أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم عباس البشري - بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السودانية















المزيد.....

بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السودانية


ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 21:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من الموضوعية أن نجزّئ الحقائق، فننتقي جانبا منها ونجعله التفسير الكامل لما جرى ويجري في السودان فاختزال التمردات والحروب السودانية في المؤامرات الخارجية قراءة صحيحه ولكنها غير كامله كما أن تصوير التدخل الخارجي بوصفه مجرد عامل ثانوي يستثمر أزمات داخلية قائمة سلفا لا يقل قصورا فالحروب السودانية نتاج تفاعل معقد بين اختلالات الداخل ومصالح الخارج وقد تتوزع المسؤولية بين أطراف متعددة لكنها لا تتساوى بالضرورة في طبيعتها أو أدوارها أو حجم مسؤوليتها عن اندلاع التمرد والحروب واستمرارها.

إن فهم حركات التمرد والحروب السودانية يقتضي التمييز بين أسباب نشأة الصراعات والعوامل التي أسهمت في تأجيجها والقوى التي وفرت لها أسباب الاستمرار والمصالح التي جعلت من إطالة أمدها خيارا يخدم حساباتها ومصالحها فثمة تقاطعات بين مصالح قوى داخلية متمرده وخارجية وصراعات على السلطة والنفوذ ومنافسات إقليمية ودولية تجد في الخروج والتمرد على الدولة السودانية فرصة لتحقيق أهدافها.

ومن هنا فإن البحث عن الحقيقة لا يكتمل بإلقاء اللوم على الخارج وحده ولا بتحميل الداخل وحده مسؤولية كل ما حدث وإنما بتفكيك العلاقة بينهما وتحديد دور كل طرف في صناعة الأزمة وتغذيتها واستثمارها.

أولًا: هل وجود المظالم ينفي التدخل الخارجي؟

من الحقائق التي لا يمكن إنكارها أن السودان شهد منذ استقلاله حروبا متعاقبة وحركات تمرد مسلحة وأن قضايا الحكم والهوية والتمثيل السياسي وتوزيع السلطة والثروة أسهمت في نشأة عدد من هذه الصراعات غير أن الإقرار بهذه الحقيقة لا يثبت أن الحروب كانت نتاجا داخليا خالصا ولا ينفي تدخل قوى خارجية فيها أو إسهامها في توسيع نطاقها وإطالة أمدها فوجود مظالم حقيقية لا يمنع استغلالها وعدالة بعض المطالب لا تضمن عدالة الوسائل المستخدمة باسمها كما أن امتلاك حركة مسلحة مشروعا سياسيا لا ينفي ارتباطها بمصالح إقليمية أو دولية.

قد يبدأ التمرد احتجاجا على مظالم واقعة ثم يتحول إلى مشروع للاستيلاء على السلطة أو احتكارها وقد تنشأ حركة مطلبية مسلحة من بيئة محلية لها مطالب محددة ثم تجد في الدعم الخارجي فرصة لتوسيع قدراتها العسكرية وتجاوز أهدافها الأولى وفي حالات أخرى، قد تتقاطع مطالب أطراف محلية مع حسابات دولة أجنبية فتتحول القضية الداخلية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع وتصبح مصالح أصحابها مرتبطة باستمرار الحرب والتمرد لا بالضرورة بتحقيق المطالب التي انطلقت باسمها.

وعليه فإن السؤال الصحيح ليس هل الأزمة داخلية أم خارجية؟
بل: كيف نشأت؟
كيف تطورت؟
من أسهم في تحويلها إلى حرب؟
من وفر لها أسباب الاستمرار؟
من المستفيدين منها؟

ثانيًا: التدخل الخارجي ليس مجرد استثمار للأزمة

من الأخطاء المنهجية التعامل مع الدور الخارجي وكأنه لا يتجاوز استغلال أزمات موجودة سلفًا فالتدخلات الخارجية تختلف في طبيعتها وأهدافها ودرجة تأثيرها وقد تبدأ بالمساندة السياسية ثم تمتد إلى التمويل والتسليح والتدريب والإمداد وتوفير الملاذات الآمنة والدعم اللوجستي وقد تبلغ حد التأثير المباشر في موازين القوى ومسارات التفاوض.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة:

أولًا: نشأة الصراع وهي الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي دفعت أطرافًا داخلية إلى التمرد أو حمل السلاح بما في ذلك المظالم والصراع على السلطة والموارد والتمثيل السياسي.

ثانيًا: تغذية الصراع وتتمثل في الموارد والدعم العسكري والمالي والتحالفات التي تمنح أطرافه القدرة على مواصلة القتال وتوسيع نطاقه حتى عندما تستنزف الحرب المجتمع وتدمر مؤسسات الدولة.

ثالثًا: توجيه الصراع واستثماره ويشمل تدخل القوى الخارجية للتأثير في أهدافه ومساراته أو توظيف أطرافه لتحقيق مصالحها الاستراتيجية أو تعطيل الاتفاقات متى تعارضت نتائجها مع حساباتها.

قد يكون العامل الداخلي ضروريا لفهم نشأة الحرب لكنه لا يكفي وحده لتفسير استمرارها وقد يكون الدعم الخارجي عاملًا حاسما في إطالة أمدها وتغيير موازينها من دون أن يكون السبب الوحيد لنشأتها. إن تجاهل أحد هذين المستويين يفضي إلى تشخيص ناقص وقد يقود إلى حلول تعالج مظاهر الأزمة وتترك أسباب استمرارها قائمة فالمعالجة التي تتجاهل المظالم الداخلية تظل هشة والمعالجة التي تتجاهل مصادر الدعم الخارجي تترك للحرب شرايين تمدها بالحياة كلما أوشكت على الانحسار.

ثالثًا: من التمرد إلى تقاسم السلطة

من الظواهر التي تستحق النقد في التجربة السودانية أن حمل السلاح تحول إلى وسيلة للترقي السياسي والحصول على نصيب من السلطة والثروة فعندما يخوض تنظيم مسلح متمرد حربا على الدولة ثم يحصل قائده على منصب سيادي أو امتيازات استثنائية بموجب اتفاق سياسي تنشأ لدى أطراف أخرى قناعة بأن القوة المسلحة تمنح صاحبها قدرة تفاوضية لا تتاح لمن يعملون عبر المؤسسات السياسية والمدنية. ولا تكمن المشكلة في التفاوض ذاته فالتفاوض قد يكون ضروريا لإنهاء الحرب وحماية الأرواح وصون الدولة وإنما تكمن في غياب قواعد واضحة تمنع تحول التمرد إلى طريق مختصر نحو السلطة وتضمن ألا تصبح المناصب العامة مكافأة على امتلاك السلاح والخروج على مؤسسات الدولة.
ويزداد الأمر خطورة عندما لا يؤدي الاتفاق إلى إنهاء البنية العسكرية للقوة المتمردة بل يكتفي باستيعاب قيادات محددة في مؤسسات الحكم بينما تظل بقية المظاهر المسلحة وشبكات المصالح وأسباب الصراع قائمة عندئذ قد تنقسم الحركات المتمردة إلى مجموعات جديدة ويظهر قادة آخرون يطالبون بنصيب مماثل من السلطة فتدخل الدولة في دورة متكررة من التمرد والتفاوض وتقاسم المناصب. وهكذا تتحول الاتفاقات بدلًا من أن تكون لإنهاء التمر إلى حافز محتمل لتكراره ويغدو السلاح وسيلة لفرض شروط المشاركة في الحكم لا مجرد أداة تلجأ إليها الأطراف في ظروف استثنائية.

لكن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بإنكار المظالم التي قد تدفع إلى التمرد ولا بإغلاق أبواب التسوية السياسية وإنما بإقامة نظام سياسي دستوري عادل يجعل الوصول إلى السلطة محكوما بقواعد معلومة ويربط أي تسوية بإنهاء التشكيلات العسكرية المتمردة وتوحيد القيادة العسكرية وإخضاع الجميع للقانون وترتيب أوضاع المقاتلين وفق معايير مهنية ومؤسسية لا وفق موازين القوة التي فرضتها الحرب.
فالمناصب الدستورية ليست مكافأة لمن يحمل السلاح والسلام الحقيقي ليس تقاسمًا لغنائم الحرب وإنما استعادة لسلطة الدولة وحق المجتمع في حكم نفسه بالقانون.

رابعًا: هل يحمل السودان في تكوينه أسباب حروبه؟

إن تكرار الحروب السودانية يفرض البحث عن أسباب بنيوية مشتركة لكنه لا يبرر اعتبار الحرب نتيجة حتمية لتركيب المجتمع السوداني. فالتنوع الإثني والثقافي واللغوي ليس سببا كافيا للحرب وإلا لكانت المجتمعات المتعددة الإثنيات والثقافات محكومة بالاقتتال الدائم كما أن التفاوت الاقتصادي والتنافس على الموارد لا يؤديان بالضرورة إلى حمل السلاح ما دامت هناك مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات وتحقيق العدالة وضمان المشاركة السياسية وتوفير سبل التظلم السلمي. إن المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية إدارة التنوع وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم وتفاوت فرص الوصول إلى السلطة والخدمات والموارد وعجز النخب السياسية عن بناء عقد وطني يحظى بالقبول العام. واضافة إلى ذلك هشاشة المؤسسات الحزبية، وما تعانيه من انشقاقات وضعف في آليات المحاسبة الداخلية وتحول التنافس السياسي، في مراحل مختلفة إلى صراع صفري يسعى فيه كل طرف إلى إقصاء خصمه بدلًا من التنافس معه ضمن قواعد تضمن التداول السلمي للسلطة.

هذه العوامل قابلة للتحديد والتحليل والمعالجة بخلاف القول المجمل إن المشكلة كامنة في تكوين البلد نفسه إذ قد يتحول هذا التعبير إلى وصف غامض يحمل المجتمع مسؤولية إخفاقات السياسات والمؤسسات والنخب، ويعفي أصحاب القرار من مساءلة حقيقية عن اختياراته. والأهم أن الأسباب البنيوية لا تعمل في فراغ فهي قد تتحول إلى منافذ تستغلها قوى داخلية وخارجية لتأجيج التوترات أو تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة أو تبرير التدخل في الشأن السوداني ويجد الخارج في الانقسامات المحلية وسيلة لتعزيز نفوذه فيما تجد بعض الأطراف الداخلية في الدعم الخارجي فرصة لتقوية مواقعها في مواجهة خصومها.

لذلك، فإن إصلاح بنية الدولة ليس بديلًا عن مواجهة التدخل الخارجي كما أن مواجهة التدخل الخارجي لا تغني عن إصلاح الدولة فكلاهما شرط لازم للحد من قدرة الآخرين على استغلال أزمات السودان.

خامسًا: تعدد الحروب لا يعني وحدة أسبابها

لا يكفي الاستشهاد باستمرار الحروب والتمردات منذ الاستقلال لإثبات وجود سبب واحد يفسرها جميعًا فقد اختلفت الحروب السودانية في أطرافها ومطالبها وسياقاتها التاريخية وإن اشتركت في بعض العوامل السياسية والمؤسسية وتقاطعت في بعضها الآخر مع تدخلات ومصالح خارجية.

ومن ثم فإن التحليل الدقيق يقتضي دراسة كل حرب في سياقها الخاص مع البحث عن العناصر المشتركة بينها ويشمل ذلك تحديد الظروف التي سبقت اندلاعها ومواقف الأطراف المختلفة ومصادر تسليحها وتمويلها والتحولات التي طرأت على أهدافها والجهات التي استفادت من استمرارها.
كما ينبغي التمييز بين الأسباب التي تفسر ظهور الصراع والاسباب التي تفسر اتساعه والاسباب تفسر استمراره فقد تفسر المظالم المحلية نشأة حركة متمردة مسلحة لكنها لا تفسر وحدها حصولها على أسلحة متطورة أو قدرتها على مواصلة القتال لسنوات وقد يفسر التنافس على السلطة قرار المواجهة لكنه لا يفسر بالضرورة مواقف القوى الإقليمية والدولية التي تتدخل بعد اندلاعها أو حساباتها في إطالة أمدها.
ولذلك لا ينبغي أن يتحول التاريخ المتكرر إلى دليل على علة واحدة بل يجب أن يكون مدخلا لدراسة كيفية تفاعل الأسباب الداخلية مع المتغيرات الخارجية في كل مرحلة وتحديد ما يتغير من عوامل الصراع وما يستمر منها.

إن التشابه بين الحروب لا يعني تطابقها كما أن اختلاف أسبابها لا يمنع وجود أنماط متكررة في إدارتها واستغلالها والتمييز بين الأمرين هو ما ينقلنا من التعميم إلى التفسير ومن إطلاق الأحكام إلى بناء موقف يستند إلى الوقائع والأدلة.

سادسًا: تمرد الدعم السريع وحرب 15 أبريل 2023

تتجلى أهمية هذا المنهج بوضوح في الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023. فلا يمكن فهم هذه الحرب بمعزل عن تراكم اختلالات الانتقال السياسي ووجود قوة عسكرية موازية للقوات المسلحة السودانية ذات تسليح عالى وعلاقات خارجية ظاهرة ودعم غير محدود من تلك الجهات الخارجية والخلافات حول إصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة والتنافس على السلطة ومراكز القرار والفشل في التوصل إلى ترتيبات مستقرة تحسم مستقبل الحكم ومستقبل هذه القوة المسلحة فضلًا عن استغلال بعض القوى السياسية والخارجية لها.

هذه الظروف والاختلالات والمطامع الخارجية والداخلية هي من حركت هذه القوات للتمرد على الدولة بنية السيطرة عليها وحكمها فهي مسؤولة عن اندلاع الحرب واستمرارها فتحديد المسؤوليات يقتضي فحص الوقائع والقرارات وتسلسل الأحداث والتمييز بين مسؤولية من اتخذ قرارًا معينًا ومسؤولية من رد عليه وبين المسؤولية عن بدء القتال والمسؤولية عن الانتهاكات التي ارتكبت خلاله.

كذلك لا يجوز أن يؤدي الإقرار بتعقيد المشهد السياسي إلى افتراض تماثل الأطراف أي القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، في طبيعتهما أو صفتهما القانونية أو مسؤولياتهما فالموضوعية لا تعني المساواة الحسابية بين أطراف النزاع والإنصاف لا يقتضي توزيع اللوم بالتساوي وإنما يقتضي تحديد المسؤولية في ضوء الوقائع والأدلة وطبيعة الأفعال المرتكبة فالقوات المسلحة هى المسؤولة عن حماية الدولة وحفظ مؤسساتها وهى المنوط بها القضاء على تمرد تلك المليشيا وحفظ الأمن للبلاد وحفظ العباد

إن اختلالات الانتقال السياسي لا تبرر التمرد على الدولة كما لا يجوز اتخاذ الأخطاء السياسية ذريعة لإضفاء المشروعية على الخروج المسلح أو جعل الخلاف حول مستقبل الحكم مبررا لإشعال حرب والتمرد على الدولة.

فالدولة التي تريد استعادة عافيتها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة وهي القوات المسلحة السودانيةوسلطة مدنية ذات شرعية وقضاء مستقل ونظام سياسي يمنع نشوء أي قوة مسلحة تنازع الدولة اختصاصاتها سواء أكانت متمردة أو نشأت تحت مظلة قانونية ثم تجاوزت حدودها المؤسسية.

كما تحتاج إلى سياسة خارجية تحمي استقلال القرار الوطني وتحد من قدرة القوى الإقليمية والدولية على توظيف الصراعات الداخلية لخدمة مصالحها.

إن استعادة الدولة لا تعني مجرد استعادة السيطرة على الأرض، بل تعني كذلك استعادة احتكارها المشروع للقوة المسلحة عبر مؤسساتها ومنع تحويل موارد البلاد وموقعها الجغرافي وانقساماتها السياسية إلى أدوات في صراعات الآخرين.

سابعًا: السؤال عن الخارج لا يعفينا من سؤال الداخل

إن مطالبة السودانيين بمراجعة تجاربهم السياسية ومؤسساتهم ليست اتهاما لهم كما أن المطالبة بتحديد مسؤولية القوى الخارجية ليست تنصلًا من المسؤولية الوطنية بل إن السؤال عن الخارج يصبح أكثر أهمية حين نحدد مواطن الضعف في الداخل والسؤال عن الداخل يصبح أكثر ضرورة حين نكشف المصالح الخارجية التي تسعى إلى استغلال تلك المواطن. فإذا كانت هناك مظالم وجب تحديد أسبابها والمسؤولين عنها والعمل على معالجتها وإذا كان هناك تدخل خارجي وجب تحديد أدواته وأهدافه وأثره الفعلي والعمل على انهائه وإنهاء الأسباب المؤدية اليه. وإذا كانت هناك جماعات مسلحة تتلقى دعمًا خارجيا وجب التحقق من مصادر ذلك الدعم وطبيعته وكيفية استخدامه والعمل على قطع الإمدادات التي تطيل الحرب وتمكّن من استمرار التمرد.

وإذا كانت هناك نخب سياسية أسهمت في إنتاج الأزمة بقراراتها أو تحالفاتها أو عجزها عن حماية مؤسسات الدولة او تخابرها وجبت مساءلتها عن أدوارها ومحاسبتها على ما يثبت من مسؤولياتها.

ولا ينبغي أن تتحول تهمة العمالة للخارج إلى وسيلة لإسكات النقد الداخلي كما لا يجوز اتخاذ المظالم الداخلية ستارًا يحجب التدخل الخارجي أو يمنح القوى الأجنبية حصانة من المساءلة.

إن الوطنية الحقيقية ليست في تبرئة الداخل من كل خطأ ولا في اتهام الخارج بكل مصيبة وإنما في امتلاك الشجاعة لتسمية الأخطاء بأسمائها وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة ورفض كل ما ينتقص من سيادة السودان وحق شعبه في تقرير مصيره.

فلا إصلاح بلا محاسبة، ولا سيادة بلا مؤسسات قوية ولا سلام مستدام ما دامت الأطراف قادرة على تجديد الحرب كلما تغيرت موازين القوى أو تبدلت التحالفات.

خاتمة: لا إنقاذ للسودان بتجزئة الحقيقة

إن السودان لا يحتاج إلى رواية مريحة تلقي بكل المسؤولية على الخارج، ولا إلى رواية أخرى تختزل حروبه في عيوب تكوينه الداخلي؛ وإنما يحتاج إلى قراءة شجاعة تكشف كيف نشأت الأزمات ومن غذّاها ومن استثمر فيها ومن استخدم السلاح لفرض إرادته ومن وفر له أسباب الاستمرار.

يحتاج السودان إلى حسم التمردات منذ بداياتها قبل أن تتضخم وتتحول إلى قوى يرهق احتواؤها وقبل أن تجد فيها الأطراف الخارجية أدوات لتحقيق مصالحها كما يحتاج لبناء دولة عادلة قادرة على معالجة المظالم وإدارة التنوع وضمان المشاركة السياسية ومنع احتكار السلطة أو الثروة حتى لا تتحول إخفاقات الحكم إلى ذرائع متجددة لحمل السلاح.

فالتدخل الخارجي لا ينشئ بالضرورة عن كل صراع من العدم لكنه قد يوسعه ويغير موازين القوى فيه ويستنزف موارد البلاد ويضعف مؤسساتها ويجعل قرارها أكثر عرضة للابتزاز والتوجيه والخلل الداخلي لا يجعل الحرب قدرًا محتوما لكنه قد يهيئ البيئة التي تسمح بالتدخل واستغلالها.

ومن هنا، فإن مواجهة الخارج لا تنجح بالشعارات وحدها بل ببناء الداخل الذي يصعب اختراقه وإصلاح الداخل لا يكتمل بإجراءات سياسية معزولة بل بحماية السيادة الوطنية ومنع توظيف الأرض والموارد والقوى المسلحة في صراعات الآخرين.

فالحقيقة لا تكتمل بالنظر إلى الداخل وحده، ولا بالنظر إلى الخارج وحده وإنما تكتمل حين نفهم كيف التقيا في صناعة الأزمة وكيف تداخلت مصالحهما في إطالة أمدها وكيف يمكن فك هذا الارتباط لاستعادة الدولة وقرارها الوطني وسلامها.

فلا سيادة بلا دولة قوية ولا دولة قوية بلا عدالة ولا سلام مستدام ما دام السلاح طريقا إلى السلطة وما دامت مصالح الآخرين تجد في انقساماتنا نافذةً إلى بلادنا.



#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار
- في نعى بروف التجانى عبدالقادر


المزيد.....




- العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
- خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
- البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات ...
- -علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي ...
- لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
- ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم ...
- دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما ...
- مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال ...
- -وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر ...
- صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ابراهيم عباس البشري - بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السودانية