|
|
اليسار وأزمة الحقيقة والسلطة
ابراهيم عباس البشري
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 22:39
المحور:
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
من تحرير الإنسان إلى الوصاية عليه
قراءة نقدية في البنية الفكرية والممارسة السياسية لليسار
ليس من الموضوعية أن نرفض اليسار لمجرد اختلافنا معه كما ليس من الإنصاف أن نمنحه حصانة نقدية لأنه رفع شعارات العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفقراء ومقاومة الاستغلال. فالأفكار السياسية لا تُقاس بنبل الشعارات وحدها وإنما بسلامة مقدماتها واتساق وسائلها مع غاياتها وقدرتها على تفسير الواقع والنتائج التي تتركها في حياة المجتمعات.
ومن هنا تبدأ مساءلة اليسار لا من موقع الخصومة مع مطالب العدالة والإنصاف بل من موقع السؤال عن الكيفية التي تحولت بها بعض مشروعات التحرر إلى أنظمة وصاية وبعض الشعارات الديمقراطية إلى ممارسات إقصائية وبعض النظريات التي ادعت امتلاك مفاتيح التاريخ إلى منظومات عجزت عن تفسير تحولات المجتمعات التي أرادت إعادة تشكيلها.
وليس اليسار كتلة فكرية واحدة فهو يضم مدارس ماركسية وشيوعية واشتراكية ديمقراطية ويسارية ليبرالية تختلف في تصوراتها للسلطة والديمقراطية والاقتصاد والدولة. ولذلك فإن النقد الجاد لا يجوز أن يساوي بين هذه المدارس أو أن يحمل تيارًا كاملًا مسؤولية أخطاء ارتكبتها بعض مكوناته. لكنه في المقابل لا يجوز أن يتوقف عند هذا التعدد ليعفي الأفكار المشتركة والتجارب التاريخية من المساءلة.
إن السؤال الجوهري هو: كيف يمكن لمشروع يعلن تحرير الإنسان أن يتحول في بعض تجاربه إلى سلطة تقرر نيابة عنه ما ينبغي أن يؤمن به وكيف يفكر وأي طريق يجب أن يسلك؟
الحزب الطليعي ومشكلة احتكار الوعي
تقوم إحدى الإشكاليات الأساسية في بعض المدارس اليسارية ولا سيما التقليد الماركسي اللينيني على مفهوم الحزب الطليعي أي الحزب الذي يرى في نفسه التنظيم الأكثر وعيًا بمصالح الطبقة العاملة والقادر على توجيهها نحو أهدافها التاريخية. ولم ينشأ هذا التصور من فراغ فقد ظهر في سياق روسي اتسم بالاستبداد القيصري وضعف المؤسسات السياسية المستقلة وكان منطق التنظيم المركزي أن يوفر قدرة على الحشد والمواجهة. لكن السؤال الذي تطرحه التجربة هو ماذا يحدث حين تتحول أولوية الحزب التنظيمية إلى أولوية سياسية دائمة وحين يصبح ادعاء تمثيل الطبقة مبررًا لاحتكار تمثيلها؟ مفكرون اشتراكيون تداولوا هذه المعضلة. فروزا لوكسمبورغ من أبرز المنتقدين لاتجاهات رأت أنها قد تؤدي إلى إخضاع المبادرة الجماهيرية للمركز الحزبي. وهذا يكشف أن التوتر بين التنظيم الثوري والديمقراطية لم يكن مجرد اتهام خارجي لليسار بل خلافًا داخل الفكر الاشتراكي نفسه. والمشكلة ليست في أن يكون للحزب رأي أو برنامج أو قيادة فكل تنظيم سياسي يحتاج إلى ذلك. وإنما تبدأ المشكلة حين يُعامل الحزب باعتباره صاحب المعرفة الصحيحة بحكم موقعه الأيديولوجي ويُعامل اختلاف الجماهير معه باعتباره قصورًا في وعيها لا احتمالًا لخطأ الحزب أو قصور برنامجه. هنا تنقلب العلاقة بين السياسي والمواطن بدلًا من أن يستمد السياسي شرعيته من إقناع الناس واكتساب ثقتهم يطالبهم باتباعه فرعونية منه لا اريكم الا ما أرى لأنه يعتقد أنه يعرف مصالحهم الحقيقية أكثر منهم. وهذا هو جوهر الوصاية السياسية أن تتحول المعرفة المزعومة إلى مصدر للسلطة وأن يصبح ادعاء تمثيل الجماهير بديلًا عن الاحتكام الحر إلى إرادتها.
حين تتحول النظرية من أداة للفهم إلى سلطة على الواقع
لا خلاف على أن النظريات الفكرية تساعد الإنسان على فهم العالم وأن الماركسية قدمت أدوات مؤثرة لتحليل الملكية وعلاقات الإنتاج والتفاوت الطبقي. لكن أي نظرية مهما بلغت قدرتها التفسيرية تظل معرضة للخطأ والقصور ولا يمكن أن تتحول إلى بديل عن دراسة الواقع المتغير. وتظهر الأزمة حين تصبح الوقائع محكومة سلفًا بتصنيفات النظرية فإذا وافقت الواقعُ التوقعاتِ عُدَّ ذلك دليلًا على صحة المنهج وإذا خالفته جرى تفسير المخالفة باعتبارها انحرافًا مؤقتًا أو أثرًا لمؤامرة أو نقصًا في الوعي أو خيانة من بعض الحلفاء. بهذه الطريقة تفقد النظرية قدرتها على تصحيح نفسها لأن كل نتيجة يمكن تأويلها بما يحميها من النقد. والتاريخ لا يسير بالضرورة وفق خط مستقيم تحدده مراحل اقتصادية مقررة سلفًا كما أن المجتمعات لا تتطور بالوتيرة نفسها ولا تتخذ الصراعات فيها شكلًا طبقيًا خالصًا. فقد تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الدين والقومية والروابط المحلية وقد تتحد فئات مختلفة اجتماعيًا حول قضية وطنية ثم تتصارع فيما بينها حول السلطة أو الهوية أو توزيع الموارد. ولا يعني ذلك أن التحليل الطبقي عديم الفائدة بل يعني أن فائدته تتوقف على استخدامه أداةً من أدوات التفسير لا تفسيرًا وحيدًا لكل شيء.
إن النظرية التي لا تستطيع مراجعة افتراضاتها أمام الوقائع تتحول من وسيلة لمعرفة الحقيقة إلى منظومة لحماية نفسها منها.
هل الإنسان مجرد كائن تحدده طبقته؟
يحتل الصراع الطبقي مكانة محورية في الفكر الماركسي لأنه يسلط الضوء على علاقات القوة والاستغلال وتوزيع الثروة. لكن الاختزال يبدأ عندما يُفترض أن الموقع الاقتصادي يكفي لتفسير الوعي السياسي والأخلاقي للإنسان أو أن انتماءه الطبقي يحدد بالضرورة موقفه من الدين والوطن والسلطة والتغيير. فالإنسان لا يعيش في سوق العمل وحده ولا تتشكل هويته من دخله وموقعه في عملية الإنتاج فقط. إنه يعيش داخل تاريخ وثقافة وأسرة ومجتمع ويتخذ مواقفه من خلال منظومة متداخلة من القيم والمصالح والتجارب والمعتقدات. ومن هنا تنشأ إحدى مشكلات بعض الخطابات اليسارية حين تتعامل مع التدين بوصفه أثرًا من آثار الوعي الزائف أو تنظر إلى التقاليد الاجتماعية من زاوية التخلف وحدها أو تفترض أن التحول الاقتصادي سيقود تلقائيًا إلى التحول الثقافي الذي تتوقعه النظرية. وقد أظهرت تجارب المجتمعات المختلفة أن التحديث الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الدين وأن الفئات الفقيرة لا تتبنى تلقائيًا البرامج الشيوعية وأن العامل أو المزارع قد يختار سياسيًا على أساس وطني أو ديني أو محلي او قبلى لا على أساس موقعه الطبقي وحده.
والسؤال الذي يواجه اليسار هنا ليس ما إذا كان المجتمع يحتاج إلى التغيير فكل مجتمع يواجه مشكلات تستدعي الإصلاح. وإنما السؤال هو هل ينطلق التغيير من فهم المجتمع وإشراكه أم من افتراض أن المجتمع ينبغي أن يتغير حتى يصبح مطابقًا للنظرية؟
مفارقة الحرية في تجارب الحكم اليساري
يجب التمييز بين اليسار الديمقراطي الذي يقبل التعددية والتداول السلمي للسلطة وبين الأنظمة الشيوعية التي احتكرت أحزابها السلطة باسم الطبقة العاملة أو الثورة. فليس من الدقة وضع التجربتين في سلة واحدة. لكن هذا التمييز لا يلغي ضرورة فحص التجارب التي أُقيمت باسم الاشتراكية خصوصًا حين انتهت إلى تركيز السلطة السياسية والاقتصادية في يد الحزب والدولة. ففي التجربة السوفيتي تداخلت سلطة الحزب مع أجهزة الدولة وتقلص مجال المنافسة السياسية المستقلة وأُقصيت قوى اشتراكية أخرى من المشاركة الحرة في الحكم. وقد أثارت هذه المسارات أسئلة عميقة حول العلاقة بين الثورة والديمقراطية وحول ما إذا كانت سلطة الحزب قد أصبحت بديلًا عن سلطة العمال التي قيل إنها تمثلهم. وهنا ينبغي طرح السؤال بصراحة ما قيمة تحرير العامل من سلطة رأس المال إذا انتهى به الأمر إلى الخضوع لسلطة سياسية لا يستطيع محاسبتها أو تغييرها بحرية؟ قد يرد المدافع عن تلك التجارب بأن ظروف الحرب والتدخل الخارجي والصراع الطبقي فرضت إجراءات استثنائية. وبعض هذه الظروف كان حقيقيًا بالفعل ولا يجوز تجاهله في التفسير التاريخي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى قواعد دائمة ويصبح كل اعتراض تهديدًا للثورة وكل مطالبة بالتعددية خدمةً للخصم. فالحرية التي تُؤجَّل إلى أجل غير مسمى قد تصبح وعدًا لا يتحقق والعدالة التي لا يستطيع المواطن مساءلة السلطة باسمها قد تتحول إلى شعار فوقي.
ولا تُقاس ديمقراطية أي نظام بمدى عدالة أهدافه المعلنة فقط وإنما أيضًا بوجود مؤسسات مستقلة وحقوق مضمونة وتعدد سياسي حقيقي وإمكان سلمي لتغيير الحكام.
السودان بوصفه اختبارًا للممارسة السياسية
تكتسب هذه الإشكالات أهمية خاصة حين ننتقل من النظرية إلى التجربة السودانية إذ لا يكفي تقييم اليسار بما قدمه في النقابات والجامعات والحركة الوطنية بل ينبغي أيضًا فحص مواقفه من السلطة والانقلابات والتحالفات السياسية. لقد كان لليسار السوداني حضور تاريخي في الحركة النقابية والطلابية وأسهم في تشكيل الخطاب المتعلق بحقوق العمال والحريات العامة. غير أن هذا الرصيد لا يعفيه من المساءلة عن خياراته السياسية مثلما لا يعفي التيارات الأخرى من مسؤولية ممارساتها. وتقدم أحداث يوليو 1971 مثالًا مهمًا على ضرورة التمييز بين الوقائع والأحكام. فقد استولى ضباط بقيادة هاشم العطا على السلطة في 19 يوليو قبل أن يُجهض التحرك بعد ثلاثة أيام ويعقبه قمع دموي طاول الشيوعيين وضباطًا آخرين لكن مدى مسؤولية القيادة الرسمية للحزب الشيوعي عن التخطيط للانقلاب ظل موضع خلاف تاريخي إذ ينقل عبد الله علي إبراهيم أن تقييم الحزب الصادر عام 1996 نفى أن يكون قرار التنفيذ قد اتخذته اللجنة المركزية أو المكتب السياسي أو السكرتارية العامةمع إقراره بأن قيادة الحزب علمت بخطة ضباط مرتبطين به وناقشتها. والدرس هنا لا يتوقف على حسم المسؤولية التنظيمية المختلف عليها بل يمتد إلى السؤال الأوسع لماذا ظلت العلاقة بين بعض القوى السياسية السودانية والمؤسسة العسكرية طريقًا مطروحًا للوصول إلى السلطة أو تغيير مسارها بدلًا من الاحتكام إلى المنافسة السياسية الحرة؟ فالتجربة السودانية لا تسمح بإلقاء مسؤولية الانقلابات على اليسار وحده فقد شاركت في تاريخ الانقلابات أو مهدت لها قوى سياسية من اتجاهات متعددة. لكن شمول المسؤولية لا يعني إسقاطها عن أحد، ولا تحويل أخطاء الخصوم إلى مبرر لأخطاء الحلفاء.
إن المعيار الذي ينبغي اعتماده هو موقف كل تيار من شرعية الوصول إلى السلطة وحق المجتمع في اختيار حكامه واستقلال المؤسسات عن الهيمنة الحزبية. ولا يجوز أن يصبح الانقلاب مشروعًا حين يخدم مشروعًا أيديولوجيًا ثم يُدان حين يخدم خصوم ذلك المشروع.
لماذا تعجز بعض الخطابات اليسارية عن استيعاب المجتمع؟
من المشكلات التي تواجه بعض التيارات اليسارية أن خطابها قد يبدو منفصلًا عن المرجعيات الثقافية والدينية التي تشكل وجدان قطاعات واسعة من المجتمع. ويظهر ذلك عندما يُقدَّم التدين باعتباره نقيضًا للتقدم أو حين يُنظر إلى الهوية المحلية بوصفها عائقًا أمام بناء المجتمع الحديث. لكن المجتمع ليس مادة خامًا تنتظر نخبة فكرية كي تعيد تشكيلها. فالتغيير المستدام لا يقوم على تجاهل معتقدات الناس ولا على مطالبتهم بالتخلي عن هوياتهم قبل أن يصبحوا مؤهلين للمشاركة في مشروع سياسي. وفي المقابل لا ينبغي اتخاذ الدين أو التقاليد ذريعة لإدامة الفقر أو التمييز أو الاستبداد. فالموروث نفسه يحتاج إلى قراءة نقدية تميز بين قيم العدل والرحمة والتكافل وبين الممارسات التي يمكن أن تُستخدم لتبرير الظلم. المسألة إذن ليست صراعًا حتميًا بين الدين والتقدم ولا بين التراث والحداثةوإنما هي سؤال عن إمكان بناء مشروع وطني يستوعب المرجعيات المتعددة ويضمن الحقوق المتساوية ويتيح النقاش الحر حول السياسات العامة. وفي السودان، لا يمكن لأي تيار أن يدعي تمثيل المجتمع كله إذا تجاهل التعدد الثقافي والجهوي والديني أو تعامل مع اختلاف الناس عن تصوره بوصفه نقصًا في الوعي كما لا يمكن لأي تيار ديني أن يدعي تمثيل المجتمع كله لمجرد استناده إلى مرجعية دينية واسعة الانتشار.
فالمجتمع أكبر من أن يحتكره حزب، وأوسع من أن تختزله أيديولوجيا، وأعقد من أن تُفسر خياراته بعامل واحد.
العدالة الاجتماعية ليست ملكية فكرية لليسار
من الضروري هنا التمييز بين نقد الأيديولوجيا اليسارية وبين رفض العدالة الاجتماعية نفسها. فالدفاع عن الفقراء ومقاومة الفساد وضمان فرص التعليم والعلاج وتحقيق التوازن في توزيع الخدمات والثروة ليست قضايا يملك اليسار وحده حق الحديث عنها. وقد تختلف التيارات السياسية في تفسير أسباب الفقر وطرق معالجته لكنها جميعًا مطالبة بتقديم إجابات قابلة للاختبار. فاليسار قد يركز على الملكية وعلاقات الإنتاج وإعادة توزيع الثروة بينما قد تنطلق تيارات أخرى من التكافل والتزامات الدولة الأخلاقية والاجتماعية أو من تشجيع الإنتاج والمنافسة مع توفير الحماية للفئات الضعيفة. ولا يكفي اسم أي من هذه المناهج للحكم على نجاحه أو فشله. المعيار هو: هل تقلص الفقر؟ هل تحسنت الخدمات؟ هل اتسعت فرص العمل؟ هل أصبحت الثروة أقل ارتباطًا بالامتيازات غير المشروعة؟ هل يستطيع المواطن مساءلة المسؤول عن النتائج؟ إن السياسة التي تعجز عن تحسين حياة الناس لا تستطيع تعويض إخفاقها بكثرة الحديث عن العدالة مثلما لا يستطيع خطاب السوق الحرة أن يبرر ترك الفئات الضعيفة بلا حماية.
العدالة ليست شعارًا أيديولوجيًا بل هي مسؤولية يمكن قياس آثارها في حياة البشر.
أزمة المراجعة وازدواجية المعايير
تواجه التيارات السياسية جميعها خطر تحويل الانتماء إلى حاجز يحول دون الاعتراف بالأخطاء. لكن هذا الخطر يصبح أكثر وضوحًا حين يرفع تيار ما النقد والمساءلة والتحرر من الوصاية شعارات مركزية ثم يتعامل مع نقد تجربته باعتباره استهدافًا سياسيًا. فهل يملك اليسار الشجاعة نفسها التي يطالب بها خصومه عندما يتعلق الأمر بمراجعة تجاربه؟ هل يقبل إخضاع حلفائه للمعايير التي يستخدمها في نقد خصومه؟ هل يستطيع التمييز بين الدفاع عن حق أتباعه في التنظيم والتعبير وبين منح قياداته حصانة من المحاسبة؟ هذه الأسئلة ليست حكرًا على اليسار فهي تنطبق على التيارات القومية والدينية والليبرالية وغيرها. لكن تعميم المعيار هو الذي يمنح النقد مشروعيته لا إعفاء تيار بعينه من المساءلة. والمراجعة الحقيقية لا تعني التخلي عن كل المبادئ بل التمييز بين المبدأ الذي تثبت قيمته بالحجة والسياسة التي تكشف النتائج قصورها والتجربة التاريخية التي ينبغي فهمها في ظروفها من دون تبرير أخطائها. ولا يكفي أن يفسر التيار إخفاقاته بخصومة الآخرين أو المؤامرات الخارجية أو ضعف وعي الجماهير. فقد تكون هذه العوامل مؤثرة بالفعل لكنها لا تصلح تفسيرًا شاملًا لكل فشل ولا بديلًا عن مساءلة القرارات التي اتخذها بنفسه.
إن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة فكرية، بل شرط من شروط التعلم السياسي.
خاتمة من ادعاء تمثيل الإنسان إلى احترام إرادته
إن أزمة اليسار التي يستحق أن يُساءل عنها ليست في مطالب العدالة الاجتماعية ولا في الدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة ولا في نقد الاستغلال الاقتصادى فهذه قضايا مشروعة بل ضرورية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والإنصاف. إنما تكمن الأزمة في بعض التصورات التي تحول النظرية إلى حقيقة نهائية والحزب إلى وصي على الجماهير والثورة إلى مبرر لتعليق الحقوق والغاية العادلة إلى ذريعة لتبرير وسائل تناقضها. وحين يحدث ذلك يفقد مشروع التحرر جزءًا من معناه لأن الإنسان الذي يُطلب منه أن يتخلى عن حقه في الاختيار اليوم بحجة أن الغد سيمنحه العدالة قد يجد نفسه أمام سلطة لا تملك حافزًا حقيقيًا لإنهاء وصايتها عليه. ولا يعني هذا أن كل يساري يتبنى هذه التصورات أو أن كل تجربة يسارية انتهت إلى الاستبداد. فوجود تيارات اشتراكية ديمقراطية تدافع عن التعددية والحريات يؤكد أن العلاقة بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية ليست علاقة تناقض بالضرورة. لكن ذلك يفرض على اليسار مثلما يفرض على غيره أن يحدد موقفه بوضوح من احتكار السلطة وأن يجعل الديمقراطية مبدأ يحكم الوسائل والغايات معًا لا مجرد مرحلة مؤقتة أو أداة تكتيكية. فلا قيمة لعدالة لا يستطيع الناس مساءلة من يتحدث باسمها ولا معنى لتحرير الجماهير إذا كان المطلوب منها أن تتبع من يدعي معرفة مصالحها أكثر منها ولا شرعية لأيديولوجيا تعفي نفسها من الاختبار بينما تطالب الآخرين بتقديم الأدلة. إن الحقيقة لا تصبح حقيقة لأن حزبًا تتبناها والعدالة لا تصبح عادلة لأن ثوريًا رفع شعارها والسلطة لا تصبح مشروعة لأن أصحابها يزعمون أنهم يمثلون الطبقات المظلومة. والمعيار الأخير لأي مشروع سياسي هو أن يحترم الإنسان، ويصون حريته ويضمن كرامته ويتيح له أن يختار من يحكمه وأن يعارضه وأن يغيره دون خوف.
المجتمع لا يحتاج إلى وصي جديد، مهما كانت شعاراته نبيلة بل يحتاج إلى دولة عادلة ومؤسسات خاضعة للمساءلة ومواطن حر لا يُطلب منه أن يتنازل عن عقله كي يثبت انتماءه ولا عن حقوقه كي يبرهن على إخلاصه.
#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تنحر الديموقراطية نفسها
-
بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السود
...
-
ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار
-
في نعى بروف التجانى عبدالقادر
المزيد.....
-
الملك تشارلز يشيد بجهود عُمان لتعزيز السلام في الشرق الأوسط
...
-
بري: إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لن يمر و -يخطئ من يعتقد أن ا
...
-
السعودية تعترض صاروخا باتجاه الرياض وحصيلة قتلى الهجوم الحوث
...
-
تقارير إعلامية: ماسك يأمر بتقييد سرعة نسخة عسكرية من -ستارلي
...
-
احتمالات الشلل السياسي.. ماذا لو لم يفز أحد بانتخابات إسرائي
...
-
واشنطن تعلّق بيع الذخيرة لحلفائها
-
روسيا في كردستان العراق: آفاق واعدة
-
أعمالُ العنف والنهب في فرنسا تحشر ماكرون في مأزق
-
أحجية بكين: هل تجمع شنتشن قادة روسيا وأمريكا والصين؟
-
الحرب وسيلة للبقاء في السلطة
المزيد.....
-
نعوم تشومسكي حول الاتحاد السوفيتي والاشتراكية: صراع الحقيقة
...
/ أحمد الجوهري
-
عندما تنقلب السلحفاة على ظهرها
/ عبدالرزاق دحنون
-
إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا )
/ ترجمة سعيد العليمى
-
معركة من أجل الدولة ومحاولة الانقلاب على جورج حاوي
/ محمد علي مقلد
-
الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة
...
/ فارس كمال نظمي
-
التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية
/ محمد علي مقلد
-
الطريق الروسى الى الاشتراكية
/ يوجين فارغا
-
الشيوعيون في مصر المعاصرة
/ طارق المهدوي
-
الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في
...
/ مازن كم الماز
-
نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي
/ د.عمار مجيد كاظم
المزيد.....
|