أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار الحلول؟














المزيد.....

بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار الحلول؟


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 16:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من التشخيص.
فما كان يُقال همساً قبل سنوات، أصبح اليوم واقعاً صريحاً لا يختلف عليه اثنان.

الواقع يتحوّل بوتيرة تتجاوز زمن القرار، والدولة الحديثة فقدت قدرتها على الضبط والتنبؤ والتشريع الاستباقي، بل وحتى التشريع المتزامن. وفي الوقت نفسه، دخلت المنظومة الاقتصادية العالمية أزمة بنيوية عميقة نتيجة تسييس الأسواق، وتفكك قواعد التجارة، وتآكل دور الدولة بوصفها ضابط الإيقاع بين المجتمع والسوق.

العولمة، بصورتها التي عرفناها منذ نهاية الحرب الباردة، انتهت فعلياً، حتى وإن استمر اسمها في الخطاب السياسي. ما نعيشه اليوم هو عولمة مجزّأة، تقوم على كتل اقتصادية، وسلاسل قيمة مسيّسة، وتوازنات قسرية لا تسمح بالاستقرار طويل الأمد.

في هذا السياق، برزت الصين كنظام أقل مساءلة، وأكثر قدرة على المناورة في زمن الفوضى. ليس لأنها “أفضل”، بل لأنها قادرة على اتخاذ قرارات سريعة، وتحمل كلف اجتماعية وسياسية أعلى. هذا الواقع وضع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أمام مأزق مزدوج: فهو لا يستطيع تبنّي النموذج الصيني دون تقويض بنيته السياسية والقيمية، ولا يستطيع مجابهته بالأدوات الليبرالية التي صُمّمت لعالم أبطأ وأكثر استقراراً.

أما الشرق الأوسط، فقد عاد إلى الواجهة لا بوصفه منطقة استقرار محتملة، بل كمفصل جغرافي–اقتصادي في صراع عالمي على الطاقة وسلاسل القيمة والممرات التجارية. وتتقاطع ملفات الإقليم عند عقدة مركزية—إيران—من دون أن تكون وحدها أصل الإشكال، لكنها تشكّل نقطة إعادة تشبيك مستمرة للأزمات.

الخلاصة التي باتت واضحة هي أن الاستقرار الكلاسيكي، بمعناه المعروف، لم يعد ممكناً. والبديل الوحيد المتاح هو الضبط المؤقت ومنع الانهيارات المتسلسلة.

من هنا، لم يعد السؤال: ما الذي يحدث؟
بل: ما الذي يمكن فعله، فعلياً، بعد استنفاد كل الأدوات القديمة؟

أول هذه المسارات هو القبول الصريح بنهاية العولمة الصافية. فالتمسك بنموذج انتهت شروطه لا يعيده، بل يرفع كلفة انهياره. الاعتراف بعولمة مجزّأة لا يحل الأزمة، لكنه يوقف النزيف ويمنع الانهيار الشامل للنظام التجاري العالمي.

ثانيها، تفكيك الاحتكار الصيني لا استبداله. الحديث عن “بديل للصين” وهم استراتيجي. فالصين ليست مجرد مصنع، بل منظومة متكاملة من البنية التحتية واللوجستيات والسوق الداخلي وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات. الاستراتيجية الواقعية تقوم على تفكيك التركّز، وتوزيع سلاسل القيمة، والقبول بكفاءة أقل مقابل مخاطر أقل. الهند، جنوب شرق آسيا، المكسيك، أوروبا الشرقية، والشرق الأوسط كمفصل لا كمصنع شامل، كلها عناصر في هذا المسار البطيء والمكلف، لكنه الوحيد القادر على تقليل الابتزاز البنيوي في المدى المتوسط.

ثالثها، إعادة تعريف دور الشرق الأوسط. فالوهم الأكبر هو الحديث عن “استقرار” الإقليم. المطلوب عملياً ليس ديمقراطية شاملة، ولا دولة–أمة مكتملة، ولا سلاماً تاريخياً، بل تأمين الحد الأدنى من أمن الطاقة، وأمن الممرات التجارية، ومنع الانفجارات الكبرى. أي إدارة جغرافيا عالية الخطورة بأدنى حد من الانفجار. وهذا يقتضي القبول بأن بعض الأنظمة ستبقى هشة، وبعض الصراعات ستظل مجمّدة، وبعض المناطق ستدار أمنياً لا سياسياً، ليس لأنه خيار أخلاقي، بل لأنه الخيار التشغيلي الوحيد المتاح.

رابعها، التعامل مع العقدة الإيرانية بلا أوهام. فالملف الإيراني لا يُحسم بالخطابات. الخيارات الواقعية محصورة في ثلاثة مسارات: احتواء شبكي عبر تفكيك شبكات النفوذ والتمويل، أو كسر محدود لكسر حالة الاستعصاء حين تتشابك الملفات إلى حد الشلل، أو استنزاف مُدار يمنع التمدد دون تفجير شامل. كل خيار مكلف، والسؤال الحقيقي ليس أيها أفضل، بل متى تصبح كلفة اختياره أقل من كلفة ترك الوضع على حاله.

خامسها، التخلي عن البحث عن حلول نهائية، وبناء فواصل احتواء بدلاً من ذلك. في هذا الطور من التاريخ، الحلول النهائية ليست طموحة، بل خطِرة. البديل هو بناء فواصل واضحة في ملفات الملاحة، والطاقة، والأسواق المالية، ونقاط الاحتكاك الإقليمي. هذا منطق إدارة حرائق، لا إعادة بناء عالم.

أما المسار السادس، وهو الأهم والأصعب، فيتعلق بالإصلاح الداخلي الغربي نفسه. فكل ما سبق لن يصمد إذا لم تُرفع القدرة التكيفية داخل الدول الغربية. الأزمة ليست خارجية فقط. الدولة الغربية تعاني بطء القرار، وتضخم البيروقراطية، وتشريعاً متأخراً، وتآكلاً في الثقة. من دون تقصير دورات القرار، وتحديث أدوات الدولة، وقبول الفشل الجزئي والتصحيح السريع، سيفشل أي ترتيب خارجي مهما بدا محكماً.

نحن، إذاً، بعد مرحلة التشخيص، وبعد مرحلة الوهم.
لم يتبقَّ لا حلول شاملة، ولا مشاريع خلاص، بل خيارات مؤلمة بين إدارة الفوضى، أو تركها تنفجر.

السؤال الحقيقي الذي يواجه صانع القرار العالمي اليوم ليس: كيف نُنقذ العالم؟
بل: أي خسارة يمكن تحمّلها… وأيها لا؟

هذه ليست لحظة سياسة كبرى، بل لحظة حساب بارد.
ومن لا يدرك ذلك، سيواصل اقتراح حلول جميلة لعالمٍ لم يعد موجوداً



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- جاستن بيبر يكشف عن وشم لصورة زوجته هايلي في حفل غرامي
- رأي.. كاثرين راسل تكتب: الأطفال في صميم الأخوّة الإنسانية.. ...
- أخبار اليوم: إجلاء 50 ألف شخص تحسبا لفيضانات في المغرب
- فتح معبر رفح أمام عدد محدود من الأشخاص يوميا وإجلاء دفعة أول ...
- بين -اللاءات- والمطالب.. ماذا يحمل وفد إيران لمفاوضات تركيا؟ ...
- خمسة مواقع.. الحكومة المصرية تكشف لغز الروائح الكريهة في منا ...
- القضاء الفرنسي يلاحق إسرائيليتَين بتهمة التواطؤ في الإبادة ب ...
- حضور عربي وإقليمي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية المرتقبة ...
- رعاية صحية أم سوق طبية؟
- القوات الكردية تفرض حظر تجوّل في القامشلي قبيل دخول قوات الأ ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي مسلط الهويدي - بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار الحلول؟