أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم عباس البشري - البحر الأحمر بين تنازع القوى الدولية وحماية العمق الإسرائيلي وهشاشة دول باب المندب















المزيد.....


البحر الأحمر بين تنازع القوى الدولية وحماية العمق الإسرائيلي وهشاشة دول باب المندب


ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 19:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس البحر الأحمر مجرد ممر مائي يصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط ولا مجرد طريق تجاري تعبره ناقلات النفط وسفن البضائع وإنما هو مجال جيوسياسي تتقاطع فيه استراتيجيات القوى الدولية والإقليمية وتتداخل فيه اعتبارات التجارة والطاقة والأمن العسكري وتُعاد عبره صياغة موازين النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وتتجاوز أهمية هذا البحر حدوده الجغرافية فهو يصل الخليج العربي وشرق أفريقيا بالشرق الأوسط ويربط المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط ويضع مضيق باب المندب في قلب المعادلة الاستراتيجية التي تجمع بين أمن التجارة الدولية وأمن الدول المطلة عليه وفي مقدمتها الدول الواقعة على جانبي المضيق وخليج عدن.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن البحر الأحمر الذي يمنح دوله أهمية استثنائية في الحسابات الدولية يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة عدد منها وعن الفجوة بين القيمة الاستراتيجية التي تمنحها الجغرافيا لهذه الدول والقدرة السياسية والمؤسسية التي تحتاج إليها لحماية سيادتها وإدارة مواردها وتحديد أولوياتها الوطنية.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز بُعد لا يمكن إغفاله سعي إسرائيل إلى حماية عمقها الاستراتيجي وتأمين منفذها على البحر الأحمر في تفاعل مع تنافس القوى الكبرى وتنامي الأهمية الأمنية لدول باب المندب وما تعانيه بعض هذه الدول من صراعات داخلية وانقسامات سياسية وضعف مؤسسي.
ومن هنا فإن فهم البحر الأحمر يقتضي تجاوز السؤال التقليدي المتعلق بمن يسيطر على الممرات البحرية إلى أسئلة أعمق
من يحدد قواعد الأمن في هذا المجال؟
كيف تتداخل حماية المصالح الإسرائيلية مع أمن الملاحة الدولية؟
ما موقع السودان واليمن والصومال وجيبوتي وإريتريا في هذه الحسابات؟
هل تستطيع الدول الساحلية تحويل أهميتها الجغرافية إلى قوة سياسية واقتصادية مستقلة أم ستظل سواحلها وموانئها ميادين لتنافس الآخرين؟


البحر الأحمر في هندسة القوة العالمية

تنبع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر من موقعه الذي يصل المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر باب المندب وقناة السويس، ومن ارتباطه بشبكات التجارة والطاقة والاتصالات الدولية. وقد أظهرت اضطرابات الملاحة منذ فترة أن تهديد هذا الممر قادر على إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف النقل والتأمين ودفع شركات الشحن إلى اتخاذ طرق بديلة حول رأس الرجاء الصالح. لكن هذه الأهمية لا تتوقف عند الاقتصاد فالممرات البحرية نقاط اختناق استراتيجية ومن يمتلك القدرة على تأمينها أو تهديدها يستطيع التأثير في حسابات خصومه حتى من دون امتلاك سيطرة مباشرة على المياه التي تمر عبرها السفن.
ولهذا تتنافس القوى الدولية والإقليمية على الوجود العسكرى والشراكات الأمنية والموانئ، ومرافق الإمداد ومواقع الرصد والاستخبارات فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية الملاحة والحفاظ على حضورها البحري والصين تحمي مصالحها التجارية وتدعم حضورها الخارجي وروسيا تسعى إلى توسيع خياراتها البحرية بينما تتحرك قوى إقليمية من بينها السعودية والإمارات وإيران وتركيا وإسرائيل، وفق حسابات تتصل بأمنها ونفوذها ومشروعاتها الاقتصادية.
ولا تتطابق أهداف هذه القوى بالضرورة فقد تتعاون في حماية الملاحة ثم تتنافس في تحديد من يمتلك النفوذ على الموانئ أو من يستطيع الوصول إلى القواعد والمنشآت أو من يؤثر في القرارات السياسية للدول الساحلية.
وبذلك يصبح البحر الأحمر مجالًا تتداخل فيه ثلاثة مستويات من القوة السيطرة على الممرات البحرية والنفوذ على اليابسة المحاذية لها والقدرة على التأثير في القرارات السيادية للدول المطلة عليه.


حماية العمق الإسرائيلي وإعادة تعريف المجال الأمني

تحتل حماية العمق الاستراتيجي موقعًا مهمًا في التفكير الأمني الإسرائيلي ويقصد بها هنا تأمين المراكز الحيوية وطرق الإمداد والمنافذ البحرية، وتوسيع قدرات الإنذار المبكر ومنع الخصوم من امتلاك القدرة على تهديد الأراضي الإسرائيلية أو تعطيل مصالحها الحيوية. وللبحر الأحمر خصوصية في هذه الحسابات إذ يمثل المنفذ البحري الجنوبي لإسرائيل ويمنح ميناء إيلات اتصالًا بالمحيط الهندي عبر خليج العقبة وباب المندب ومن ثم، فإن تعطيل الملاحة المؤدية إلى إيلات لا يمثل مجرد خسارة تجارية بل يكشف عن قابلية أحد المنافذ الاستراتيجية الإسرائيلية للتأثر بقدرات عسكرية تعمل على مسافة بعيدة من الحدود الإسرائيلية.
وقد كشفت الهجمات الحوثية منذ أواخر عام 2023 هذه المعضلة بوضوح فإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل واستهداف السفن في البحر الأحمر وتعطيل نشاط ميناء إيلات، أظهرت أن التهديد يمكن أن يأتي من الجنوب وأن المسافة الجغرافية لا توفر بالضرورة حماية كافية للمراكز الحيوية.
ومن هنا تتشكل دوافع إسرائيل إلى تعزيز قدراتها البحرية والاستخبارية وتطوير وسائل اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوسيع التعاون الأمني مع أطراف تمتلك مواقع قريبة من مناطق انطلاق التهديدات. وتشير تحليلات استراتيجية منشورة إلى أن إسرائيل تنظر إلى منطقة باب المندب والقرن الأفريقي باعتبارها مجالًا يمكن أن يسهم في تحسين مراقبة النشاط الحوثي وتوفير خيارات أمنية إضافية.
لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور حماية إيلات والملاحة الإسرائيلية ومراقبة التهديدات في مناطق انطلاقها والسعي إلى إقامة علاقات أو ترتيبات أمنية متقدمة خارج الحدود الإسرائيلية فلكل منها مقتضياته السياسية والقانونية والعسكرية ولا يثبت أحدها تلقائيًا تحقق الآخر.
كما أن حماية العمق الإسرائيلي لا تفسر وحدها جميع التحركات الدولية في البحر الأحمر؛ فهناك مصالح تتصل بأمن قناة السويس والتجارة العالمية وأمن السعودية ومصر والأردن والتنافس الأمريكي الصيني والصراع الإيراني الإسرائيلي.
تجاهل البعد الإسرائيلي يحجب جزءًا مهمًا من تفسير التحولات الجارية ولا سيما في النطاق الممتد من إيلات إلى باب المندب وخليج عدن.


باب المندب ودول الهشاشة الجيوسياسية

إذا كان البحر الأحمر هو الممر الاستراتيجي فإن باب المندب هو إحدى أهم نقاط الاختناق التي تتحكم في الاتصال بينه وبين خليج عدن والمحيط الهندي. وتتضاعف أهمية المضيق لأن ضفتيه لا تتمتعان بقدرات متكافئة على إدارة الأمن والاستقرار. فعلى الجانب الآسيوي يقع اليمن الذي أدى انقسام السلطة فيه وتعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية إلى جعل ساحله جزءًا من صراع إقليمي ممتد. وعلى الجانب الأفريقي تقع جيبوتي وإريتريا فيما تمتد سواحل الصومال على خليج عدن وتؤثر التطورات السياسية والأمنية في القرن الأفريقي كله في البيئة المحيطة بالمضيق.
أما إثيوبيا، رغم أنها دولة غير ساحلية فتظل طرفًا مهمًا في معادلة البحر الأحمر بسبب اعتماد تجارتها على منافذ الدول المجاورة وسعيها إلى تنويع خيارات الوصول إلى البحر.
وتختلف هذه الحالات في طبيعتها؛ فجيبوتي نجحت في تحويل موقعها إلى مورد اقتصادي وأمني من خلال الموانئ واستضافة قواعد عسكرية أجنبية بينما يواجه اليمن انقسامًا مسلحًا يهدد أمن الملاحة ويعاني الصومال تحديات بناء الدولة ووحدة السيادة، وتواجه إريتريا بيئة سياسية وأمنية إقليمية شديدة الحساسية. ولا يعني وصف هذه الدول بالهشاشة أن جميعها متساوية في الضعف أو أنها تفتقر إلى القدرة على المناورة. بل إن بعضها يستخدم موقعه الجغرافي للتفاوض مع القوى الخارجية والحصول على الاستثمارات والدعم. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى الموانئ والأراضي والمنشآت الاستراتيجية مرتبطًا بصفقات تفتقر إلى الشفافية أو تتعارض مع تسويات النزاعات والسيادة الوطنية.
وقد وصفت تحليلات حديثة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأنهما فضاء تتداخل فيه الحروب المحلية مع التنافس على الموانئ والأصول العسكرية، بحيث تصبح الدول الساحلية أطرافًا فاعلة لكنها تتحمل في الوقت نفسه مخاطر الاستقطاب الخارجي.


اليمن حين يتحول الموقع إلى أداة ضغط

تكشف الحالة اليمنية عن قدرة فاعل مسلح لا يسيطر على دولة موحدة ولا يمتلك أسطولًا بحريًا تقليديًا مماثلًا لأساطيل القوى الكبرى على إحداث تأثير واسع في الملاحة الدولية. فقد أظهرت الهجمات الحوثية أن الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية يمكن أن تفرض كلفة استراتيجية واقتصادية كبيرة وأن تجعل حماية الممرات البحرية قضية تتجاوز قدرات الدولة الساحلية وحدها.
وفي الوقت نفسه أدت الحرب اليمنية إلى إضعاف قدرة المؤسسات الوطنية على احتكار استخدام القوة وضبط الساحل وهو ما فتح المجال أمام تداخل الحسابات المحلية والإيرانية والإسرائيلية والأمريكية وغيرها.
وهكذا أصبح اليمن ساحة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات من الصراع النزاع على السلطة داخل البلاد والتنافس الإقليمي والصراع على أمن الملاحة والعمق الإسرائيلي.
ولا يمكن معالجة هذا التشابك بالضربات العسكرية وحدها لأن استدامة الأمن تتطلب معالجة الانقسام اليمني نفسه وإعادة بناء المؤسسات وتقليل دوافع استخدام الساحل والممرات البحرية أدواتٍ للصراع السياسي.


القرن الأفريقي الموانئ والسيادة وتنافس الوصول

في الضفة الأفريقية تكتسب جيبوتي والصومال وإريتريا أهمية متزايدة بسبب قربها من اليمن وإشرافها على طرق الملاحة وإمكان الاستفادة من موانئها في التجارة والإمداد والرصد الأمني. وتبرز أرض الصومال (هى جزء من الصومال) بصورة خاصة بعد اعتراف إسرائيل بها في 26 ديسمبر 2025، في خطوة أثارت اعتراض الحكومة الصومالية وفتحت بابًا جديدًا للتنافس السياسي والاستراتيجي في المنطقة وقد ربطت تحليلات الاعتراف بمصالح إسرائيل الأمنية في مواجهة الحوثيين وبأهمية موقع أرض الصومال المطل على خليج عدن وقريبًا من اليمن. ويجب هنا عدم الخلط بين الاعتراف السياسي وإثبات وجود قاعدة عسكرية دائمة فالأول واقعة دبلوماسية أما الثاني فيحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن حتى من دون الجزم بوجود قاعدة فإن العلاقات الدبلوماسية والتعاون الأمني وإمكان الوصول إلى المعلومات والمنشآت قد توسع الخيارات الاستراتيجية لإسرائيل.
وتكمن حساسية هذا التطور في أنه يجمع بين اعتبارات أمنية إسرائيلية ومصالح إقليمية أخرى وبين قضية السيادة الصومالية والنزاع حول وضع أرض الصومال فضلًا عن تنافس القوى الخارجية على موانئ خليج عدن.
وبذلك لا يعود السؤال متعلقًا بميناء بعينه بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي قد ينشأ حول باب المندب هل يقوم على تفاهمات تحترم سيادة الدول وتضمن المصالح المشتركة، أم على ترتيبات متنافسة تعزز الاستقطاب وتزيد مخاطر النزاع؟


السودان بين الساحل الاستراتيجي والحرب الداخلية

لا يمكن فصل السودان عن هذه المعادلة فالساحل السوداني يمثل جزءًا مهمًا من الضفة الغربية للبحر الأحمر ويقع بين فضاء القرن الأفريقي جنوبًا والمداخل المؤدية إلى قناة السويس شمالًا.
ويمتلك السودان ميناء بورتسودان ومواقع ساحلية أخرى، فضلًا عن عمق جغرافي يربطه بداخل أفريقيا. وهذه العناصر تمنحه أهمية تتجاوز قدرته الاقتصادية الراهنة وتجعل استقرار مؤسساته وسيطرته على ساحله مسألة ذات انعكاسات إقليمية فمتى انفرط عقدها وقع في تنازع القوى الطامعة.
لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 جعلت العلاقات الخارجية والاحتياجات العسكرية والاقتصادية أكثر حضورًا في حسابات الأطراف المحاربة. وفي هذا السياق، تتداخل ثلاثة اعتبارات رئيسية.
أولها أن بورتسودان ليست مجرد مرفق تجاري بل منفذ بحري حيوي ومركز بالغ الأهمية في ظروف الحرب.
وثانيها أن التنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في السودان مرتبط بالموانئ والتعاون العسكري والاستثمارات والموارد.
وثالثها أن ضعف الدولة قد يحد من قدرتها على إدارة الاتفاقات الاستراتيجية وضمان توافقها مع المصلحة الوطنية طويلة الأجل.

أما من زاوية حماية العمق الإسرائيلي، فإن السودان جزء من البيئة الجغرافية الأوسع للبحر الأحمر وقد يكون من ضمن خطط إسرائيلية محددة للسيطرة على ساحله أو توظيف الحرب السودانية لمصلحة أمنية بعينها. والتحليل الرصين يقتضي التمييز بين ما تثبته الوقائع وما يمكن استنتاجه من الجغرافيا فمن المشروع بحث تأثير العلاقات الخارجية السودانية في التوازنات الإقليمية.
ومع ذلك، تظل الحقيقة الاستراتيجية قائمة كلما تراجعت قدرة الدولة السودانية على إدارة ساحلها وتحديد سياستها الخارجية ازدادت أهمية الساحل في حسابات الآخرين، وتقلصت قدرتها على التفاوض من موقع مستقل.
ولهذا فمن المهم المحافظة على الدولة السودانية وعلى مؤسساتها ووحدتها وقدرتها على إدارة مواردها ليست شأنًا داخليًا فحسب بل عامل مهم في استقرار البحر الأحمر كله.


كيف تتفاعل حماية العمق الإسرائيلي مع هشاشة دول باب المندب؟

هنا تقع العقدة المركزية في الموضوع. فإسرائيل تسعى إلى حماية إيلات والملاحة المتصلة بها وإلى تحسين قدرتها على رصد التهديدات القادمة من اليمن وإلى توسيع خياراتها الأمنية في منطقة باب المندب وخليج عدن. وفي المقابل تعاني دول المنطقة من تفاوت في قدراتها المؤسسية والعسكريه ومن صراعات داخلية وانقسامات سياسية تجعل بعضها أكثر اعتمادًا على الشركاء الخارجيين.
وتنشأ من هذا التفاعل احتمالات متعددة:

١/ قد تتوسع الشراكات الأمنية والاستخبارية مع أطراف محلية تمتلك مواقع استراتيجية قريبة من مناطق التهديد.
٢/ قد يتحول الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية إلى وسيلة لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري.
٣/ قد تصبح الانقسامات الداخلية والنزاعات على السيادة عوامل تؤثر في توزيع النفوذ الإقليمي.
٣/ قد تؤدي ترتيبات أمنية ثنائية إلى تعزيز قدرة دولة على حماية مصالحها لكنها قد تثير مخاوف دول أخرى وتدفعها إلى بناء تحالفات مضادة.
ولا يستبعد ان هشاشة دول المنطقة صُنعت لخدمة إسرائيل أو أن إسرائيل هي الفاعل الوحيد الذي يستفيد منها وكذلك النظر إلى أن القوى الدولية والإقليمية الأخرى لها مصالحها وأدواتها كما أن الحكومات والقوى المحلية تمتلك إرادات وحسابات خاصة بها.
لكن النتيجة التي ينبغي الانتباه إليها هي أن تفاوت القوة قد يسمح للدول الأكثر قدرة بتحويل احتياجات الدول الأضعف إلى فرص لتوسيع النفوذ خصوصًا عندما تكون الحاجة إلى التمويل أو الحماية الأمنية ملحّة.
وهنا يظهر الفرق بين أمن إقليمي مشترك، يقوم على قواعد تحمي الجميع، وأمن قائم على ترتيبات متفرقة تمنح بعض الأطراف قدرة أكبر على الحركة والتأثير بينما تترك الآخرين في حالة اعتماد متزايد.

إن حماية العمق الإسرائيلي من هذه الزاوية، ليست مجرد مسألة عسكرية تخص الحدود الإسرائيلية إنها جزء من إعادة تشكيل المجال الأمني المحيط بالبحر الأحمر، بما يشمل الموانئ والمضائق والعلاقات السياسية في القرن الأفريقي واليمن والسودان.


تنازع القوى الدولية وحدود استقلال القرار الساحلي

لا ينفصل التنافس الإسرائيلي عن التنافس الأمريكي الصيني والروسي ولا عن المنافسة الإقليمية بين السعودية والإمارات وإيران وتركيا ومصر وإثيوبيا وغيرها. فالقوى الكبرى تسعى إلى حماية التجارة وممرات الطاقة والاتصالات وتأمين الوصول إلى الموانئ والمنشآت العسكرية. والقوى الإقليمية تسعى إلى ضمان مصالحها ومنافذها البحرية وتوسيع تأثيرها في الدول المجاورة. أما إسرائيل فتضيف إلى هذه الحسابات ضرورة حماية منفذها الجنوبي ومواجهة التهديدات القادمة عبر البحر الأحمر.
وتتقاطع هذه المصالح في بعض الملفات لكنها تتعارض في ملفات أخرى فالتعاون على حماية الملاحة لا يمنع التنافس على الموانئ والشراكة الاقتصادية لا تعني بالضرورة التوافق السياسي كما أن الاتفاقات العسكرية قد تعزز أمن طرف بينما تثير مخاوف طرف آخر.
وتتمثل المعضلة الكبرى لدول الساحل في أنها قد تحصل على مكاسب اقتصادية أو أمنية قصيرة الأجل من التنافس الخارجي لكنها قد تتحمل لاحقًا كلفة الاستقطاب أو تراجع استقلال القرار أو تحول أراضيها إلى امتداد لصراعات الآخرين.
ومن ثم لا يكمن الحل في رفض كل انواع الوجود الخارجي بل في امتلاك القدرة المؤسسية على التفاوض وضمان الشفافية في الاتفاقات وربط الشراكات بالمصلحة الوطنية وتجنب تحويل الموارد الاستراتيجية إلى أوراق تُستخدم في صراعات لا تملك الدولة قرارها الكامل بشأنها.


من أمن الممرات إلى أمن الدول والمجتمعات

إن الاقتصار على تأمين السفن والأساطيل لا يكفي لبناء استقرار مستدام في البحر الأحمر فالملاحة الآمنة تحتاج إلى دول قادرة على ضبط سواحلها ومؤسسات تستطيع منع استخدام أراضيها لتوسيع النزاعات واقتصاديات توفر فرصًا لمجتمعاتها الساحلية. ولهذا فإن معالجة الأزمة تقتضي الانتقال من مفهوم ضيق لأمن البحر يركز على حماية السفن، إلى مفهوم أوسع يربط الأمن البحري باستقرار الدول والتنمية والحكمة ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال:
١/ بناء آليات تعاون بين الدول الساحلية لتبادل المعلومات البحرية والإنذار المبكر ومكافحة التهريب.
٢/ تعزيز التنسيق السياسي بين دول البحر الأحمر وخليج عدن مع احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه ومعالجة الخلافات المتعلقة بأرض الصومال عبر الأطر السياسية والقانونية.
٣/ دعم التسويات السياسية في اليمن لأن استمرار الحرب يضعف قدرة الدولة على حماية سواحلها وإدارة علاقاتها الخارجية.
٤/ وضع معايير شفافة لاتفاقات الموانئ والقواعد العسكرية والوصول إلى المنشآت الاستراتيجية.
٥/ حماية البنية التحتية البحرية والرقمية بما فيها الكابلات البحرية التي تمر عبر المنطقة.
٦/ إشراك الدول الأفريقية الساحلية بوصفها أطرافًا أصلية في صياغة نظام الأمن الإقليمي لا مجرد ساحات تتنافس عليها القوى الخارجية.
إن المطلوب ليس نظامًا إقليميًا يلغي اختلاف المصالح بل نظاما يدير هذه الاختلافات ويمنع تحولها إلى صراعات مفتوحة ويضمن ألا تكون حماية أمن دولة بعينها سببًا في إضعاف سيادة دولة أخرى.


ختاما البحر الأحمر بين حماية العمق الإسرائيلي واستعادة سيادة دوله

يكشف البحر الأحمر عن مفارقة جيوسياسية عميقة فكلما ازدادت قيمته الاستراتيجية ازدادت المنافسة على موانئه ومضائقه وسواحله لكن هذه القيمة لا تتحول بالضرورة إلى قوة للدول المطلة عليه. وتظهر هذه المفارقة بوضوح في باب المندب حيث تتقاطع حماية الملاحة الدولية مع أمن إسرائيل والصراع مع الحوثيين والتنافس الإيراني الإسرائيلي، ومصالح القوى الكبرى وهشاشة دول القرن الأفريقي واليمن.
كما تظهر في السودان حيث يمنح الموقع الجغرافي البلاد أهمية استراتيجية كبيرة وما حرب السودان الا شكلا من أشكال الصراع على البحر الأحمر.
ولا تكمن المشكلة في أن تسعى إسرائيل إلى حماية عمقها الاستراتيجي أو أن تسعى القوى الدولية إلى تأمين تجارتها ومصالحها فهذه أهداف معروفة في حسابات الدول. وإنما تكمن المشكلة حين تتشكل ترتيبات الأمن الإقليمي على نحو يمنح الأطراف الأقوى قدرة متزايدة على تحديد قواعد الحركة والمناورة بينما تصبح الدول الأضعف أكثر تعرضًا للضغط والاستقطاب. إن البحر الأحمر لا يحتاج إلى مزيد من عسكرة الجغرافيا بقدر ما يحتاج إلى بناء قواعد مشتركة تحمي الملاحة والسيادة معًا، وتعالج جذور الصراعات بدل الاكتفاء بمواجهة نتائجها.
فالمعركة الاستراتيجية الحقيقية ليست فقط على من يراقب باب المندب، أو من يؤمّن إيلات، أو من يمتلك النفوذ في بورتسودان وبربرة وجيبوتي؛ بل على طبيعة النظام الذي سيحكم هذا المجال: أهو نظام تتعايش فيه المصالح ضمن قواعد مشتركة، أم نظام تتحدد فيه قواعد الأمن وفق موازين القوة، وتتحول فيه هشاشة الدول إلى فرصة دائمة لتوسيع نفوذ الآخرين؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشكل جوهر أي قراءة جادة لمستقبل البحر الأحمر، ولعلاقة حماية العمق الإسرائيلي بأمن دول باب المندب وسيادة دول حوض البحر الأحمر.

مصادر أساسية للتوسع والتوثيق

مجلس العلاقات الخارجية، [Conflict and Cooperation in the Red Sea](https://www.cfr.org/articles/conflict-and-cooperation-in-the-red-sea?utm_source=chatgpt.com)، يونيو 2026.

* مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، [Recognizing Somaliland: Israel’s Return to the Red Sea](https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/recognizing-somaliland-israels-return-red-sea?utm_source=chatgpt.com)، يناير 2026.

* معهد أبحاث الأوبزرفر، [Israel, Somaliland, and the Politics of Strategic Recognition](https://www.orfonline.org/expert-speak/israel-somaliland-and-the-politics-of-strategic-recognition?utm_source=chatgpt.com)، 2026.

* مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، [Unprecedented shipping disruptions raise risk to global trade](https://unctad.org/news/unprecedented-shipping-disruptions-raise-risk-global-trade-unctad-warns?utm_source=chatgpt.com)، فبراير 2024



#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التدخل الإسرائيلي في السودان بين الوقائع المنشورة وفرضيات ال ...
- هل يحتاج الإنسان إلى الدين كي يكون إنسانًا؟
- وأد الجاهلية في عصر الحداثة
- تفكيك علمي وفلسفي لمفهوم فصل الهوية عن حقيقة الجسد
- العلمانية بين دعوى الحياد ومشكلة المرجعية
- اليسار وأزمة الحقيقة والسلطة
- حين تنحر الديموقراطية نفسها
- بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السود ...
- ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار
- في نعى بروف التجانى عبدالقادر


المزيد.....




- وفاة إريك باوزا مؤدي أصوات الرسوم المتحركة الشهير عن عمر ينا ...
- البرادعي يعلق على اجتماع مسؤولي -حلف مكة- في طهران
- افتتاح -البيت الروسي- في العاصمة الموزمبيقية مابوتو
- تدشين أكبر محطة للطاقة الشمسية في الجزائر
- الكرملين: جدول بوتين في قمة روسيا-إفريقيا بموسكو سيكون مكثفا ...
- البنتاغون يرد على زيلينسكي: لا تغيير في سياسة نقل الدول الأو ...
- مساعد الرئيس الروسي: بوتين يلتقي السيسي الأربعاء في موسكو
- لماذا يشعر البعض بالنعاس بعد شرب القهوة؟
- النائب هشام الحصري: مصر والسعودية صمام أمان الأمة العربية.. ...
- النائب مصطفى البهي: الأمن القومي المصري لا يتوقف عند الحدود. ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم عباس البشري - البحر الأحمر بين تنازع القوى الدولية وحماية العمق الإسرائيلي وهشاشة دول باب المندب