قصي مسلط الهويدي
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 18:31
المحور:
قضايا ثقافية
الملخص
تتناول هذه الدراسة البنية العقدية التي يستند إليها المشروع السلفي الجهادي في تأويله السياسي الشمولي، من حيث قدرتها المحتملة على إعادة تشكيل وعي الفرد والجماعة، وإنتاج الانتماء، واستقطاب المهمَّشين، وإعادة إنتاج شروط استمرارها وانتشارها مستقبلاً.
وتنطلق من فرضية أن القوة التأثيرية لهذا البناء لا تنبع من العقائد التي يتضمنها منفردة، وإنما من اقترانها داخل نسق يقدم للإنسان تصوراً شاملاً لاكتمال وجوده، يبدأ بإعادة تحديد قيمته ومكانته، ويمتد إلى علاقاته بالآخرين، ومصيره الأخروي، وموقعه من السلطة والحقيقة والعالم.
وتحدد الدراسة علاقتين تأسيسيتين متداخلتين: السيادة بالخضوع، حيث يصبح امتثال الفرد للمرجعية العقدية العليا شرطاً لاستحقاق ولايته على من يدخلون ضمن نطاق رعايته؛ والاكتمال السيادي، حيث يُعاد تعريف تحقيق الذات بحيث لا يعود امتلاك الموارد أو الإنجاز الشخصي شرطاً لاكتمال الموقع الإنساني والاجتماعي، ما دام الانتماء يمنح الفرد ولاية معترفاً بها، ويجعل الخضوع والرضا مطلوبين ممن تشملهم تلك الولاية.
وتجادل الدراسة بأن اقتران هاتين العلاقتين، عندما يتحول إلى ممارسة اجتماعية نافذة، قد يمنح البناء العقدي قوة تأثيرية تختلف نوعياً عن قوة الوعود الاعتقادية المجردة. فالمهمَّش لا يُعرض عليه مستقبل تتحسن فيه مكانته فحسب، بل موقع جديد يمكن أن يتحقق فوراً دون اشتراط تجاوزه الفعلي لعوزه. وبذلك يصبح الانتماء، في تصوره، طريقاً إلى اكتمال ذاته، فيما تتحول العلاقات اليومية إلى مجال لتأكيد صحة المرجعية التي منحت ذلك الاكتمال.
وتتناول الدراسة الأهمية الخاصة لهذه البنية بالنسبة إلى المراهقين، واحتمال انتقال أثرها من الاستقطاب الفردي إلى تكوين الوعي الجمعي وإعادة الإنتاج عبر الأجيال. كما تميز بين القوة التكوينية الممكنة للبناء العقدي وبين تحقق نتائجها التاريخية، وتطرح امتداده المستقبلي بوصفه مسألة تتطلب اختباراً مستقلاً، لا نتيجة حتمية مستخلصة من العقيدة وحدها.
الكلمات المفتاحية: السلفية الجهادية، السيادة بالخضوع، الاكتمال السيادي، التهميش الجذري، تحقيق الذات، الخضوع الطوعي، تكوين الوعي، الاستقطاب العقدي، إعادة الإنتاج الجمعي.
⸻
مقدمة: السؤال عن قدرة المعتقد على إنتاج الإنسان الذي يحمله
لا تتحدد خطورة المعتقدات الشمولية بمجرد مضمون أحكامها أو مقدار ما تتضمنه من تعصب أو إقصاء أو نزعة إلى الهيمنة. وقد يكون الاكتفاء بهذه العناصر سبباً في إغفال قدرة بعض الأبنية العقدية على التأثير في الشروط التي يتكون من خلالها وعي الإنسان بذاته وبالآخرين والعالم.
فالمعتقد ليس بالضرورة مجموعة أفكار يتبناها الإنسان بعد أن يكتمل وعيه؛ إذ يمكن أن يتحول، حين ينتظم في نسق شامل ونافذ، إلى مرجعية تشارك في تحديد ما يراه الإنسان قيمةً وحقاً وواجباً، وما يعتبره حرية أو خضوعاً، وما يتصوره تحقيقاً لذاته، وما يقبله دليلاً على صحة أحكامه.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال حين يجمع البناء العقدي بين وعد بالخلاص الدنيوي والأخروي، وتوزيع لمواقع السلطة والولاية، وإعادة تعريف المكانة الإنسانية، وإضفاء المشروعية المقدسة على علاقات الخضوع.
لكن هذه العناصر، مهما بلغت أهميتها، لا تكشف وحدها خصوصية البناء الذي تتناوله الدراسة. فالإيمان بالخلاص، والامتياز الذكوري، والطاعة للسلطة، والاعتقاد بعالمية الحقيقة، عناصر موجودة بدرجات وصور مختلفة في تجارب دينية واجتماعية متعددة.
إن المسألة الحاسمة ليست وجود هذه العناصر، بل طبيعة اقترانها، وما يمكن أن ينتج عن هذا الاقتران من علاقة يعجز تحليل كل عنصر منفرداً عن تفسيرها.
وتتمثل الفرضية المركزية للدراسة في أن التوظيف السياسي الشمولي لبعض المضامين العقدية يستطيع تأسيس علاقة يتلازم فيها الخضوع والسيادة، ثم اقتران هذه العلاقة بإعادة تعريف تحقيق الذات والاكتفاء الإنساني، بحيث يصبح الانتماء إلى المرجعية مصدراً لموقع اعتباري وسلطوي يستطيع الفرد اكتسابه دون اشتراط امتلاك الموارد التي افتقر إليها داخل النظام الاجتماعي السابق.
ومن هنا لا تعود القضية: لماذا يقتنع الإنسان المهمَّش بمعتقد معين؟
بل تصبح: كيف يستطيع بناء عقدي أن يجعل المهمَّش يرى في الانتماء إليه تحققاً لوجوده، وأن يحوّل ذلك التحقق إلى علاقة معيشة يعيد من خلالها إنتاج اقتناعه بالمعتقد نفسه؟
ولا تبحث الدراسة في تاريخ التنظيمات الجهادية أو في بنيتها العسكرية والسياسية، ولا في تطور أساليب تجنيدها. موضوعها هو البناء العقدي القابل للتوظيف السياسي، وما يمكن اشتقاقه من علاقاته الداخلية بشأن تكوين الوعي والانتماء والمكانة والسلطة.
كما لا تنطلق الدراسة من افتراض أن السلفية الجهادية تعبير مطابق لجميع أشكال السلفية أو الإسلام، أو أن جميع المؤمنين بتأويل معين يستبطنون نتائجه السلطوية بالدرجة نفسها.
وإنما تبحث في نموذج عقدي سياسي محدد، تتحدد خصائصه بقدر ما يُثبت التحليل اقترانها، لا بمجرد نسبتها إلى عنوان مذهبي عام.
أولاً: المهمَّش بوصفه إنساناً محروم الموقع، لا الموارد وحدها
لا يمثل الفقر، مهما بلغت شدته، تعريفاً كافياً للتهميش. فالفقر يتعلق بموارد الحياة وإمكانات الحصول عليها، بينما يتعلق التهميش أيضاً بموقع الإنسان من علاقات الاعتراف والفاعلية والسلطة وإنتاج المعايير.
وقد يكون الإنسان فقيراً، لكنه يمتلك موقعاً اجتماعياً معتبراً وقدرةً على التأثير في حياته. وقد يكون غير معدم، لكنه محروم من الاعتراف والمشاركة والاستقلال وتحقيق الذات.
وعليه، فإن التهميش الجذري لا يعني افتقار الإنسان إلى الأشياء وحدها، بل اختلال علاقته بالعالم الذي يعيش فيه: إنه لا يملك، أو يملك بصورة محدودة، الشروط التي يستطيع من خلالها تحويل وجوده إلى مكانة معترف بها وفاعلية مؤثرة.
لكن هذا التعريف يكشف مشكلة أعمق. فالحرمان لا يتحدد بما يفتقده الإنسان فحسب، بل بالمعايير التي يُقاس بها ما يفتقده.
إذا كانت المكانة الاجتماعية مشروطة بالثروة أو المعرفة أو النفوذ أو النسب أو الإنجاز، فإن المحروم من هذه الشروط يجد نفسه في موقع أدنى، حتى عندما لا يكون عاجزاً عن تلبية حاجاته الأساسية.
أما إذا ظهر بناء عقدي يعيد تعريف مصدر القيمة الإنسانية، بحيث تصبح القيمة العليا مستمدة من الإيمان والانتماء، فإن ذلك يستطيع إحداث تحول في تصور الفرد لموقعه، دون أن يتغير مقدار ما يمتلكه.
إنه لا ينتقل بالضرورة إلى مرتبة أعلى داخل التراتب السابق؛ بل يصبح قادراً، في وعيه، على إعادة تقويم ذلك التراتب كله انطلاقاً من معيار جديد.
فالثري غير المؤمن، والعالم غير المؤمن، وصاحب السلطة غير المؤمن، قد يصبحون، وفق هذا التصور، أدنى منزلة معيارية من المؤمن الفقير.
ولا ينشأ التفوق هنا من امتلاك موارد جديدة، وإنما من تغيير المعيار الذي تُقاس به المكانة.
وتكمن أهمية هذه النقلة في أنها تفصل الاعتراف بالقيمة عن شروط الإنجاز والامتلاك التي ظل المهمَّش عاجزاً عن تحقيقها.
ومع ذلك، يبقى هذا التحول ناقصاً إذا اقتصر على إعادة تعريف القيمة بصورة رمزية.
فالخصوصية الأشد تأثيراً تظهر عندما يُترجم التفوق الاعتقادي إلى موقع ولاية يستطيع صاحبه ممارسته في حياته المباشرة.
ثانياً: من الاعتراف بالقيمة إلى منح موقع سيادي
هناك اختلاف تأسيسي بين معتقد يقول للإنسان إنه ذو قيمة، ومعتقد يمنحه موقعاً للولاية على آخرين.
فالكرامة يمكن أن تكون متساوية بين البشر دون أن تستلزم خضوع أحدهم للآخر. والاعتراف بالإنسان لا يقتضي أن يمتلك سلطة على غيره.
لكن البناء العقدي السلطوي يستطيع أن يربط الاعتراف بالقيمة باستحقاق الولاية، وأن يجعل الولاية تعبيراً مباشراً عن الموقع الذي يمنحه الانتماء.
وهنا يتحول التفوق من حكم اعتقادي بشأن الذات إلى علاقة بين أشخاص.
فالفرد لا يكتفي بالاعتقاد بأنه أسمى منزلة، بل يصبح موقعه متحققاً، في المجال الذي يُعترف له بالولاية عليه، من خلال خضوع الآخرين له.
ومن ثم لا يمكن فهم هذا الامتياز بوصفه خاصية فردية مستقلة؛ لأن السيادة علاقة تتطلب طرفاً مقابلاً، ولا يتحقق موقع صاحبها إلا ضمن شبكة من العلاقات التي تسمح بممارستها.
إن صاحب الولاية لا يكون سيداً بمجرد اعتقاده باستحقاق السيادة؛ بل بوجود علاقة تعترف له بحق إصدار الأوامر وتلزم الآخرين، وفق نظامها المعياري، بالامتثال.
وبذلك يصبح التحول في موقع الفرد مشروطاً بإعادة تحديد مواقع أشخاص آخرين.
وهذا التلازم هو ما يجعل السيادة عقدياً أكثر من مجرد شعور بالتفوق، ويجعلها اجتماعياً أكثر من مجرد وعد معنوي.
فهي تعيد تنظيم العلاقات القائمة، وتحدد داخلها صاحب الأمر والمطالب بالامتثال، ومصدر المشروعية الذي يمنح العلاقة صفتها الإلزامية.
ثالثاً: تعميم السيادة عبر توزيع مواقع الولاية
في التراتب السياسي المعتاد، لا يشغل الجميع مواقع السلطة العليا. فكلما ارتفعنا في الهرم تقلص عدد أصحاب القرار، واتسعت قاعدة الخاضعين.
غير أن البناء العقدي الذي ندرسه يستطيع تقديم تصور مختلف لتوزيع السلطة.
فليس مطلوباً من الفرد أن يصبح حاكماً أو قائداً حتى يمتلك موقعاً للولاية. وقد يكون خاضعاً لسلطة عامة، لكنه صاحب ولاية داخل أسرته، أو مسؤولاً عن مجال أضيق تجري العلاقات فيه وفق المرجعية نفسها.
وهنا تبرز إمكانية التوظيف السياسي لعبارة «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته».
فالقضية ليست الادعاء بأن النص يقرر بذاته سيادة مطلقة لكل فرد؛ بل إن التأويل السياسي السلطوي يستطيع تحويل عموم الرعاية إلى عموم الولاية، ثم تحويل الولاية من تكليف بالمسؤولية إلى استحقاق للطاعة.
ولأن مجالات الرعاية والمسؤولية تتداخل وتمتد إلى الحياة الأسرية والاجتماعية، يصبح ممكناً تصوير كل فرد تقريباً بوصفه صاحب موقع داخل شبكة من الولايات، وإن تفاوتت طبيعة هذه المواقع وقدراتها.
ويترتب على ذلك احتمال بالغ الأهمية:
يمكن أن تُعمَّم صفة المشاركة في السيادة، دون أن تُعمَّم السلطة السياسية العليا، أو تُلغى التفاوتات بين الأفراد.
وهنا لا يقدم المشروع لأتباعه وعداً متساوياً بالوصول إلى قمة السلطة، بل يعرض عليهم مواقع متباينة يُعترف لكل منها بقدر من الولاية.
فالفرد الذي لا يملك سلطة على النظام الاجتماعي الذي يعيش فيه قد يمتلك، داخل هذا التصور، مجالاً يعتبر نفسه صاحب السلطة العليا فيه.
والنقطة الأهم أن هذا المجال لا يتطلب بالضرورة ثروة أو معرفة أو كفاءة أو إنجازاً استثنائياً.
إن الولاية تُشتق من الموقع الذي تحدده المرجعية العقدية، لا من إثبات تفوق الشخص الذي تُمنح له.
لكن تعميم مواقع الولاية لا يعني أن الجميع يمتلكون سلطة متماثلة، ولا أن كل ولاية تُمارس فعلياً دون حدود. إنما يعني أن البناء يستطيع إنتاج إحساس واسع باستحقاق السلطة داخل مجالات متفاوتة، مع استمرار خضوع أصحابها لمواقع تعلوهم.
وهنا تتكون المفارقة المركزية.
رابعاً: السيادة بالخضوع — القانون الداخلي للمفارقة العقدية
إذا كانت الولاية تستمد مشروعيتها من مرجعية عقدية عليا، فإن الفرد لا يمتلك هذه الولاية بوصفه مصدراً مستقلاً للسلطة.
إنه يستحقها، وفق البناء الذي نحلله، لأنه خاضع للمرجعية التي تمنحها وتحدد مجالها.
وعليه، يصبح الخضوع شرطاً للسيادة.
وفي المقابل، فإن ممارسة الفرد لولايته على غيره تمثل، في تصوره، إنفاذاً للمرجعية التي يخضع لها.
وبهذا لا تظهر السيادة والخضوع بوصفهما حالتين متعارضتين، بل بوصفهما موقعين متلازمين داخل بنية واحدة.
يخضع الفرد للمرجعية العليا لكي يستحق السيادة في مجاله؛ ويمارس السيادة في مجاله بوصفها تحقيقاً لخضوعه للمرجعية العليا.
ولا تتوقف أهمية هذه العلاقة عند حدود توزيع السلطة.
فهي تتيح إعادة تعريف معنى الخضوع نفسه.
في التصور المعتاد، قد يكون الخضوع تنازلاً عن قدر من الاستقلال أو الإرادة. أما هنا فيمكن تقديمه بوصفه الطريق إلى اكتساب الموقع الذي تتحقق فيه قيمة الإنسان وفاعليته.
فالفرد لا يُطلب منه، بحسب المنطق الداخلي لهذا البناء، التخلي عن ذاته لمصلحة سلطة تعلوه؛ بل يُقال له إن ذاته لا تكتمل إلا بخضوعها لهذه السلطة.
وهكذا يصبح الاعتراض على المرجعية، في وعي من يستبطن هذا التصور، تهديداً لمصدر سيادته الخاصة.
إنه لا يخشى فقط خسارة علاقة مع سلطة خارجية؛ بل قد يخشى خسارة الأساس الذي اشتق منه حقه في الولاية على الآخرين.
ومن هنا تنشأ علاقة متبادلة: المرجعية تمنح مشروعية الولاية، وممارسة الولاية تؤكد حضور المرجعية، واستمرار الامتثال داخل المجالات الخاصة يعيد إنتاج النظام الذي يمنحها.
وهذه ليست سلسلة زمنية تبدأ من الخضوع وتنتهي بالسيادة، بل علاقة تتبادل فيها المواقع شروط استمرارها.
كما لا تعني أن المؤمن يملك سيادة مطلقة بالفعل؛ فالإطلاق هنا صفة يضفيها الخطاب على موقعه داخل نطاق معين، مع إبقاء ذلك الموقع تابعاً للمرجعية العليا.
لكن قوة البناء تكمن في أنه يستطيع تقديم هذا التبعية نفسها باعتبارها مصدر السيادة، لا نفياً لها.
خامساً: الاكتمال السيادي — عندما لا يعود الحرمان ناقضاً لتحقيق الذات
هنا نصل إلى العلاقة الثانية التي لا تقل أهمية عن السيادة بالخضوع.
فالمعتقد الذي يكتفي بمنح المهمَّش مكانة رمزية قد يخفف شعوره بالدونية، لكنه لا يغير بالضرورة شروط حياته.
أما البناء الذي يمنحه موقع ولاية فعلياً، ويجعل الآخرين ملزمين بقبول هذه الولاية، فإنه يتيح إعادة تعريف ما يعنيه أن يكون الإنسان مكتمل التحقق.
ولنفترض رجلاً معدماً، لا يملك من الموارد إلا ما يكفي لحياة شديدة الضيق.
داخل نظام اجتماعي يقيس النجاح بقدرة الفرد على تحسين ظروفه وتحقيق استقلاله الاقتصادي، قد يكون هذا الرجل في موقع عجز واضح.
لكن إذا كان البناء العقدي يمنحه السيادة داخل أسرته، ويجعل امتثال من هم تحت ولايته واجباً دينياً، فإن عوزه المادي لا يعود، وفق منطق هذا البناء، سبباً لسقوط استحقاقه السيادي.
غير أن الأمر يتجاوز ذلك.
فحين يُطلب من الخاضعين له الرضا بما هو متاح، وتُربط فضيلتهم الدينية بقبول مواقعهم، يصبح معيار الكفاية نفسه داخلاً في علاقات السلطة.
إن المسألة لم تعد أن الرجل الفقير يتمتع بسلطة رغم فقره؛ بل إن الآخرين قد يُمنعون معيارياً من اتخاذ فقره سبباً للطعن في اكتمال موقعه أو الاعتراض على ما يتيحه لهم من شروط الحياة.
هنا لا يمنح البناء العقدي المهمَّش امتيازاً يعوض نقص الموارد فحسب؛ بل يستطيع أن يعيد تعريف النقص بحيث لا يعود مانعاً من اكتمال صاحب الولاية.
وفي هذا الموضع تظهر وظيفة جديدة للسلطة.
فهي لا تحدد من يطيع من فقط، بل قد تحدد ما ينبغي أن يعتبره الخاضعون كافياً، وما يُعدّ اعتراضاً مشروعاً أو غير مشروع على شروط عيشهم.
وهكذا تنتقل الهيمنة من تنظيم السلوك إلى المشاركة في تحديد معيار الحاجة.
فإذا كانت حاجات الآخرين لا تُقبل بوصفها مطالب مستقلة عن إرادة صاحب الولاية، وإنما تُقوَّم من داخل المرجعية التي تمنحه السلطة، فإن قدرته على تلبية هذه الحاجات قد تنفصل عن استمرار الاعتراف باستحقاقه.
وعليه، يصبح الاكتمال السيادي اكتمالاً معيارياً، لا اكتمالاً مادياً.
ليس لأن الإنسان قد حقق فعلياً جميع حاجاته، وإنما لأن البناء الذي ينتمي إليه يستطيع أن يعلن تحقق موقعه الإنساني والاجتماعي دون اشتراط هذا الإشباع.
وهذا التمييز حاسم.
فالسيطرة على الآخرين لا تساوي علمياً تحقيق الذات أو إشباع حاجات الاستقلالية والكفاءة والارتباط الإنساني. لكنها قد تُقدَّم عقدياً باعتبارها دليلاً على اكتمال موقع صاحبها.
ومن هنا تنشأ إمكانية أن يشعر الإنسان بالاكتفاء داخل علاقة سلطة، بينما تبقى أسباب الحرمان المادي والاجتماعي قائمة.
إنها ليست إزالة للحرمان، بل إعادة تشكيل للدلالة التي يحملها الحرمان في وعي الفرد والجماعة.
سادساً: الذكورة بوصفها ضمانة واسعة النطاق للامتياز
تتضاعف أهمية الاكتمال السيادي حين يصبح الموقع الجنسي مصدراً معترفاً به لاستحقاق الولاية.
فالرجال يتفاوتون في جميع الموارد تقريباً: الثروة، والمعرفة، والقدرة، والنسب، والمكانة، والنفوذ.
لكن الذكورة صفة مشتركة بينهم، لا تتوقف على مقدار ما حققوه من إنجازات.
وحين يتبنى التأويل السياسي العقدي تصوراً يمنح الرجل ولاية على المرأة داخل المجال الأسري، تصبح هذه الصفة أساساً لامتياز يمكن أن يشترك فيه رجال متباينون جذرياً في مواقعهم الاجتماعية.
وهنا تظهر نتيجة لا يمكن ردها إلى مجرد التعويض عن الفقر.
فالرجل لا يُمنح مكانة اعتقادية عليا لأنه مؤمن فحسب، بل يُمنح أيضاً موقعاً سلطوياً يتصل بذكورته، وتُقدَّم ممارسة هذا الموقع باعتبارها جزءاً من النظام المشروع للعلاقات الإنسانية.
لكن البنية لا تكتمل بمنح الرجل سلطة على المرأة.
إنها تصبح أكثر إحكاماً عندما تُعاد صياغة أنوثة المرأة نفسها، بحيث يُربط تحقق صورتها المعيارية بالخضوع للرجل، ثم يُربط هذا الخضوع بالفضيلة الدينية والخلاص الأخروي.
فالرجل، وفق هذا التصور، يحقق موقعه بممارسة الولاية، والمرأة تحقق موقعها بامتثالها لهذه الولاية.
ولا يجري تقديم التفاوت هنا بوصفه مجرد قيد خارجي على أحد الطرفين، بل بوصفه توزيعاً مشروعاً للأدوار، يُطلب من كل طرف أن يتعرف إلى ذاته من خلاله.
وإذا استبطنت المرأة هذه المرجعية، فقد لا ترى خضوعها باعتباره إلغاءً لإرادتها، بل تحقيقاً لما تعتبره صورتها الصحيحة.
لكن الاستبطان لا يلغي إمكان الرفض، كما لا يثبت أن القبول الظاهر حر أو غير حر بمجرد وصفه.
الأهم أن البناء يستطيع نقل العلاقة من الإكراه الخارجي إلى المجال الذي تتكون فيه معايير الرضا والفضيلة والهوية.
وعند هذه النقطة يصبح الامتياز الذكوري أكثر من مجرد حق يمنح للرجل.
إنه علاقة يُطلب من الطرف الخاضع أن يشارك في إضفاء المشروعية عليها.
سابعاً: تحقق الامتياز فوراً — من الوعد إلى الخبرة اليومية
تكتسب هذه العلاقات قوة مختلفة عندما لا تبقى وعوداً اعتقادية أو ترتيبات متخيلة، بل تصبح نافذة في الواقع الاجتماعي.
فالمعتقد الذي يعد الإنسان بتحسن مستقبلي في مكانته يحتاج إلى إقناعه بإمكان تحقق ذلك المستقبل.
أما البناء الذي يتيح له ممارسة موقع الولاية فور دخوله في علاقاته، فإنه يوفر له تجربة مباشرة يمكن أن يفسرها باعتبارها تحققاً للوعد.
وهنا ينتقل أثر المعتقد من مستوى التصديق إلى مستوى المعايشة.
فالمنتسب لا يعتقد فقط أن له حقاً في الولاية؛ بل قد يمارس هذا الحق داخل نظام يعترف به ويُلزم الآخرين بقبوله.
ولا يشعر فقط بأن مرجعيته ترفع منزلته؛ بل يرى أثر تلك المنزلة في علاقاته اليومية.
وهذا التحول قادر، من حيث المبدأ، على إحداث أثر معرفي مهم.
فالواقع الاجتماعي الذي تُنتجه المرجعية يصبح، في وعي من يعيش داخله، دليلاً محسوساً على فاعليتها.
لكن الفاعلية لا تثبت الصدق.
فقدرة نظام عقدي على إنتاج علاقات اجتماعية متفقة مع أحكامه لا تثبت صحة دعاواه المتعالية، ولا تثبت أن تلك العلاقات عادلة أو أن حاجات أطرافها قد أُشبعت.
غير أن الفرد الذي يستمد مكانته من هذه العلاقات قد لا يفصل بين تحققها ومشروعيتها، وخصوصاً حين تصبح التجربة اليومية مصدراً مستمراً لتأكيد صورة الذات التي منحته إياها المرجعية.
وهنا تتكون علاقة معرفية مغلقة جزئياً على ذاتها.
فالمرجعية تحدد موقع الفرد، والممارسة تؤكد ذلك الموقع، والفرد يستطيع أن يستدل من تحقق الموقع على صلاحية المرجعية.
ويصبح الاعتراض على المرجعية تهديداً ليس لفكرة يؤمن بها فقط، بل للعالم الاجتماعي الذي يجد فيه اعترافه ومكانته.
إن أخطر ما في اقتران السيادة بالخضوع والاكتمال السيادي ليس أنه يمنح الإنسان يقيناً اعتقادياً جديداً، بل أنه يستطيع أن يجعل خبرته اليومية نفسها مصدراً لإعادة إنتاج هذا اليقين.
ثامناً: المهمَّشون والمراهقون — اتساع المجال المحتمل للاستقطاب
إذا كانت المكانة الممنوحة بالانتماء لا تتوقف على امتلاك الموارد أو إنجازات سابقة، فإن دائرة من يمكن أن يجدوا فيها معنى أو اعترافاً لا تنحصر في فئة اقتصادية محددة.
فالتهميش قد يكون مادياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو اعتبارياً، وقد تتداخل صوره داخل الفرد والجماعة.
لكن لا يجوز اعتبار المهمَّشين، دون تعريف إجرائي، الغالبية العظمى من البشرية. فالتهميش بهذا المعنى المركب لا يمتلك مقياساً عالمياً واحداً، كما أن وجود تفاوت اجتماعي لا يعني أن كل من يقع في موقع أدنى محروم من تحقيق ذاته.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظة لا تمس جوهر الفرضية.
فما يهم هنا ليس تقدير نسبة ثابتة من سكان العالم، بل أن البناء العقدي يستطيع توجيه وعده بالمكانة والاكتفاء إلى أشخاص يختلفون في مواردهم، لكنهم يشتركون في شعورهم بعدم الاعتراف أو ضعف الفاعلية أو انسداد إمكانات تحقيق الذات.
وهذا يعني أن المجال المحتمل لتلقيه أوسع من الفقراء بالمعنى الاقتصادي الضيق.
أما المراهقون، فتنبع أهمية دراستهم من أن هوياتهم ومواقعهم الاجتماعية لا تزال في طور التبلور، وأن علاقتهم بالاعتراف والمكانة والانتماء تكتسب خلال هذه المرحلة وزناً خاصاً.
فالمراهق الذي لم يراكم بعد الموارد أو الخبرات أو الإنجازات التي تتيح له موقعاً مستقلاً داخل المجتمع قد يواجه بناءً يمنحه تصوراً محدداً عن قيمته وموقعه وغاياته قبل أن يكتمل مساره الاجتماعي.
لكن الأهم ليس مجرد تقديم هوية جاهزة.
إنه إمكان أن يتلقى المراهق تصوراً يجعل اكتماله غير مشروط بالإنجاز الذي لم تتح له فرصة تحقيقه بعد، ويجعل انتماءه مصدراً فورياً للمكانة والاعتراف ضمن الجماعة.
وإذا اقترن ذلك بممارسة اجتماعية تؤكد الموقع الممنوح، فقد تصبح التجربة نفسها عاملاً في تشكيل تصور المراهق عن السلطة والكرامة والعلاقة بالآخرين.
غير أن هذه العلاقة تبقى احتمالية، ولا يصح استنتاج استعداد المراهق للتطرف من حاجته إلى المكانة أو من افتقاره إلى الموارد.
فالمراهقة ليست حالة نقص معرفي تفضي تلقائياً إلى الخضوع، والتهميش ليس سبباً كافياً لتبني أيديولوجيا سلطوية.
وإنما يتعين بحث الشروط التي تجعل عرضاً معيناً للمكانة والانتماء قابلاً للتصديق والقبول والممارسة لدى أفراد محددين.
تاسعاً: من إعادة تشكيل الفرد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي
حين تنتظم حياة عدد من الأفراد داخل المرجعية نفسها، لا يعود أثرها مقتصراً على مجموع ما يعتقده كل فرد منفرداً.
فالأفراد يتبادلون الاعتراف بالمواقع، ويؤكدون المعايير من خلال ممارساتهم، ويعيدون إنتاج التوقعات المتعلقة بالسيادة والخضوع والاكتفاء والواجب.
وبذلك تصبح العلاقات الاجتماعية نفسها حاملةً للمرجعية.
إن الفرد يتلقى موقعه من النسق، لكنه يعيد إنتاج النسق من خلال علاقاته.
والجماعة تمنح الاعتراف بالموقع، لكنها تستمد استمرار معاييرها من ممارسات أفرادها.
ولا يتعلق الأمر بوجود وعي جمعي متجانس يلغي اختلاف الأفراد، بل بتكوّن شبكة من التوقعات والعلاقات تجعل بعض الأحكام مشتركة، وتجعل مخالفتها ذات آثار اجتماعية تتجاوز مجرد الاختلاف الفكري.
وهنا يصبح الانتماء أكثر من علاقة بين الفرد والمعتقد.
إنه علاقة بين الفرد وجماعة تعترف له بموقع معين، ويتوقف استمرار ذلك الاعتراف، بدرجات مختلفة، على استمرار المعايير التي تتأسس عليها الجماعة.
وتتجلى أهمية هذه العلاقة عندما يكون الموقع الممنوح للإنسان جزءاً من تحقيقه المتصور لذاته.
فالمساس بالمرجعية قد يُفهم بوصفه مساساً بموقعه، والمساس بموقعه قد يتحول إلى سبب للدفاع عن المرجعية.
وبذلك يستطيع الارتباط العقدي أن يتجاوز الاقتناع النظري إلى الارتباط بالعلاقات التي يمنحها المعتقد مشروعيته.
لكن هذه العلاقة قد تتفكك أيضاً عندما تنشأ تناقضات بين الوعود والتجارب، أو عندما يكتشف الأفراد أن المكانة الممنوحة لهم لا تقابلها قدرة حقيقية على تقرير مصيرهم.
ومن ثم فإن إعادة الإنتاج ليست نتيجة حتمية، بل قدرة مشروطة باستمرار العلاقات التي تمنح النسق فاعليته.
عاشراً: من الخضوع للمرجعية إلى الادعاء بالولاية على العالم
لا يكتمل النموذج العقدي المدروس عند حدود المجال الخاص.
فحين يُقرن التفوق الاعتقادي بتكليف يتجاوز الجماعة إلى البشرية كلها، تنشأ علاقة بين موقع الفرد داخل جماعته وتصورها لموقعها من العالم.
وهنا ينبغي الفصل بين الاعتقاد بعالمية الحقيقة وبين الادعاء بحق إخضاع الآخرين لها.
فالأول لا يستلزم الثاني، وقد تتبنى عقائد عالمية مبدأ حرية الاعتقاد.
أما حين يُقرن ادعاء الحقيقة المطلقة بتفويض مفتوح لفرض السيادة السياسية والاجتماعية، فإن الاختلاف لا يعود مجرد تباين معرفي، بل قد يصبح، داخل التصور السلطوي، خروجاً عن نظام الشرعية الذي يعتقد المؤمن أنه مكلف بإقامته.
وبذلك يتصل الموقع المحلي للفرد بمشروع ذي أفق كوني.
فهو لا يرى نفسه صاحب ولاية في مجاله الخاص فحسب، بل حاملاً لمرجعية يعتقد أن صلاحيتها تتجاوز حدود جماعته ومجتمعه.
لكن عالمية ادعاء السيادة لا تعني عالمية القابلية للاستقطاب.
فالبشرية كلها قد تكون موضوعاً لطموح المشروع، دون أن تكون جمهوراً مستعداً للانضمام إليه.
كما أن امتلاك بناء اعتقادي شامل لا يضمن القدرة على فرضه أو توسيعه.
غير أن أهمية هذه العلاقة تكمن في أنها تسمح بامتداد المرجعية التي تحدد موقع الفرد الخاص إلى تصوره لشرعية العالم كله.
وهنا يصبح تنظيم العلاقة داخل الأسرة والمجتمع متصلاً بتصور عام للحقيقة والسلطة والمصير الإنساني.
حادي عشر: الجيل الواحد وإمكان تحول المعتقد إلى بيئة تكوينية
تتحدد أهمية المستقبل في هذه الدراسة بإمكان انتقال المرجعية من التأثير في أشخاص تشكل وعيهم قبل اعتناقها، إلى المشاركة في تنشئة أشخاص يولدون داخل علاقاتها ومؤسساتها.
فالمنتمي الجديد قد يقارن بين موقعه السابق وموقعه اللاحق، وبين معايير المجتمع الذي جاء منه ومعايير الجماعة التي دخلها.
أما الطفل الذي ينشأ داخل المرجعية النافذة، فقد لا يمتلك هذه المقارنة في تجربته الأولى.
إنه يتعلم العلاقات التي تحكم حياته قبل أن يمتلك القدرة على مساءلة أصولها.
فإذا كانت الأسرة والمدرسة والجماعة والسلطة تتعامل مع التراتب العقدي بوصفه نظاماً مشروعاً، فقد يصبح هذا التراتب جزءاً من المعايير الأولى التي يتعرف من خلالها الطفل إلى ذاته والآخرين.
وتكمن أهمية الجيل الواحد في أنه يسمح بظهور أفراد لم يتلقوا المرجعية بوصفها عرضاً وافداً إلى عالم مكتمل، بل بوصفها أحد الشروط الأولى لتجربتهم الاجتماعية.
لكن هذا لا يعني أن التنشئة تنتج نسخاً متطابقة من البشر، أو أن الجيل الجديد سيكون أكثر التزاماً بالضرورة.
فالتجارب الإنسانية لا تتحدد بالتنشئة وحدها، كما أن التناقض بين الخطاب والواقع قد ينتج الاعتراض بدلاً من الامتثال.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الاستقطاب إلى التنشئة يمثل اختلافاً نوعياً في شروط استمرار المعتقد.
ففي الحالة الأولى يحتاج النسق إلى إقناع أفراد تكونت معاييرهم خارج نطاقه.
أما في الثانية، فقد يشارك في تكوين المعايير التي سيحكم الأفراد بواسطتها عليه وعلى غيره.
وهذه هي المسألة المستقبلية الأشد أهمية.
فإذا أصبحت العلاقات التي ينتجها المعتقد جزءاً من البيئة التي تتشكل داخلها الأجيال اللاحقة، أمكن أن تنتقل قوته من استقطاب أفراد موجودين إلى المشاركة في تكوين الأفراد الذين سيحملونه.
لكن تحول هذا الإمكان إلى قدرة مستمرة على التوسع يتوقف على شروط إضافية، ولا يمكن استنتاجه من البنية العقدية وحدها.
ثاني عشر: الآلية المعرفية الأعمق — حين يصبح التحقق المعيش معياراً للحقيقة
يمكن الآن تحديد المسألة الإبستمولوجية التي تنتظم العلاقات السابقة جميعها.
إن البناء العقدي لا يؤثر في وعي الفرد من خلال تقديم إجابات عن أسئلته فحسب، بل قد يشارك في تحديد المعايير التي يحاكم بها الفرد ذاته والعالم.
وعندما يمنح المنتسب موقعاً سيادياً، ثم يتيح له ممارسته، يمكن أن تتكون علاقة متبادلة بين الاعتقاد والخبرة.
فالاعتقاد يحدد ما ينبغي أن يكون، والخبرة الاجتماعية تؤكد أن هذا التحديد قابل للتحقق، ثم قد ينتقل الفرد من الإقرار بفاعلية النسق إلى الاعتقاد بأن فاعليته دليل على صدقه.
وهذا الانتقال غير لازم منطقياً، لكنه ممكن نفسياً واجتماعياً.
فقدرة المعتقد على إنتاج العلاقات التي يقررها لا تثبت أن دعاواه صحيحة، لكنها قد تصبح، في وعي المنتمي، قرينةً حاسمة على صحته.
وتزداد قوة هذا الاحتمال عندما يكون التخلي عن المعتقد متصلاً بفقدان موقع اجتماعي أو امتياز أو هوية أو معنى.
وعندئذ لا تُستقبل الاعتراضات على المرجعية بوصفها قضايا معرفية مجردة، بل قد تُستقبل باعتبارها تهديداً للعالم الذي أصبح الفرد يعرف نفسه من خلاله.
وهنا تتجلى قدرة البناء على التأثير في شروط استقبال النقد.
فالمسألة ليست مجرد مقاومة المؤمن للأفكار المخالفة؛ بل إمكان أن تصبح المعايير التي يستخدمها للحكم على الاعتراضات مشتقة من المرجعية نفسها التي يجري الاعتراض عليها.
وعندما تبلغ هذه العلاقة درجة عالية من الانغلاق، تصبح المرجعية مصدراً للأحكام ومعياراً لتقييمها في الوقت نفسه.
لكن ذلك لا يلزم من مجرد الإيمان بمرجعية مقدسة، بل يتوقف على طريقة تفسيرها، وحدود المراجعة المسموح بها، وطبيعة الخبرة الاجتماعية التي تعيد إنتاجها.
ومن ثم ينبغي دراسة الانغلاق المعرفي بوصفه نتيجة ممكنة لبنية محددة، لا صفة ملازمة لكل اعتقاد ديني قوي.
ثالث عشر: حدود الأطروحة وشروط التحقق منها
إن الاشتقاق السابق يحدد إمكاناً بنيوياً، لكنه لا يثبت بمفرده مقدار تحققه في وعي الأفراد والجماعات.
ولهذا ينبغي الفصل بين صحة وصف البنية العقدية، ووجود توظيف سياسي مقصود لها، وقدرة هذا التوظيف على تغيير وعي الأفراد، ثم قابليته للاستمرار والانتشار.
كما ينبغي عدم الخلط بين شعور الإنسان بالاكتمال وبين تحقق جميع احتياجاته فعلياً.
فإذا كان البناء العقدي يمنح الإنسان تصوراً بالاكتفاء يقوم على استحقاق الولاية وخضوع الآخرين، فإن ذلك يفسر نمطاً من الوعي بالذات، لكنه لا يثبت تحقق الاستقلال أو الكفاءة أو الرفاهية أو اكتمال الحياة الإنسانية بالمعنى النفسي والاجتماعي.
وإنما تكمن أهمية الفرضية في إمكان أن يصبح هذا التحقق المتصور مؤثراً في سلوك الفرد وعلاقته بالآخرين، حتى عندما لا تتوافر الشروط المادية التي يفترضها فهم آخر لتحقيق الذات.
كذلك لا يمكن افتراض أن جميع المهمَّشين يجدون في الهيمنة على الآخرين تعويضاً مرغوباً عن حرمانهم، أو أن جميع المراهقين يتجاوبون مع عرض المكانة بالطريقة نفسها.
فالتهميش لا يحدد وحده طبيعة الاستجابة، والاقتناع بالعقيدة لا يحدد وحده الاستعداد لممارسة السلطة أو قبول الخضوع.
أما من جهة الأصالة النظرية، فلا يكفي القول بأن الأيديولوجيا تُنتج الذوات أو أن الممارسات الاجتماعية تعيد إنتاج المعتقدات؛ فهذه مسائل تناولتها أدبيات فلسفية واجتماعية واسعة.
الإضافة التي تقترحها الدراسة هي تحديد علاقة مخصوصة بين ثلاثة أمور: تعميم استحقاق السيادة بواسطة الخضوع، وإعادة تعريف الاكتمال الإنساني بحيث ينفصل عن تحقق الموارد، وتحويل العلاقات النافذة إلى خبرة يومية تعيد تأكيد المرجعية العقدية.
وإذا أمكن إثبات أن اقتران هذه العناصر ينتج أثراً لا تفسره منفردة، فإن ذلك يقدم مساهمة نظرية مستقلة في دراسة تكوين الوعي والاستقطاب العقدي.
لكن إثبات هذا الأثر يحتاج إلى فحص العلاقة بين التصورات المعلنة والخبرات الفعلية، وإلى مقارنة الأبنية التي تجمع هذه العناصر بأبنية لا تجمعها، مع دراسة مدى استمرار الأثر وانتقاله بين الأجيال.
وبذلك تظل الفرضية قابلة للاختبار والمراجعة، بدلاً من أن تتحول إلى تفسير شامل لا يمكن الاعتراض عليه.
الخاتمة: حين يصبح الاكتمال ثمرة الخضوع، ويصبح الخضوع شرط السيادة
تتمثل النتيجة المركزية لهذه الدراسة في أن القوة التكوينية المحتملة للبناء العقدي المدروس لا تكمن في وعده الإنسان بالخلاص أو المكانة أو السلطة منفردة، بل في قدرته على وصل هذه العناصر داخل تصور واحد يعيد تعريف شروط تحقق الذات وموقعها من الآخرين.
فالمهمَّش الذي لم يستطع امتلاك الموارد أو تحقيق المكانة داخل النظام السابق قد يجد في هذا البناء تصوراً يمنحه قيمةً عليا بالانتماء، وولايةً في مجاله الخاص، وموقعاً داخل مشروع يزعم امتلاك الحقيقة والشرعية الكونية.
ولا يُطلب منه، وفق المنطق الداخلي لهذا التصور، أن يتجاوز عوزه حتى يستحق موقعه؛ إذ يمكن أن يُمنح الاعتراف بالاكتمال دون تحقق ذلك التجاوز.
لكن الأشد أهمية أن هذا الموقع لا يتحقق في العزلة.
فهو يقوم على علاقة سيادة، تتطلب امتثال الآخرين، وقد يُطلب من هؤلاء أن يعتبروا رضاهم بما هو متاح جزءاً من اكتمال مواقعهم هم أيضاً.
وهكذا يصبح صاحب الولاية مكتمل الموقع رغم عوزه، بينما يصبح خضوع الآخرين ورضاهم شرطاً اجتماعياً لتأكيد هذا الاكتمال.
وفي الوقت نفسه، لا تُشتق مشروعية سيادته من استقلاله عن المرجعية العليا، بل من خضوعه لها.
وعليه، تتكون العلاقة المركزية التي تنتظم البناء كله:
يخضع الفرد لكي يستحق السيادة، ويمارس السيادة لكي يحقق موقعه، ويُطلب من الآخرين أن يخضعوا ويرضوا لكي تتحقق مواقعهم، فيما تصبح العلاقات الناتجة عن ذلك مصدراً متجدداً لتأكيد المرجعية التي أنشأتها.
والنتيجة الممكنة ليست مجرد إنتاج أتباع مطيعين، بل إعادة تشكيل المعايير التي يفهم من خلالها بعض الأفراد الطاعة والسيادة والاكتفاء والفضيلة وتحقيق الذات.
وإذا انتقلت هذه العلاقات من مستوى الاعتقاد إلى مستوى الممارسة اليومية، فقد تصبح الخبرة الاجتماعية نفسها عاملاً في ترسيخ المرجعية.
أما إذا استمرت عبر التنشئة، فقد يتحول المعتقد من تصور يتبناه أفراد تشكلوا خارجه إلى أحد الشروط التي يتكون داخلها وعي الأجيال اللاحقة.
ومن هنا تتحدد الخطورة المستقبلية للبناء: ليس في افتراض انتشاره الحتمي أو نجاحه في إخضاع البشرية، وإنما في إمكان أن ينتقل من استقطاب الإنسان عبر وعد بالاكتمال إلى المشاركة في إنتاج الإنسان الذي سيعتبر ذلك الاكتمال حقيقته الخاصة.
إن الخصوصية التي تحاول هذه الدراسة الكشف عنها هي قابلية بناء عقدي معين لأن يجعل الخضوع شرطاً للسيادة، والسيادة دليلاً على الاكتمال، والاكتمال المعيش مصدراً لتأكيد الاعتقاد؛ بحيث تصبح العلاقات التي ينتجها المعتقد نفسها إحدى آليات إعادة إنتاجه.
وهذه ليست خاتمة نهائية بشأن مستقبل السلفية الجهادية، بل صياغة للمشكلة النظرية التي ينبغي أن يبدأ منها البحث في قدرتها التكوينية وآثارها المستقبلية.
⸻
المراجع
1. Althusser, Louis (1971). Ideology and Ideological State Apparatuses. In Lenin and Philosophy and Other Essays. مرجع في تشكل الذات داخل العلاقات الأيديولوجية، وليس مصدراً مباشراً لإثبات الفرضية الحالية.
2. Mahmood, Saba (2005). Politics of Piety: The Islamic Revival and the Feminist Subject. Princeton University Press. دراسة في تكوين الذات الأخلاقية من خلال الممارسة الدينية والانضباط.
https://doi.org/10.2307/j.ctvct00cf
3. Kandiyoti, Deniz (1988). Bargaining with Patriarchy. Gender & Society, 2(3), 274–290. دراسة في تفاوض النساء مع التراتبات الأبوية وشروط استمرارها وتغيرها.
https://doi.org/10.1177/089124388002003004
4. Hogg, Michael A. (2014). From Uncertainty to Extremism: Social Categorization and Identity Processes. Current -dir-ections in Psychological Science, 23(5), 338–342.
https://doi.org/10.1177/0963721414540168
5. Swann, William B., et al. (2012). When Group Membership Gets Personal: A Theory of Identity Fusion. Psychological Review, 119(3), 441–456.
https://doi.org/10.1037/a0028589
6. Ryan, Richard M., & Deci, Edward L. (2000). Self-Determination Theory and the Facilitation of Intrinsic Motivation, Social Development, and Well-Being. American Psychologist, 55(1), 68–78.
https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.1.68
7. UNICEF (2021). The State of the World’s Children 2021: On My Mind. مرجع عن النمو النفسي والاجتماعي للمراهقين وأهمية الانتماء وعلاقات الأقران.
https://www.unicef.org/reports/state-worlds-children-2021
8. صحيح البخاري، الحديث 7138، كتاب الأحكام. حديث «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، بوصفه مادة نصية يجري تحليل إمكان توظيفها السياسي، دون مساواة دلالتها الأصلية بالتأويل السلطوي موضوع الدراسة.
https://sunnah.com/bukhari:7138
#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟