أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - انفجار العجز وتعويض الفجوة نحو نظرية تكوينية للفن في دينامية العقل















المزيد.....


انفجار العجز وتعويض الفجوة نحو نظرية تكوينية للفن في دينامية العقل


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 15:00
المحور: قضايا ثقافية
    


الملخص

تقترح هذه الدراسة إعادة النظر في المنشأ التكويني للفن ووظيفته وتحولاته التاريخية، انطلاقًا من فرضية أن العجز الذي يستدعي الإنتاج الفني ليس بالضرورة نقصًا سابقًا على تحقق العقل، بل قد يكون نتيجة بنيوية يولّدها هذا التحقق نفسه. فكلما اتسع تحقق النسق العقلي، ازداد تكثفه وامتداده، وتعاظمت الفجوة الناشئة عن تفاوت نموهما، بما قد يفضي إلى تجاوز متطلبات الاستيعاب قدرة النسق التشغيلية القائمة، وبلوغه حالة حرجة يمكن تسميتها «انفجار العجز».

وفق هذه الفرضية، لا ينشأ الفن بوصفه مجرد محاكاة للواقع، أو تعبير عن انفعال، أو إنتاج للجمال، وإنما بوصفه نمطًا مخصوصًا من الاستجابة التكوينية التعويضية لفجوة يعجز النسق العقلي عن استيعابها أو تحقيق مقتضياتها ضمن تنظيمه القائم. ولا يشترط نجاح هذه الاستجابة إزالة العجز الأصلي، بل قد يتحقق بإنتاج تنظيم حسي أو تخييلي أو رمزي بديل للتجربة.

وتترتب على هذا التصور نتيجة تتجاوز تفسير الإنتاج الفني الفردي إلى إعادة قراءة تاريخ الفن نفسه؛ إذ يصبح تغير التجليات الفنية وتباينها قابلين للفهم من خلال تحول شروط التحقق والفجوات وأنماط الاستجابة، بدل إخضاعها لتصنيفات معيارية مسبقة من قبيل التقدم والانحطاط.

لا تدّعي الدراسة أن هذه الفرضية قد أثبتت المنشأ التاريخي لجميع الفنون، أو أنها تقدم قانونًا تجريبيًا مكتملًا للإبداع الفني، وإنما تعرض نموذجًا اشتقاقيًا وتفسيريًا يحدد شروط البرهنة وحدود الادعاء.

الكلمات المفتاحية: الفن؛ التكوّن؛ العقل؛ العجز؛ الفجوة؛ التكثف؛ الامتداد؛ الاقتران؛ التعويض؛ تاريخ الفن.

⸻

أولًا: المشكلة التأسيسية في تفسير الفن

غالبًا ما تبدأ فلسفات الفن من العمل الفني بوصفه معطًى قائمًا، ثم تسعى إلى تحديد ماهيته أو وظيفته أو معايير الحكم عليه. فتتوزع الإجابات بين المحاكاة والتعبير والتمثيل واللعب والخلق الجمالي والتواصل الرمزي، وغيرها من التصورات التي تلتقط خصائص فعلية في الممارسة الفنية، لكنها لا تحسم بالضرورة السؤال الأسبق: لماذا ينتج الكائن العاقل الفن أصلًا؟

فالمحاكاة تصف علاقة ممكنة بين العمل الفني وموضوعه، لكنها لا تفسر وحدها ضرورة إنتاج المحاكاة. والتعبير يصف انتقال تجربة داخلية إلى صيغة خارجية، لكنه لا يفسر لماذا يتعذر على النسق الاكتفاء بتجربته المباشرة. أما الجمال، بوصفه معيارًا أو خبرة، فلا يصلح أساسًا عامًا للاشتقاق ما لم يثبت أولًا أنه شرط ضروري لكل إنتاج فني.

المشكلة، إذن، ليست في أن هذه التفسيرات خاطئة بالضرورة، بل في أنها قد تبدأ من وظائف أو خصائص ظهرت بعد تحقق الفن، ثم تعيد تقديمها بوصفها أساسًا لنشوئه.

تقتضي المقاربة التكوينية عكس اتجاه السؤال. فبدل أن نبدأ من العمل الفني ونسأل عما يميزه، نبدأ من النسق العقلي ونسأل: ما الذي يحدث في دينامية تحققه حتى يصبح إنتاج تحقق فني ممكنًا، وربما راجحًا، بوصفه استجابة مخصوصة؟

وتنطلق الدراسة من فرضية أن مفتاح الإجابة لا يكمن في القدرة العقلية وحدها، بل في العجز الذي تنتجه هذه القدرة أثناء تحققها.

ثانيًا: العجز بوصفه ناتجًا عن التحقق

يُفهم العجز عادةً بوصفه نقصًا في القدرة قياسًا إلى غاية محددة. ووفق هذا الفهم، يبدو التحقق تقدمًا نحو تقليص العجز؛ فكلما ازدادت المعرفة أو المهارة أو القدرة التقنية، انخفض مقدار ما يعجز الكائن عن إدراكه أو إنجازه.

غير أن هذا التصور يفترض ضمنًا ثبات المجال الذي يُقاس العجز بالنسبة إليه.

فإذا اتسعت القدرة على الإدراك، فقد تتسع معها دائرة ما يصبح قابلًا للتصور دون أن يصبح قابلًا للمعرفة أو التحقيق. وإذا ازدادت القدرة على التنظيم، فقد تنشأ متطلبات تنظيمية لم تكن موجودة في البنية السابقة. وإذا تطورت وسائل التعبير، فقد تنكشف خبرات وإمكانات جديدة تتجاوز قدرتها الراهنة على التمثيل.

وعليه، لا يلزم أن يكون نمو القدرة مصحوبًا بانخفاض العجز. فقد ينتج نمو القدرة نفسه مجالًا جديدًا للعجز.

وهنا ينبغي التمييز بين العجز السابق على التحقق والعجز المتولد عنه.

العجز السابق هو قصور النسق عن إنجاز عملية محددة ضمن مجال إمكاناته القائمة. أما العجز المتولد عن التحقق فهو الفارق الذي ينشأ عندما يفتح تحقق النسق إمكانات ومتطلبات تتجاوز قدرته التشغيلية الراهنة على استيعابها.

ولا يعني هذا أن كل زيادة في التحقق تنتج بالضرورة عجزًا أكبر في كل وظيفة؛ فقد تتحسن قدرة مخصوصة ويزول عجز مخصوص. المقصود أن التحقق، على مستوى البنية الكلية، قد يولّد فجوات جديدة تتجاوز ما أُغلق من فجوات سابقة.

وبهذا المعنى، لا يعود العجز نقيضًا بسيطًا للقدرة، بل يصبح أحد النتائج الممكنة لنموها.

ثالثًا: التكثف والامتداد وتوليد الفجوة

يقوم التفسير المقترح على التمييز بين التكثف والامتداد بوصفهما وجهين متلازمين لتحقق النسق.

يشير التكثف إلى ازدياد التمركز والتنظيم والاقتران التشغيلي داخل البنية، بينما يشير الامتداد إلى اتساع مجال التعالق والإمكانات التي تصبح البنية منفتحة عليها.

ولا يُقصد بهذين المفهومين، في هذا المستوى، تكثف مادي أو امتداد مكاني بالضرورة، بل نمطان بنيويان ينبغي تحديد تحققهما المخصوص عند الانتقال إلى النسق العقلي.

كلما ازداد التحقق، أمكن أن يزداد كل من التكثف والامتداد. غير أن تزايدهما لا يستلزم تطابق معدليهما أو تطابق متطلبات أحدهما مع قدرة الآخر.

ومن هنا تنشأ الفجوة: ليس من مجرد وجود التكثف والامتداد، ولا من ازديادهما بوصفه زيادة كمية متساوية، وإنما من التفاوت بين ما تفتحه البنية امتداديًا وما تستطيع تنظيمه واستيعابه تكثفيًا.

فقد يفتح الامتداد مجالًا أوسع من الإمكانات، بينما يبقى التكثف، رغم نموه، محدودًا بنمط الاقتران القائم. وقد يؤدي ازدياد التكثف نفسه إلى توليد متطلبات جديدة للتنظيم، تتجاوز قدرة البنية على المحافظة على اتساق عملياتها السابقة.

وهكذا تصبح الفجوة نتيجة داخلية لدينامية التحقق، لا نقصًا مفروضًا عليه من خارجه.

وتفترض النظرية أن هذه الفجوة قد تتنامى نموًا متسارعًا، بل أسيًا، في بعض شروط التحقق. لكن وصف النمو بأنه أسي يحتاج، عند الانتقال إلى البرهنة الرياضية أو التجريبية، إلى تحديد المتغيرات والعلاقات التي تسمح بإثبات هذا النمط من النمو، ولا يكفي استخلاصه من مجرد التلازم بين التكثف والامتداد.

وتكمن النتيجة الأساسية هنا في أن التحقق لا يضمن إغلاق الفجوة التي ينتجها؛ بل قد يصبح مصدرًا دائمًا لتجددها وتعاظمها.

رابعًا: انفجار العجز والحد الحرج للاستيعاب

لا يكفي اتساع الفجوة وحده لتفسير نشوء استجابة جديدة. فقد يستمر النسق في العمل رغم اتساعها، ما دامت قدرته التشغيلية قادرة على استيعاب متطلباتها أو إعادة توزيعها.

لكن عندما تتجاوز متطلبات الاستيعاب قدرة التنظيم القائم، تتغير طبيعة المشكلة.

فالعجز لا يعود مجرد قصور في إنجاز عملية جزئية، بل يصبح عجزًا في نمط التنظيم نفسه عن استيعاب ما أنتجه تحققه.

وهذه الحالة هي ما تقترح الدراسة تسميته «انفجار العجز».

لا يشير الانفجار هنا إلى حادثة فيزيائية أو إلى لحظة زمنية محددة، بل إلى بلوغ حد حرج تصبح عنده الاستجابة التشغيلية السابقة غير كافية لمواجهة الفجوة المتولدة.

ويجب التمييز بين ثلاثة أمور: ازدياد الفجوة، وتجاوز القدرة التشغيلية، والتحول الناتج عن هذا التجاوز. فهي مترابطة، لكنها ليست مترادفة.

فالنمو الأسي للفجوة، إذا ثبت، لا يستلزم وحده انفجارًا؛ وإنما يصبح بلوغ الحد الحرج مفهومًا عندما تتجاوز متطلبات الفجوة القدرة الفعلية للنسق على الاستيعاب.

وعند هذا الحد تتعدد الإمكانات: فقد يعيد النسق تنظيم عملياته، أو يغير نمط اقترانه، أو يفقد بعض قدراته، أو ينتج استجابة بديلة تسمح له بمواصلة التحقق دون إزالة الفجوة الأصلية.

ومن بين هذه الإمكانات تظهر فرضية الاستجابة الفنية.

فالفن لا يُشتق هنا مباشرةً من وجود العجز، بل من إمكان إنتاج نمط مخصوص من الاستجابة له. وهذا التمييز ضروري؛ لأن العجز ذاته قد يستدعي استجابة معرفية أو تقنية أو سلوكية، دون أن ينتج عملًا فنيًا.

خامسًا: الفن بوصفه تحققًا تعويضيًا

تقوم الفرضية المركزية على أن الفن يمثل نمطًا مخصوصًا من إعادة تنظيم التجربة عندما يعجز النسق العقلي عن تحقيق مقتضياتها ضمن تنظيمه القائم.

والمقصود بالتعويض هنا ليس إلغاء العجز أو إنكار الواقع، وإنما إنتاج تحقق بديل لا يشترط تحقق موضوعه بالطريقة التي تعذرت أصلًا.

فيمكن تمثيل الغائب دون استعادته، وإعادة تشكيل التجربة دون تكرار شروط وقوعها، وإنتاج عالم تخييلي دون اشتراط تحققه الخارجي، وتنظيم الانفعال إيقاعيًا أو بصريًا دون تحويله إلى معرفة مفهومية مكتملة.

ولا تعني هذه الأمثلة أن الفن مجرد هروب من الواقع. فالتعويض قد يكشف ما يتعذر إدراكه مباشرةً، وقد يعيد تنظيم علاقة النسق بتجربته، وقد يفتح إمكانات لم تكن متاحة ضمن نمط التحقق السابق.

إنه لا يستبدل الواقع بوهم بالضرورة، بل ينتج صيغة أخرى من التحقق داخل الواقع نفسه.

ومن هنا ينبغي التمييز بين التعويض والإغلاق.

الإغلاق يسعى إلى تقليص الفجوة بإزالة سبب عجز محدد أو تحقيق غاية متعذرة. أما التعويض الفني، وفق الفرضية، فيمكن أن ينجح دون إزالة الفجوة؛ لأن نجاحه يتعلق بإمكان إعادة تنظيم التجربة أو تجسيدها في صيغة مخصوصة.

بل قد يزيد العمل الفني وعي النسق بالفجوة التي استدعته، ويجعلها أكثر حضورًا بدل أن يخفيها.

وبذلك لا يُقاس نجاح الفن بمقدار ما أزال من العجز، وإنما بما حققه من تنظيم فني مخصوص للتجربة.

ومع ذلك، لا يكفي وصف الاستجابة بأنها حسية أو تخييلية أو رمزية لجعلها فنية؛ فهذه الخصائص قد توجد في ممارسات غير فنية. ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى اشتقاق معيار يميز التحقق الفني عن غيره من أنماط التعويض.

وهذا أحد الحدود المفتوحة في النموذج المقترح.

سادسًا: لماذا لا ينتهي الفن بتقدم المعرفة؟

إذا كان الفن تعويضًا عن عجز معرفي ثابت، فقد يبدو منطقيًا توقع انحساره كلما تقدمت المعرفة واتسعت قدرة الإنسان على تفسير الواقع.

لكن استمرار الإنتاج الفني، وتجدد أشكاله، وظهور إمكانات فنية جديدة في مجتمعات متقدمة علميًا وتقنيًا، يدفع إلى مساءلة هذا الافتراض.

وفق المقاربة التكوينية، لا يوجد تناقض ضروري بين ازدياد المعرفة واستمرار الفن؛ لأن المعرفة نفسها أحد وجوه تحقق العقل، وقد تفتح إمكانات جديدة تتجاوز قدرة النسق على الاستيعاب أو التحقيق.

فالمعرفة لا توسع مجال الإجابات فقط، بل قد توسع مجال الأسئلة. والقدرة التقنية لا تزيد إمكانات الإنجاز وحدها، بل قد تولّد إمكانات تخييلية وتعبيرية وتنظيمية لم تكن موجودة سابقًا.

وعليه، لا تكون العلاقة بين المعرفة والفن علاقة إحلال تاريخي، بحيث تتراجع الثانية كلما تقدمت الأولى.

بل يمكن أن تنمو المعرفة والفنون معًا، لأن كليهما يتحقق داخل دينامية عقلية لا يستنفد تحققها إمكاناتها.

غير أن ذلك لا يعني أن كل نمو معرفي يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإنتاج الفني. فالعلاقة المقترحة بنيوية وإمكانـية، وليست تناسبًا كميًا مثبتًا بين مقدار المعرفة وحجم النشاط الفني.

والنتيجة أن استمرار الفن لا يحتاج إلى افتراض بقاء الإنسان في حالة جهل أولي؛ بل يمكن فهمه من خلال استمرار توليد الفجوات داخل تحقق العقل نفسه.

سابعًا: النشأة التاريخية للفن

إذا كانت الفجوة ملازمة لدينامية تحقق العقل، فإن فرضية التعويض تتيح تصورًا لمنشأ الفن التاريخي.

فقد تكون الممارسات الفنية الأولى قد ظهرت عندما أصبحت لدى الكائنات العاقلة إمكانات إدراكية وتخيلية وتنظيمية تتجاوز ما تستطيع تحقيقه أو استيعابه مباشرةً، فظهرت استجابات حسية أو تمثيلية مخصوصة أعادت تنظيم تلك الإمكانات.

لكن إمكان هذا التفسير لا يساوي إثباته.

فالآثار الفنية المبكرة، مهما بلغت دلالتها، لا تكشف مباشرةً عن البنية العقلية التي أنتجتها، ولا عن طبيعة الفجوة التي استدعت إنتاجها.

كما أن وجود وظيفة تعويضية في عمل فني لا يثبت أنها كانت سبب نشأته الأول. فقد تنشأ الممارسة ضمن شروط متعددة، ثم تكتسب وظائف جديدة خلال استمرارها.

لذلك ينبغي التمييز بين ثلاث دعاوى: أن الفن يمكن أن يؤدي وظيفة تعويضية، وأن هذه الوظيفة شرط بنيوي لإمكان بعض أشكاله، وأنها السبب التاريخي الأول لنشوء جميع الفنون.

الدعوى الأولى قابلة للدفاع بأمثلة وتحليلات محددة. والثانية تحتاج إلى اشتقاق بنيوي يحدد ضرورة الاستجابة الفنية. أما الثالثة فتحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية ومقارنة لا توفرها البنية النظرية وحدها.

وتبقى الفرضية التاريخية قابلة للاختبار بقدر ما تستطيع تحديد فروق متوقعة بين الممارسات الفنية وغيرها، وربط ظهورها بتحولات مستقلة في القدرات الإدراكية والتنظيمية والتعبيرية.

ثامنًا: تغير التجليات الفنية عبر العصور

إذا كان الفن استجابة مخصوصة لفجوة متولدة عن التحقق، فإن تغير التجليات الفنية عبر التاريخ يصبح قابلًا للفهم من خلال تحول شروط إنتاج الفجوة نفسها.

فالعجز الذي يواجهه نسق عقلي في شروط تحقق معينة ليس بالضرورة العجز الذي يواجهه نسق آخر في شروط تاريخية مختلفة.

وقد تتغير أنماط الاقتران والتنظيم والتمثيل، وتتغير معها إمكانات الاستجابة الفنية، حتى عندما لا تختفي الممارسات السابقة أو تفقد قيمتها الجمالية.

وعليه، لا يلزم أن يكون ظهور نمط فني جديد نتيجة إخفاق النمط السابق في تحقيق معاييره الخاصة.

فقد يبلغ نمط فني درجة عالية من الإتقان، ثم يتراجع حضوره التاريخي لأن شروط التحقق التي جعلته استجابة راجحة قد تغيرت.

وهذا يسمح بالتمييز بين اكتمال العمل الفني ضمن شروطه وبين استمرار ملاءمة النمط الفني لشروط تاريخية لاحقة.

كما يفسر، من حيث المبدأ، إمكان تعايش أنماط فنية متعارضة داخل العصر الواحد. فالجماعات والأفراد لا يشغلون مواقع متماثلة داخل البنية الاجتماعية والمعرفية، ولا تتطابق لديهم الفجوات أو أنماط الاستجابة.

ولذلك لا ينبغي اختزال عصر كامل في تجلٍّ فني واحد، أو افتراض أن جميع فنونه تمثل مرحلة موحدة من التطور.

إن تاريخ الفن، وفق هذا المنظور، ليس مجرد تعاقب للأشكال، بل تاريخ لتحول شروط التحقق العقلي والاجتماعي، وما ينتج عنها من فجوات واستجابات مخصوصة.

ولا تصبح هذه القراءة تفسيرًا تاريخيًا مكتملًا إلا عندما تُربط التحولات الفنية المحددة بتحولات يمكن إثباتها بصورة مستقلة في شروط إنتاجها.

تاسعًا: نقد التصنيفات القيمية للتاريخ الفني

تترتب على هذا التصور نتيجة منهجية تتعلق بالأحكام التاريخية على الفن.

فالتصنيفات التي ترتب المراحل الفنية ضمن سلسلة عامة من البدائية إلى النضج، أو من الازدهار إلى الانحطاط، تفترض غالبًا معيارًا ثابتًا تُقاس به أنماط نشأت في شروط مختلفة.

وقد يكون المعيار دقة المحاكاة، أو الانسجام الشكلي، أو التعقيد التقني، أو الالتزام بقواعد جمالية مخصوصة.

لكن تحويل أحد هذه المعايير إلى مقياس شامل لتاريخ الفن يعني افتراض أن جميع التجليات الفنية تستجيب للمشكلة نفسها، وتسعى إلى الغاية نفسها، وتتحقق ضمن الشروط نفسها.

وهذا ما ترفضه المقاربة التكوينية.

فإذا تغيرت الفجوة التي تستدعي الإنتاج الفني، وتغير نمط الاستجابة الملائم لها، فإن اختلاف النتائج لا يبرر وحده ترتيبها في سلم قيمي واحد.

وقد يكون التخلي عن المحاكاة الدقيقة انتقالًا إلى مشكلة فنية أخرى، لا عجزًا عن المحاكاة. وقد يكون التبسيط الشكلي اختيارًا تنظيميًا منتجًا، لا فقدانًا للمهارة. وقد يكون تفكيك البنية الجمالية السابقة استجابةً لشروط لم تعد تستوعبها تلك البنية.

ولا يعني هذا إلغاء النقد الفني أو إنكار الفروق في الجودة والإتقان والابتكار.

بل يعني ضرورة الفصل بين تقييم العمل وفق معايير معلنة وملائمة لموضوعه، وبين إصدار حكم تاريخي شامل على نمط فني أو عصر كامل.

فليس كل اختلاف تقدمًا، وليس كل تحول انحطاطًا، وليس كل استمرار دليلًا على الجمود.

إن المطلوب هو الانتقال من التصنيف القيمي المسبق إلى التفسير التكويني: ما الذي تغير في شروط التحقق حتى تغير الفن؟

وبذلك تصبح مفاهيم مثل «الانحطاط» أحكامًا تحتاج إلى تحديد معيارها ومجال صلاحيتها، لا تفسيرات مكتفية بذاتها للتحول الفني.

عاشرًا: التعالق والاقتران وتعدد الاستجابات الفنية

يفترض النموذج التكويني تمييزًا بين التعالق العام والاقتران المخصوص.

فالتعالق يشير إلى البنية العامة للتحدد المتبادل، بينما يشير الاقتران إلى تخصيص تشغيلي داخل هذه البنية.

ولا يعني ازدياد الاقتران ازدياد التعالق العام بالمعنى نفسه؛ إذ قد يؤدي تخصيص الارتباطات التشغيلية إلى تضييق مجال التعالق المتاح داخل نمط تحقق معين.

وعند تطبيق هذا التمييز على النسق العقلي، يمكن افتراض أن اختلاف أنماط الاقتران يؤدي إلى اختلاف إمكانات الاستيعاب والتمثيل والتنظيم.

فليس من الضروري أن تنتج الفجوة الواحدة استجابة فنية واحدة، ولا أن تنتج أنماط الاقتران المختلفة الصيغة الفنية نفسها.

وقد تتجه بعض الاستجابات إلى تكثيف التنظيم الشكلي، بينما تتجه أخرى إلى توسيع الإمكانات التعبيرية أو تفكيك أنماط التنظيم السابقة أو إعادة تركيبها.

لكن لا يجوز تحويل هذه الاحتمالات إلى تصنيف جاهز للفنون قبل اشتقاق العلاقة بين البنية الاقترانية والخصائص الفنية المحددة.

إن أهمية التمييز بين التعالق والاقتران تكمن هنا في أنه يتيح تفسير تعدد الاستجابات دون افتراض تعدد القوانين المؤسسة لها.

فالقانون العام واحد، بينما تختلف أنماط تحققه المخصوصة.

حادي عشر: حدود النظرية وشروط اختبارها

تكتسب الفرضية قيمتها العلمية والفلسفية بقدر ما تستطيع تجاوز إعادة تسمية الظواهر إلى تفسير فروق محددة بينها.

ولهذا تواجه خمسة التزامات رئيسية.

أولها تحديد مفهوم الفجوة تحديدًا يسمح بالتمييز بين ازديادها وانخفاضها، بدل جعلها اسمًا عامًا لكل نقص أو توتر.

وثانيها بيان العلاقة بين التكثف والامتداد بصورة تثبت متى ينشأ تفاوت متزايد بينهما، ومتى يكون هذا التفاوت أسيًا بالفعل.

وثالثها تحديد الحد الحرج للاستيعاب، وإظهار الفرق بين مجرد ازدياد العجز وحدوث تحول تشغيلي يستدعي إعادة التنظيم.

ورابعها اشتقاق ما يميز الاستجابة الفنية عن الاستجابات المعرفية والتقنية واللغوية وغيرها، حتى لا تصبح كل استجابة تعويضية فنًا بالتعريف.

وخامسها اختبار التفسير التاريخي من خلال حالات محددة، مع البحث عن أدلة قد تعارض الفرضية، لا الاقتصار على الأمثلة القابلة لإعادة تأويلها بما يوافقها.

وإذا أمكن تفسير كل فن بأنه تعويض عن فجوة مفترضة دون إثبات مستقل لوجود تلك الفجوة، فلن تكون الفرضية قد قدمت تفسيرًا قابلًا للاختبار.

كما أن اشتقاق إمكان الفن من بنية العقل لا يثبت وحده أن جميع الفنون نشأت تاريخيًا بالطريقة نفسها.

وهنا ينبغي الحفاظ على الفرق بين الضرورة البنيوية، والإمكان التشغيلي، والسببية التاريخية.

الخاتمة: الفن بوصفه تحققًا للعقل في مواجهة عجزه المتولد

تسعى هذه الدراسة إلى نقل السؤال عن الفن من البحث في خصائص العمل الفني المكتمل إلى البحث في شروط إمكان إنتاجه داخل دينامية تحقق العقل.

وتقوم أطروحتها على أن العجز ليس بالضرورة حالة نقص تتراجع مع تقدم العقل، بل قد يكون نتيجة متجددة لتنامي تحققه. فازدياد التكثف والامتداد، وما ينشأ عن تفاوت متطلباتهما وقدراتهما التشغيلية من فجوة، قد يدفع النسق إلى حدود حرجة تستدعي إعادة تنظيم استجاباته.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الفن بوصفه نمطًا مخصوصًا من التحقق التعويضي؛ لا يزيل بالضرورة العجز الذي استدعاه، وإنما ينتج تنظيمًا بديلًا للتجربة، يسمح للنسق بتحقيق ما تعذر تحقيقه ضمن تنظيمه السابق في صيغة أخرى.

ومن هذه الفرضية ينشأ إمكان تفسير استمرار الفن رغم تقدم المعرفة، وتعدد التجليات الفنية داخل العصر الواحد، وتحولها بين العصور، دون افتراض أن التاريخ الفني محكوم بسلم واحد من التقدم والانحطاط.

لكن هذا التفسير لا يكتمل بمجرد اتساقه مع نظرية التكوّن؛ بل يتطلب اشتقاق الخصوصية الفنية للاستجابة، وتحديد آليات الفجوة وحدود الاستيعاب، وإخضاع الادعاءات التاريخية للاختبار المستقل.

وعليه، يمكن تكثيف الأطروحة في القضية التالية:

الفن ليس مجرد تعويض عن عجز سابق على تحقق العقل؛ بل قد يكون أحد أنماط تحقق العقل استجابةً للعجز الذي يولّده تحققه نفسه. ومن ثم فإن تغير الفنون لا يعكس بالضرورة ارتقاءً أو انحطاطًا، بل قد يعكس تحول الفجوات التي تستدعيها، وأنماط التنظيم التي تجعل استجاباتها ممكنة.

وبهذا المعنى، لا يكون الفن نقيضًا للعقل، ولا بقايا مرحلة معرفية ناقصة، وإنما أحد التجليات الممكنة لديناميته التكوينية المستمرة.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يفشل الصراع في إنتاج دولة: قراءة في البنية والزمن معًا
- المأزق العميق للدولة الحديثة من أزمة الدولة إلى أزمة الطور ا ...
- لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك ...
- إيران بعد الحرب: هل دخل الحرس الثوري لحظة “صفوان غير المكتمل ...
- الأحلام المضيّعة بوصفها انهيارًا في تنظيم الفجوة نحو قراءة إ ...
- الخليج لا يعلن الحرب… بل يثبّت الشروط التي سيُسمح ضمنها للنه ...
- إيران بين ازدواجية القرار وحدّ التحول البنيوي: قراءة مُحكَمة
- الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال ت ...
- الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع ...
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...


المزيد.....




- يحبّها المسافرون وتكرهها شركات الطيران: طائرة على وشك الاختف ...
- -فشل كامل في التنفيذ-.. هبة قصاص تتحدث عن وقف إطلاق النار في ...
- مستشار بارز سابق بالبيت الأبيض يعلق على -حلف مكة- وما ينطوي ...
- بوتين يؤكد: لا يجوز نسيان معاناة فلسطين ولا بديل عن حل الدول ...
- آيزنكوت: نتنياهو وشركاؤه يقودون عملية تأثير بهدف التشكيك بشر ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1425 مسيرة وتحييد 1155 جنديا أوكرانيا ...
- بوتين يستذكر موقفا للرئيس المصري الراحل مبارك فاجأه في الكرم ...
- -روساتوم- تكشف طبيعة أعمال التخريب لمشروع الضبعة النووي في م ...
- بوتين يشيد بمساهمة ميلانيا ترامب في تنظيم المهمة الإنسانية ب ...
- الاتحاد الأوروبي يتراجع عن منح كندا صفة -عضو منتسب-


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - انفجار العجز وتعويض الفجوة نحو نظرية تكوينية للفن في دينامية العقل