ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 09:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من الأخطاء الشائعة في قراءة سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019 اختزال ما جرى في رواية الثورة الشعبية التي انتصرت على نظام عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم وهي رواية جعلت من الحراك الجماهيري القوة الحاسمة والفاعل الأوحد في إسقاط النظام بينما أغفلت الجانب الأكثر أهمية في فهم ذلك التحول وهو ما جرى داخل بنية السلطة نفسها وفي مراكز اتخاذ القرار التي كانت تمتلك أدوات القوة والأمن والنفوذ
إن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر قراءة تلك المرحلة ليس كيف خرج الناس إلى الشوارع فحسب وإنما كيف انتهى الأمر بنظام امتلك طوال ثلاثين عاما أجهزة أمنية وعسكرية واستخباراتية شديدة التعقيد إلى أن يخلع رأسه بيد رجاله وكيف أصبح رئيسه الذي ظل يمسك بمفاصل السلطة طوال تلك السنوات عاجزا عن حماية موقعه داخل المؤسسات التي قامت على ولائه وشرعيته
إن ما حدث في أبريل 2019 كان في جوهره عملية إسقاط من داخل النظام نفسه شاركت فيها مراكز القوة والنفوذ التي تشكلت في ظله وتولت إدارة مؤسساته الأمنية والعسكرية والسياسية وكان الحراك الجماهيري حاضرا في المشهد ومؤثرا في الضغط على السلطة لكنه لم يكن هو الذي امتلك قرار الإطاحة أو أدوات تنفيذها
فلم يكن اعتصام القيادة العامة يمثل كتلة حرجة بالمعنى السياسي والاستراتيجي الذي يمنحه القدرة الذاتية على إسقاط نظام الإنقاذ وانتزاع السلطة من مؤسساته فعلى الرغم من كبر الهالة حول رمزيته واتساع زخمه الإعلامي والسياسي لم يكن الاعتصام يمتلك قيادة موحدة أو مركز قرار جامعاً أو مشروعا سياسيا متوافقا عليه أو أدوات تنظيمية ومادية تمكنه من فرض إرادته على أجهزة الدولة ومراكز القوة فيها
ومن ثم فإن تصوير الاعتصام باعتباره القوة الحاسمة التي أجبرت النظام على السقوط يتجاوز حدود ما كان يمتلكه فعليا من قدرة على تغيير موازين السلطة فالاعتصام كان حاضرا في المكان الذي جرى فيه إسقاط البشير لكن القرار الذي أزاحه صدر من داخل اللجنة الأمنية والتنفيذ جرى بأدوات المؤسسة التي كان يفترض أن تحميه
وفي قلب هذه العملية يبرز اسم صلاح عبد الله قوش باعتباره أحد أبرز المحركات الأمنية والسياسية ومهندس عملية الإطاحة بالبشير
لم يكن قوش شخصية هامشية في نظام الإنقاذ بل كان أحد أكثر رجاله معرفة بتفاصيله الداخلية وشبكات نفوذه ومراكز قوته فقد تولى قيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني وامتلك من المعلومات والعلاقات والقدرات المؤسسية ما جعله في موقع يسمح له بفهم نقاط الضعف داخل النظام وإدارة التحركات التي يمكن أن تغير موازين القوة فيه
ولذلك فإن دوره في أحداث أبريل لا يمكن قراءته باعتباره موقفا عابرا لمسؤول أمني أدرك أن النظام يواجه أزمة فاختار الانحياز إلى التغيير بل كان تحركا أوسع لإزاحة رأس النظام وإعادة ترتيب السلطة من داخل مؤسساته
وتكشف التقارير التي تناولت تلك المرحلة عن تفاصيل بالغة الأهمية في هذا الاتجاه فقد نشرت وكالة رويترز في الثالث من يوليو 2019 تحقيقا استقصائيا تناول كواليس الساعات الأخيرة من حكم البشير وروى كيف زار صلاح قوش البشير ليلة العاشر من أبريل وطمأنه بأن الاعتصام أمام القيادة العامة لن يشكل خطرا على حكمه وأنه سيتم احتواؤه ثم ذهب البشير إلى النوم مطمئنا قبل أن يستيقظ بعد ساعات ليجد أن حراسته قد استبدلت بجنود عاديين وأن اللجنة الأمنية العليا قررت عزله
ونقل التحقيق عن مصادر كانت على صلة مباشرة بالأحداث أن قوش أجرى اتصالات مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين للتوافق على إنهاء حكم البشير كما ورد في التقرير إلى أن التحركات الرامية إلى إزاحة الرئيس كانت قد بدأت قبل ذلك بأشهر وأن قوش كان من أبرز الشخصيات التي عملت على ترتيب خروجه من السلطة
وما يكشف عن امتداد هذه التحركات إلى خارج الحدود ما أورده تحقيق مجلة فورين بوليسي المنشور في الخامس من يونيو 2019 إذ نقل عن صلاح قوش نفسه إقراره بأن دولة الإمارات العربية المتحدة دفعت باتجاه الحراك الذي أطاح بالبشير لكنه نفى أن تكون هي القوة الرئيسية المحركة له وهذا التصريح الصادر عن قوش يكتسب أهميته من كونه صادرا عن أحد أبرز الفاعلين في عملية الإطاحة ويؤكد أن التحرك لم يكن معزولا عن محيطه الإقليمي وأن أطرافا خارجية كانت على صلة بما يجري داخل السودان وتتابع مسار التغيير وتسانده وفق ما أورده التحقيق
وهذه الرواية تكشف مفارقة بالغة الدلالة فالرجل الذي كان يتولى حماية النظام أمنيا أصبح هو نفسه أحد أبرز مهندسي إزاحة رأسه
لكن الشاهد الأكثر أهمية في فهم الدور الذي أداه قوش لا يتعلق فقط بليلة العاشر من أبريل وإنما بما سبقها من ترتيبات ميدانية وأمنية مهدت لعملية الإسقاط
ففي تقريرها المعنون صون ثورة السودان الصادر في الحادي والعشرين من أكتوبر 2019 تناولت مجموعة الأزمات الدولية تفاصيل وصول المتظاهرين إلى محيط القيادة العامة في السادس من أبريل وما رافق ذلك من تحولات داخل الأجهزة الأمنية
وذكر التقرير أن قوات من شرطة مكافحة الشغب وعناصر من جهاز الأمن كانت تستعد لمنع المتظاهرين من الوصول إلى القيادة العامة غير أن عناصر من قوات الأمن بقيادة قوش حالت دون اعتراض تقدمهم بحسب مصدر تحدث إلى مجموعة الأزمات الدولية وهي واقعة تكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى موقع صلاح قوش على رأس الجهاز وطبيعة سلطته على وحداته وتشكيلاته
إن هذه الواقعة لا تعني أن الطريق إلى القيادة كان خاليا من المواجهات أو أن جميع وحدات الأمن كانت قد تلقت أمرا موحدا بترك المتظاهرين يتقدمون لكنها تكشف عن تدخل من داخل الجهاز الأمني نفسه منع قوات كانت تستعد لاعتراضهم وهو ما يضع موقف قيادة الجهاز في قلب الأسئلة المتعلقة بكيفية وصول المتظاهرين إلى ذلك الموقع الحساس
إن السماح للمتظاهرين بالوصول إلى القيادة العامة لم يكن تفصيلا أمنيا عابرا في سياق الأحداث بل كان تحولا بالغ الأهمية في إدارة المشهد فالموقع الذي وصل إليه المتظاهرون كان يضم القيادة العسكرية ومقار سيادية وأمنية وكان إنشاء اعتصام أمامه ذا دلالة سياسية وأمنية استثنائية
فإذا كانت أجهزة النظام قد اعتادت على منع الاحتجاجات وتفريقها وملاحقة المشاركين فيها فإن التراجع عن اعتراض تقدم المتظاهرين في تلك اللحظة والتدخل لمنع القوات التي كانت تستعد لذلك يفهم منه أن ذلك جزءا من ترتيبات محسوبة لتهيئة الظروف التي تسمح بإعادة ترتيب السلطة والتخلص من البشير
إن ما تكشفه هذه الوقائع هو أن جهاز الأمن لم يكن مجرد مؤسسة تراقب الأحداث من بعيد وإنما كان طرفا فاعلا في إدارة المشهد وأن موقف قيادته من وصول المتظاهرين إلى القيادة العامة كان عاملا مؤثرا في تطور الأحداث وفي تحول ذلك الموقع إلى مركز للاعتصام الذي أصبح لاحقا مسرحا لإعلان الإطاحة بالبشير
ولم يكن قوش وحده في هذا المسار فقد ذكر تقرير مجموعة الأزمات الدولية وجود تفاهمات بينه وبين حميدتي بشأن الإطاحة بالبشير قبل أن تتدهور العلاقة بينهما نتيجة التنافس على القيادة والنفوذ
وهذا التفصيل يكشف أن الصراع لم يكن مجرد خلاف بين الرئيس وبعض معاونيه وإنما كان صراعا داخل مراكز القوة التي تشكل النظام نفسه وأن أطرافا من داخل تلك المنظومة كانت تعمل على تجاوز البشير وإعادة تشكيل موازين السلطة
وفي العاشر من أبريل اتخذت اللجنة الأمنية قرار إزاحة البشير بعد اجتماع أعقبه فصل اتصالات الرئيس واستبدال حراسته
وفي صباح الحادي عشر من أبريل ظهر وزير الدفاع أحمد عوض بن عوف معلنا اعتقال البشير وتشكيل المجلس العسكري الانتقالي وتعليق العمل بالدستور
لكن بن عوف لم يستمر في موقعه سوى يوم واحد قبل أن يتنحى ويصعد عبد الفتاح البرهان إلى رئاسة المجلس العسكري فيما تولى حميدتي موقع نائب الرئيس
وهنا تظهر ملامح عملية إعادة توزيع السلطة بصورة أكثر وضوحا فالرجل الذي أزيح لم يكن وحده الذي تغير موقعه وإنما تغيرت معه خريطة النفوذ داخل الدولة وصعدت إلى واجهة السلطة شخصيات كانت جزءا من المنظومة نفسها وامتلكت أدواتها الأمنية والعسكرية وكانت حاضرة في دوائر اتخاذ القرار قبل سقوط البشير
أما صلاح قوش فقد غادر موقعه في الثالث عشر من أبريل بعد أن تقدم باستقالته من رئاسة جهاز الأمن والمخابرات الوطني بعد يومين فقط من إزاحة البشير
إن تسلسل هذه الوقائع يضع أمامنا صورة مختلفة عن الصورة التي اختزلت سقوط الإنقاذ في انتصار طرف على طرف آخر خارج النظام
لقد جرى إسقاط رأس السلطة من داخل مؤسساتها وبواسطة رجالها وبقرار من لجنتها الأمنية وبأدواتها العسكرية والاستخباراتية
ولذلك فإن وصف صلاح قوش بأنه مهندس الإسقاط ليس مجرد توصيف سياسي بل هو قراءة لدوره في ضوء ما أوردته التقارير والشهادات عن تحركاته واتصالاته وتدخله في مسار الأحداث قبل الإطاحة بالبشير
ولا يعني ذلك أن قوش كان صاحب القرار الوحيد أو أن بقية القيادات كانت مجرد أدوات في يده فاللجنة الأمنية كانت صاحبة القرار المؤسسي في العاشر من أبريل وكانت هناك مصالح وتفاهمات وصراعات بين أطراف متعددة لكن موقع قوش في تلك العملية يجعله أحد أبرز المحركات التي لا يمكن تجاوزها عند إعادة بناء ما حدث
والأهم من ذلك أن سقوط البشير لم يؤد إلى تفكيك المنظومة التي حكمت السودان وإنما أدى إلى انتقال مركز الثقل من صيغة قيادية إلى صيغة أخرى وإلى إعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة التي كانت موجودة أصلا داخل الدولة
وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر خطورة عن المرحلة التي أعقبت أبريل 2019 وعن طبيعة الترتيبات التي أنتجت المجلس العسكري الانتقالي وعن الأدوار التي لعبتها الشخصيات التي صعدت إلى السلطة بعد إزاحة البشير وعن المصالح التي تقاطعت بينها ثم تحولت إلى صراعات مفتوحة
إن فهم ما جرى في السودان بعد أبريل 2019 يقتضي العودة إلى لحظة إسقاط البشير لا باعتبارها نهاية نظام الإنقاذ وإنما باعتبارها لحظة إعادة تشكيل السلطة من داخله
فقد سقط البشير وبقيت مؤسسات القوة التي أحاطت به وصعد بعض رجاله إلى مواقع جديدة بينما غادر آخرون المشهد بعد أن أدوا أدوارا محورية في عملية الإطاحة
وهكذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا أمام الباحثين والمؤرخين ليس فقط كيف سقط عمر البشير وإنما من قرر إسقاطه وكيف جرى تنفيذ القرار ومن امتلك القدرة على السماح بحدوث ما حدث ثم تحديد شكل السلطة التي أعقبته
لقد كانت الإنقاذ في أبريل 2019 أمام لحظة انكشاف داخلي انتهت بأن أسقطت نفسها بأيدي أبنائها وكان صلاح قوش في قلب تلك اللحظة بوصفه المحرك الأمني الأبرز ومهندس عملية إسقاط رأس النظام
فلم تكن الحكاية مجرد رئيس غادر القصر بعد ثلاثين عاما من الحكم وإنما منظومة سلطة أعادت ترتيب نفسها على أنقاض رأسها
المراجع والمصادر
1. وكالة رويترز — تحقيق كواليس سقوط عمر البشير
Special Report: Abandoned by the UAE, Sudan s Bashir Was Destined to Fall
تاريخ النشر: 3 يوليو 2019
يتناول زيارة صلاح قوش للبشير ليلة 10 أبريل والاتصالات التي سبقت إزاحته ودور قوش في التنسيق مع القيادات العسكرية والأمنية.
قراءة تحقيق رويترز
2. مجموعة الأزمات الدولية — صون ثورة السودان
Safeguarding Sudan’s Revolution — Africa Report No. 281
تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2019
يتناول تطورات الحراك والوصول إلى القيادة العامة ومواقف الأجهزة الأمنية والتحولات داخل مراكز القوة في النظام ويورد شهادة عن تدخل عناصر أمنية بقيادة قوش لمنع قوات كانت تستعد لاعتراض تقدم المتظاهرين.
قراءة التقرير الأصلي بصيغة PDF
3. مجلة فورين بوليسي — تصريح صلاح قوش بشأن الدور الإماراتي
Arab States Foment Sudan Chaos While U.S. Stands By
الكاتبان: Justin Lynch وRobbie Gramer
تاريخ النشر: 5 يونيو 2019
يتضمن تصريح قوش بأن الإمارات دفعت باتجاه التحرك الذي أطاح بالبشير لكنها لم تكن اللاعب الرئيسي فيه كما يعرض سياق التنافس والتدخلات الإقليمية في السودان.
قراءة تحقيق فورين بوليسي
4. مجلة فورين بوليسي — دور المؤسسة العسكرية في تجاوز الحراك
How Sudan’s Military Overcame the Revolution
الكاتب: Justin Lynch
تاريخ النشر: 5 أغسطس 2019
يتناول كيفية إتمام الإطاحة بالبشير عبر التحرك العسكري واستمرار نفوذ المؤسسة العسكرية بعد سقوط الرئيس ويتضمن إقرار قوش بمشاركته ودور الإمارات في دعم التحرك.
قراءة التحقيق
5. وكالة رويترز — استقالة صلاح قوش
Sudan s intelligence chief quits, protesters keep up pressure
تاريخ النشر: 13 أبريل 2019
يوثق استقالة قوش من رئاسة جهاز الأمن والمخابرات بعد سقوط البشير وتنحي أحمد عوض بن عوف وصعود عبد الفتاح البرهان.
قراءة الخبر
#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟