أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - ابراهيم عباس البشري - وأد الجاهلية في عصر الحداثة















المزيد.....

وأد الجاهلية في عصر الحداثة


ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 17:33
المحور: الصحافة والاعلام
    


الإجهاض حين تتحول حرية الاختيار إلى سؤال عن حرمة الحياة

لم تكن مأساة الجاهلية الأولى أنها افتقرت إلى وسائل القتل بل أنها امتلكت منطقًا يبرر القتل ويمنح الإنسان سلطة تقرير مصير إنسان آخر لأنه لا يرغب في وجوده. كانت بعض العرب تدفن بناتها أحياء خشية الفقر أو العار، فجاء القرآن ليقلب الموازين ويجعل الضحية نفسها شاهدة على الجريمة، في سؤال خالد يهز ضمير البشرية (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) واليوم، بعد قرون من التطور العلمي والتقدم التقني واتساع الحديث عن حقوق الإنسان تعود قضية الحياة في مراحلها الأولى إلى واجهة الصراع الأخلاقي ولكن في صورة مختلفة. لم يعد المشهد بالضرورة طفلة تُدفن في التراب بل جنينًا يُنهى حمله داخل الرحم وتُستخدم في ذلك وسائل طبية متعددة وطرقا للقتل البشع بينما يتنازع الناس حول حق الأم في الاختيار وحق الجنين في الحياة، والحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها حرية الإنسان.
وهنا يبرز السؤال: هل استطاعت الحداثة تجاوز منطق الوأد، أم أن بعض صورها أعادت طرح المشكلة الأخلاقية القديمة في ثوب قانوني وطبي جديد؟
إن المقارنة بين وأد الجاهلية والإجهاض الحديث ليست تطابقًا في الوقائع والأحكام لكنها تفتح بابًا لنقد جوهري هل يكفي أن يكون الإنسان ضعيفًا عاجزًا عن الكلام والدفاع عن نفسه حتى يصبح مصيره خاضعًا لإرادة الأقوى منه؟

من دفن المولودة إلى إنهاء حياة الجنين

كان الوأد في الجاهلية فعلًا تتضافر فيه أسباب اجتماعية واقتصادية ونفسية فالخوف من الفقر والقلق على المكانة الاجتماعية والخشية من العار، دفعت بعض الناس إلى التخلص من بناتهم قبل أن يكبرن. لم تكن الطفلة مسؤولة عن الفقر الذي تخشاه الأسرة ولا عن الأعراف التي تحكم المجتمع ولا عن التصورات التي تجعل الأنثى عبئًا. ومع ذلك كانت هي التي تدفع الثمن وتُحرم الحياة بسبب ظروف لم تخترها. وفي الإجهاض المتعمد قد تتعدد الدوافع والظروف حمل غير مخطط له، أو عجز اقتصادي أو خوف من المسؤولية أو ضغط أسري أو أسباب طبية خطيرة. ولا يجوز وضع هذه الحالات كلها في سلة واحدة كما لا يجوز تجاهل السؤال الأخلاقي عن الجنين الذي تنتهي حياته نتيجة تدخل مقصود.
إن موطن النقد ليس في اتهام كل امرأة تلجأ إلى الإجهاض، ولا في إنكار المآسي التي قد تحيط بالحمل بل في مساءلة المنظومة التي قد تجعل إنهاء حياة الجنين حلًا أسهل من معالجة أسباب الأزمة وفي مساءلة التصور الذي يحصر المسألة كلها في إرادة طرف واحد، دون الاعتراف بأن الجنين يمثل حياة آخذة في التكوين.
الإنسان لا يكتسب قيمته الأخلاقية لمجرد قدرته على الكلام، ولا ينبغي أن يصبح العجز عن الدفاع عن النفس سببًا لتقليل الاعتبار الأخلاقي لحياته.

طرق الإجهاض وبشاعة إنهاء الحياة في طور التكوين

تتعدد الوسائل الطبية المستخدمة لإنهاء الحمل وتختلف باختلاف مرحلة الحمل والحالة الصحية. وعند تناول هذه الوسائل من منظور يدافع عن حرمة الجنين، فإن موضع الاعتراض ليس مجرد وجود إجراء طبي بل استخدامه المتعمد لإنهاء حياة جنينية يُنظر إليها باعتبارها حياة بشرية تستحق الحماية.

الإجهاض بالشفط
يُستخدم الشفط في عدد من حالات الإجهاض المبكر حيث يُدخل أنبوب طبي عبر عنق الرحم ويُستخدم جهاز يولد ضغطًا سلبيًا لإخراج محتويات الحمل من الرحم. بشاعة هذا الإجراء تكمن في الغاية التي يُستخدم لتحقيقها وأد الحياة بانهاء الحمل وإزالة محتوياته بدلًا من تمكينه من الاستمرار. فالشفط ليس مجرد اسم طبي محايد حين يكون وسيلة لإنهاء حياة الجنين إذ يبقى السؤال عن مشروعية الفعل نفسه وعن حق الجنين في الحياة وعن الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ القرار الوأد.

الإجهاض بالتوسيع والإخلاء

تُستخدم هذه الطريقة في بعض حالات الوأد خلال مراحل متقدمة نسبيًا من الحمل وتتضمن تهيئة عنق الرحم وتوسيعه ثم إخراج محتويات الحمل باستخدام أدوات طبية وقد يُستخدم الشفط أيضًا.
وتشتد حساسية القضية أخلاقيًا كلما تقدم الحمل وازداد نمو الجنين وتطورت أعضاؤه.بأن إنهاء الحمل بهذه الطريقة يثير سؤالًا بالغ الخطورة عن حدود السلطة البشرية على حياة الجنين ولا سيما حين لا تكون هناك ضرورة طبية معتبرة. إن الاعتراض الأخلاقي هنا ليس بحاجة إلى صور صادمة أو أوصاف مبالغ فيها فمجرد إدراك أن الإجراء ينتهي بوأد الجنين عمدًا يكفي لطرح السؤال الجوهري: هل القدرة على إنهاء الحياة تمنحنا الحق في إنهائها؟

الإجهاض بالكحت

الكحت الحاد إجراء جراحي تُستخدم فيه أداة مخصصة لكشط أنسجة بطانة الرحم وقد استُخدم تاريخيًا في بعض إجراءات تفريغ الرحم. تُعد هذه الوسيلة من الصور التي تجسد الصراع بين القدرة الطبية على إنهاء الحمل وبين الواجب الأخلاقي المفترض في حماية الحياة الجنينية.
عمدت إلى ذكر طرق الوأد الحديثة وتبيينها هى أشد بشاعة من دفن طفلة حية بعد ولادتها وكل طرق الوأد بشعة


أين تكمن بشاعة الوأد الحديث؟

إن بشاعة الوأد لا تتحدد باسم الأداة التي تُستخدم بل في الاعتداء على حياة من لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وإذا كان الوأد القديم قد اتخذ صورة دفن طفلة حية بسبب الخوف من الفقر أو العار فإن الإجهاض المتعمد يثير سؤالًا أخلاقيًا مشابهًا عندما يُتخذ قرار إنهاء حياة الجنين لمجرد أن وجوده غير مرغوب فيه. فالشفط والكحت والتوسيع والإخلاء وغيرها من الإجراءات، حين تُستخدم لإنهاء حمل اختياري ليست مجرد مصطلحات طبية ينبغي أن تحجب حقيقة القرار ونتيجته عن النقاش العام. إنها وسائل طبية لإنهاء حياة ومن حق المجتمع أن يناقش أخلاقيًا حدود استخدامها وأن يسأل عما إذا كانت إرادة الإنسان وحدها كافية لتبرير إنهاء حياة جنينية.

لكن الإنصاف يقتضي ألا تتحول هذه الإدانة إلى تعميم على كل امرأة تواجه حملًا صعبًا أو إلى تجاهل للحالات التي يهدد فيها استمرار الحمل حياة الأم.
إن الموقف الأخلاقي القوي لا يحتاج إلى المبالغة في وصف الوسائل فحقيقة إنهاء الحمل عمدًا تكفي لفتح النقاش حول حرمة الحياة وحدود الحرية والمسؤولية.


ماذا يقول الإسلام؟

ينطلق التصور الإسلامي من تعظيم حرمة النفس الإنسانية، قال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وقرر الفقهاء أن للجنين حرمة وأن الاعتداء عليه ليس أمرًا مباحًا لمجرد أن الحمل غير مرغوب فيه. وتشتد الحرمة بعد نفخ الروح، ولا سيما أن إسقاط الجنين بعد هذه المرحلة لا يجوز إلا في حالات استثنائية معتبرة شرعًا، كضرورة إنقاذ حياة الأم وفق ضوابطها الطبية. وأن حفظ حياة الأم من المقاصد الشرعية المعتبرة ولذلك لا يصح إصدار حكم واحد على كل حالة دون معرفة ظروفها الطبية والشرعية.
والموقف الذي يستحق الدفاع عنه ليس موقفًا يتجاهل المرأة أو يحمّلها وحدها مسؤولية الحمل بل موقف يرفض الاستهانة بالحياة الجنينية ويدعو إلى الوقاية من الحمل غير المرغوب فيه وتحمّل الأب مسؤوليته وتوفير الدعم للأمهات، وعدم ترك الفقر أو الخوف أو ضغط المجتمع يدفع إلى قرارات مأساوية.


هل الحداثة أبشع من الجاهلية الأولى؟

أن الوأد في عصر الحداثة أبشع بآلاف المرات من وأد الجاهلية الأولى تعبير عن شدة الاستنكار الأخلاقي لكنه يحتاج إلى معيار واضح إذا أُريد به تقرير حقيقة قابلة للإثبات. فلا يمكن قياس البشاعة بمجرد اختلاف الوسائل ولا الجزم بأن كل إجهاض أشد قسوة من كل صورة من صور الوأد. لكن يمكن توجيه نقد أكثر رسوخًا إن التقدم العلمي لا يضمن التقدم الأخلاقي، وإن الحضارة التي تتقن وسائل التدخل في الحياة مطالبة بأن تتعمق في مسؤوليتها عن استعمالها.
لقد أدانت البشرية وأد البنات لأنه اعتداء على كائن ضعيف بسبب ظروف لم يخترها. ومن المنطقي أخلاقيًا أن يُطرح السؤال نفسه عن الجنين، مع مراعاة الفروق الجوهرية بين الحالتين.

فإذا كان المجتمع يرفض أن يكون الفقر أو الخوف من العار مبررًا لقتل طفلة مولودة، فعليه أن يناقش بالجدية نفسها ما إذا كانت الأسباب الاقتصادية والاجتماعية وحدها تبرر إنهاء الحمل، دون أن يغفل الحالات الطبية والإنسانية المعقدة. ولا تكمن قوة هذا النقد في إطلاق الأحكام على النساء، بل في مساءلة المجتمع الذي قد يطالب بالحرية ثم يتخلى عن المسؤولية أو يرفع شعار حقوق الإنسان بينما يختلف أفراده حول متى تبدأ هذه الحقوق وكيف تُحمى.


بأي ذنب يُحرم الجنين من الحياة؟

إن السؤال الذي طرحه القرآن في شأن الموءودة لا يزال يحمل قوة أخلاقية تتجاوز زمن نزوله لأنه يضعنا أمام الضحية التي لا تستطيع أن تشرح ظروفها أو تدافع عن حقها. وهو سؤال أخلاقي يطرح نفسه بقوة أمام الوأد الحديث.

إن الدفاع عن الجنين لا يكتمل بتجريم الإجهاض في الخطاب بل ببناء مجتمع يحارب أسباب الحمل غير المرغوب فيه ويحمي المرأة من الإكراه والاستغلال ويلزم الأب بالمسؤولية ويوفر الرعاية الطبية والاجتماعية ويضع ضوابط واضحة للحالات الاستثنائية.
فالحرية التي لا تعترف بأي مسؤولية قد تتحول إلى سلطة على الضعيف والتقدم الذي لا يصحبه ضمير قد يمنح الإنسان قدرة أكبر دون أن يمنحه حكمة أكبر. وإذا كانت الجاهلية الأولى قد وأدت بعض بناتها خوفًا من الفقر أو العار فإن واجب الحضارة الحديثة ألا تجعل من القدرة الطبية وحدها مبررًا لإنهاء الحياة، وألا تسمح بأن يصبح العجز عن الدفاع عن النفس سببًا في إنقاص قيمة الإنسان.
فالسؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام ضمير الإنسانية هو: هل نقيس قيمة الحياة بقدرة صاحبها على المطالبة بها أم بكونها حياة تستحق أن تُصان؟



#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك علمي وفلسفي لمفهوم فصل الهوية عن حقيقة الجسد
- العلمانية بين دعوى الحياد ومشكلة المرجعية
- اليسار وأزمة الحقيقة والسلطة
- حين تنحر الديموقراطية نفسها
- بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السود ...
- ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار
- في نعى بروف التجانى عبدالقادر


المزيد.....




- شاهد.. لماذا يلوح طيف ترامب فوق الانتخابات البرازيلية؟
- -لولا تدخلي لكان الأمر مستحيلًا-.. ميلانيا ترامب تكشف دورها ...
- وزارة الدفاع الأوكرانية تعلن استعادة الوصول لخدمات -ستارشيلد ...
- زاخاروفا تدعو ميلوني للاستماع لنداء أل بانو وشعبها بدلا من ك ...
- موسكو: لا نهتم بهوية المفاوض عن أوروبا والمهم موقفه
- السفارة الروسية في طهران تنفي إجلاء موظفيها وخبراء محطة بوشه ...
- التحالف: ‏اعتراض صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون على الطا ...
- رئيس وزراء مصر يكشف تفاصيل سرقة سيارة والده وسيارات زملائه ق ...
- الجيش الإسرائيلي يستحدث مهبطا للمروحيات في جنوب لبنان (صورة) ...
- قطاع غزة يستيقظ على تصعيد إسرائيلي في الشمال والوسط والجنوب ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - ابراهيم عباس البشري - وأد الجاهلية في عصر الحداثة