أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - المرأة: المتن المؤسِّس للدولة العقدية قراءة في السيادة بالخضوع وتكوين المجتمع















المزيد.....

المرأة: المتن المؤسِّس للدولة العقدية قراءة في السيادة بالخضوع وتكوين المجتمع


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 20:00
المحور: قضايا ثقافية
    


لماذا تحتل المرأة هذا الموقع الطاغي في خطاب السلفية، وخصوصاً في تأويلاتها السياسية السلطوية؟

ليس الكبت الجنسي، ولا الهوس الذكوري، ولا المحافظة الأخلاقية، تفسيراً كافياً لهذه المركزية.

فالمشكلة تبدأ، إبستمولوجياً، من افتراض أن المرأة موضوع هامشي ينشغل به مشروع عقدي مكتمل التكوين.

ماذا لو عكسنا السؤال؟

ماذا لو كانت العلاقة المفروضة على المرأة أحد الشروط التأسيسية لتكوّن المشروع نفسه؟

هنا تتغير زاوية النظر جذرياً.

فالمرأة ليست مجرد موضوع للضبط، بل هي المختبر الأول والحاسم الذي تتحول فيه السيادة العقدية من استحقاق معلن إلى علاقة اجتماعية متحققة.

إن البناء العقدي السلطوي الذي ندرسه يقدم للإنسان، وخصوصاً المهمَّش، ما لا يحتاج إلى ثروة أو علم أو نفوذ أو إنجاز للحصول عليه: موقعاً سيادياً داخل مجال ولايته.

فمهما كان الرجل فقيراً أو معدماً أو عاجزاً عن تحقيق طموحاته، يستطيع، بمجرد انتمائه وخضوعه للمرجعية العليا، أن يرى نفسه صاحب ولاية تستوجب طاعة الآخرين.

لكن السيادة ليست صفة تتحقق بإعلانها؛ إنها علاقة لا تقوم إلا بوجود طرف يخضع لها.

وهنا تحديداً تظهر الوظيفة التأسيسية للمرأة.

فخضوع المرأة لا يأتي بعد تحقق سيادة الرجل؛ بل إن هذه السيادة تتحقق اجتماعياً من خلال خضوعها.

ولا يكتفي التأويل السلطوي بفرض الطاعة عليها، بل يعيد تعريف فضيلتها واكتمالها من خلالها، ويربط رضاها بموقعها باستحقاقها الأخروي.

وهكذا يصبح إخضاع المرأة شرطاً لاكتمال موقع الرجل، ويُطلب منها أن ترى في خضوعها شرطاً لاكتمال موقعها هي أيضاً.

إنها علاقة تنتج طرفيها داخل تراتب واحد: سيداً تتحقق سيادته بالخضوع له، وخاضعةً يُعاد تعريف فضيلتها بقبول سيادته.

وهنا نفهم الإمكان السياسي لتوظيف عبارة «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته».

فحين تتحول الرعاية إلى ولاية، والولاية إلى استحقاق للطاعة، يمكن توزيع مواقع السلطة داخل تراتب عام، دون أن يكون أصحاب هذه المواقع شركاء في السيادة العليا.

الجميع يمكن أن يكونوا أصحاب ولاية، لكن لا ولاية لأحد إلا بخضوعه للمرجعية التي تمنحها.

وبذلك يصبح الخضوع طريقاً إلى السيادة، وتصبح السيادة سبباً للتمسك بالخضوع.

لكن ما يمنح هذا البناء قوته المحتملة ليس الاعتراف العقدي بالولاية وحده، بل تحققها اليومي داخل الأسرة.

فالرجل الذي يعجز عن توفير شروط حياة كريمة لأسرته قد يظل مكتمل الموقع السيادي، ما دام امتثال من تشملهم ولايته واجباً، ورضاهم بما هو متاح فضيلة.

هنا لا يُزال الحرمان؛ بل يُعاد تعريف الاكتمال بحيث لا يعود الحرمان ناقضاً له.

ثم يأتي مفهوم الابتلاء:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ — البقرة: 155.

في التوظيف السياسي السلطوي، يمكن أن يتحول استمرار الحرمان من سبب لمساءلة المسؤولين عنه إلى امتحان للصبر والإيمان.

وهكذا يستطيع النسق أن يحتكر معيارين معاً: معيار الاكتمال، ومعيار الإخفاق.

فالولاية المتحققة تؤكد اكتمال صاحبها، والحرمان المستمر يمكن تفسيره بوصفه ابتلاءً لا ينقض ذلك الاكتمال.

وما كان ينبغي أن يستدعي مراجعة شروط الحياة، قد يتحول إلى سبب إضافي للتمسك بالمرجعية التي تمنح الحرمان معناه.

لكن الأسرة ليست نهاية العملية.

وهنا تقع النقلة السياسية الحاسمة.

فالأسرة الخاضعة ليست مجرد مكان تُطبَّق فيه العقيدة؛ بل هي الوحدة الأولى التي يُعاد فيها إنتاج علاقات الولاية والخضوع، ويتشكل داخلها وعي الجيل التالي بهذه العلاقات.

وعندما تنتظم الأسر وفق المرجعية نفسها، لا ينشأ المجتمع المأمول بمجرد جمعها بعضها إلى بعض، بل من تعالق علاقاتها داخل تراتب ولائي تتكرر فيه قاعدة واحدة: تستمد الولاية مشروعيتها من الخضوع للمرجعية العليا، وتتحقق بممارسة السلطة على من تشملهم.

وهكذا يصبح المجتمع، في تصور المشروع، شبكةً من الولايات المتداخلة، لا مجرد أفراد يشتركون في الاعتقاد.

وهنا لا تعود الدولة العقدية مجرد سلطة تسعى إلى فرض نموذجها على المجتمع؛ بل تصبح، في منطق المشروع، التعبير المؤسسي عن مجتمع جرى تشكيل علاقاته مسبقاً وفق المرجعية نفسها.

ليست المسألة، إذن، أن الدولة تُخضع المرأة وحسب.

بل إن إخضاع المرأة يمكن أن يكون أحد شروط تكوين الأسرة التي تعيد إنتاج علاقات الخضوع، والمجتمع الذي تنتظم فيه هذه العلاقات، والدولة التي تُقدَّم بوصفها امتدادها السياسي المستحق.

وهذا يفسر، في الوقت نفسه، التعارض البنيوي بين هذا التأويل السلطوي والعلمانية.

فالعلمانية السياسية لا تمنع المؤمن من الخضوع الطوعي لمعتقده، لكنها تنفي أن يمنحه ذلك الخضوع حق إخضاع الآخرين.

أما في البناء الذي ندرسه، فإن ممارسة الولاية ليست مجرد امتياز دنيوي؛ بل قد تصبح جزءاً من اكتمال المؤمن وأداء واجبه العقدي.

لذلك لا يكون النزاع مجرد خلاف حول فصل الدين عن الدولة، بل حول إمكان قيام سيادة دينية ملزمة على البشر من غير رضاهم.

والأخطر أن المشروع، حين يتمكن من إعادة إنتاج علاقاته داخل الأسرة، لا يعود معتمداً على استقطاب أفراد تشكل وعيهم خارجه وحدهم؛ بل يستطيع المشاركة في تكوين أجيال تتلقى التراتب والولاية والطاعة بوصفها علاقات مألوفة منذ نشأتها.

وهنا ينتقل المعتقد من محاولة إقناع الإنسان إلى المشاركة في تكوين الوعي الذي سيتلقى المعتقد نفسه.

⸻

الخلاصة

إن مركزية المرأة في هذا البناء ليست عرضاً جانبياً، ولا مجرد انعكاس لرغبات الذكور أو مخاوفهم.

إنها مركزية تكوينية.

فالمرأة هي موضع التحقق الأول للسيادة الممنوحة للرجل، والأسرة هي مجال إعادة إنتاج تلك السيادة، والمجتمع المأمول هو انتظام العلاقات الولائية في نسق شامل، والدولة المنشودة هي صورته المؤسسية.

ويمنح هذا البناء المهمَّش اكتمالاً سيادياً لا يشترط زوال حرمانه، ثم يتيح تفسير الحرمان المتبقي بوصفه ابتلاءً لا ينقض مشروعية انتمائه.

وبذلك تتعالق السيادة والخضوع والاكتمال والابتلاء وإعادة إنتاج الوعي في بنية واحدة.

ليست المرأة هامشاً ينشغل به المشروع العقدي السلطوي؛ بل إن إخضاعها جزء من المتن الذي يتكوّن منه المشروع.

وهذه هي النقلة الإبستمولوجية الحاسمة:

لا ندرس كيف تُخضع الدولة العقدية المرأة، بل كيف يمكن أن يصبح إخضاع المرأة أحد الشروط التأسيسية لتكوين المجتمع الذي يتصور المشروع أن دولته مستحقة له.

وهي فرضية تخص التأويلات السلطوية المعنية، لا الإسلام كله ولا كل أشكال السلفية؛ وتفسر آلية تكوينية ممكنة، لا حتمية تاريخية.

فالمرأة، هنا، ليست مسألةً داخل مشروع الدولة؛ بل مفتاحٌ لفهم كيفية تكوّن مشروع الدولة نفسه.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السيادة بالخضوع والاكتمال بالانتماء البنية التكوينية للمعتقد ...
- انفجار العجز وتعويض الفجوة نحو نظرية تكوينية للفن في دينامية ...
- حين يفشل الصراع في إنتاج دولة: قراءة في البنية والزمن معًا
- المأزق العميق للدولة الحديثة من أزمة الدولة إلى أزمة الطور ا ...
- لا يكره البشر الاستبداد… بل يكرهون أن يُستبدّ بهم نحو تفكيك ...
- إيران بعد الحرب: هل دخل الحرس الثوري لحظة “صفوان غير المكتمل ...
- الأحلام المضيّعة بوصفها انهيارًا في تنظيم الفجوة نحو قراءة إ ...
- الخليج لا يعلن الحرب… بل يثبّت الشروط التي سيُسمح ضمنها للنه ...
- إيران بين ازدواجية القرار وحدّ التحول البنيوي: قراءة مُحكَمة
- الشرق الأوسط على حافة التحول العالمي: قراءة بنيوية لاحتمال ت ...
- الحرب وإعادة تركيب المصفوفة الإقليمية قراءة مصفوفية في تقاطع ...
- بعد سقوط الثورة: رهان عودة الدولة بوصفه خيار العبور الأقل كل ...
- اليوم التالي لإيران: حين يصبح الفراغ أخطر من النظام قراءة اس ...
- بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل


المزيد.....




- إلغاء -الصورة الجماعية- لوزراء خارجية مجموعة العشرين بأمريكا ...
- الإمارات.. احتواء التسرب من ناقلة نفط تعرضت لحادث قبالة مياه ...
- شتاء ثلجي على بعد 4 ساعات من دبي.. -روزا خوتور- أفضل منتجع ل ...
- الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات قصف وتفجير وإحراق منازل في جنوب ...
- الكنيست بلا حسم.. ونتنياهو يختبر البقاء
- التحالف يعلن اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون ومسيّرة في ...
- الدفاع الروسية تعلن استهداف سفينة أوكرانية تحمل إمدادات عسكر ...
- ليو الرابع عشر أول بابا يدلي بصوته في انتخابات أمريكية
- أردوغان يتعرض لموقف عفوي طريف خلال توقيع اتفاقية مع كازاخستا ...
- إفريقيا وروسيا.. شراكة استراتيجية تتوسع


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي مسلط الهويدي - المرأة: المتن المؤسِّس للدولة العقدية قراءة في السيادة بالخضوع وتكوين المجتمع