- نتنياهو يحلق إلى واشنطن عبر أجواء أوروبية رغم مذكرة التوقيف ...
- ترامب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أو صواريخ  
- مليونية الجنوب تجدد التفويض للزبيدي وتتمسك باستعادة الدولة
- سنتكوم: تموضع قواتنا في المنطقة يضمن مواجهة التحديات الراهنة ...
- اختفاء والدة مذيعة يهز أميركا.. ونشر فيديو -مسلح على الباب- ...
- المستشفى الإماراتي العائم في العريش يفتتح قسما لغسيل الكلى
- عقوبات جديدة.. شبكة تمويل -حزب الله- في مرمى واشنطن


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية الإغلاق