أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - ابراهيم عباس البشري - ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار















المزيد.....

ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار


ابراهيم عباس البشري

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 15:13
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


من إخفاقات الانتقال إلى حرب 15 أبريل 2023

لم يكن إخفاق ثورة ديسمبر 2018 في السودان مجرد عجز عن إدارة الدولة بعد إسقاط النظام بل كان نتيجة تداخل عوامل سياسية وفكرية وأمنية في مقدمتها غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة وضعف القدرة على إدارة التناقضات والعجز عن تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع وطني متماسك غير أن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو هل كانت الثورة في مسارها السياسي تعبيرا خالصا عن الإرادة الشعبية، أم أن قوى داخلية وخارجية أسهمت في تشكيل مسارها وتوجيه وجهتها؟

أولا: الثورة بين الإرادة الشعبية وصناعة المسار

لا جدال في أن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عاشها السودان في السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ أسهمت في تفجير الاحتجاجات الشعبية لكن وجود المظالم الحقيقية لا ينفي احتمال استثمارها من قوى سياسية داخلية أو جهات خارجية تمتلك أهدافا تتجاوز المطالب التي خرج المواطنون من أجلها وهو ما حدث.

وهنا ينبغي التمييز بين الجماهير التي خرجت تعبيرا عن معاناتها وتطلعاتها والقوى التي تصدرت المشهد وتحدثت باسمها والجهات التي امتلكت أدوات التمويل والتدريب والتأثير السياسي فليس بالضرورة أن تتطابق إرادة الجماهير مع حسابات القوى التي تتولى توجيه حراكها ولا أن تكون جميع الأطراف التي شاركت في إسقاط النظام متفقة على شكل الدولة التي ينبغي أن تنشأ بعده.

ومن ثم فإن فهم إخفاق الثورة يقتضي النظر في مدى استقلال القرار السياسي للقوى التي تصدرت المشهد وطبيعة علاقاتها الخارجية ومصادر دعمها ومدى تأثير تلك العلاقات في خياراتها وتحالفاتها فهذه أسئلة لا يجوز إغفالها ومدى ارتهانها للممول الاجنبي وتوجد بالفعل وثائق ودراسات تتناول أنشطة التدريب المدني والسياسي في السودان قبل الثورة ودور منظمات مثل المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الأمريكي للسلام ومؤسسة فريدوم هاوس في تدريب مجموعات مدنية على المشاركة السياسية والعمل على تغيير النظام كما تناولت دراسات أخرى دور الجاليات السودانية في الخارج في دعم الحراك والتواصل مع الحكومات الأجنبية لدعم الحراك كما أعلنت المؤسسة الوطنية الأمريكية للديمقراطية (NED) في تقريرها السنوي لعام 2019 أنها وسعت دعمها ليشمل 17 منظمة شريكة جديدة في السودان، في إطار برامج قالت إنها تستهدف دعم الإصلاح والمجتمع المدني والإعلام المستقل وحقوق الإنسان.

ثانيا: غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة

أحد أبرز أسباب إخفاق التجربة الانتقالية كان عجز القوى التي اجتمعت على إسقاط النظام عن الاتفاق على مشروع وطني متكامل لإدارة الدولة فقد جمعت قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة والتجمعات المهنية وغيرها من المكونات تيارات متباينة في مرجعياتها الفكرية ومصالحها وتصوراتها لمستقبل السودان.
وكان هذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة لو أُدير بالحوار والتوافق لكنه تحول إلى تنافس حاد على السلطة والتمثيل والشرعية الثورية ومحاصصات تقسيم المناصب فنجحت تلك القوى في توحيد موقفها ضد النظام السابق لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في الاتفاق على ما ينبغي أن يأتي بعد سقوطه.
والذى يظهر طهورا بائنا ان بعض القيادات تعاملت مع الثورة باعتبارها غاية مكتملة بمجرد إسقاط النظام لا بداية لمرحلة أشد تعقيدا تتطلب برنامجا اقتصاديا واضحا ورؤية دستورية مستقرة وإصلاحا مؤسسيا شاملا وتوافقا على هوية الدولة ومصالحها العليا. ونجد ان الخصومات السياسية قضت على مقتضيات بناء الدولة وغلبت حسابات الإقصاء على متطلبات الشراكة الوطنية فضاعت فرصة تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع حكم مستقر.

ثالثا: الصدام مع المؤسسة العسكرية

كان التعامل مع المؤسسة العسكرية من أكثر ملفات المرحلة الانتقالية حساسية وخطورة فبدلا من بناء استراتيجية تفاوضية واعية تجمع بين الانتقال إلى الحكم المدني والعمل على وحدة البلاد اتسمت العلاقة بين المكونين المدني والعسكري بالتوتر وانعدام الثقة والتصعيد المتبادل.
ولم يكن المطلوب التسليم للعسكريين أو التنازل عن مبدأ الحكم المدني بل إدارة الانتقال بواقعية سياسية تدرك طبيعة موازين القوة وتضع جدولا واضحا لنقل السلطة وتضمن خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية وتحول دون انزلاق الخلافات إلى صراع على بقاء الدولة نفسها.
لقد أخفقت القوى السياسية في بناء صيغة مستقرة لإدارة العلاقة بين المدنيين والعسكريين، كما أخفقت في حسم قضية تعدد مراكز القوة المسلحة وهي القضية التي ظلت تهدد الانتقال حتى انفجرت في حرب شاملة.
ويكشف ذلك أن إدارة الدولة تحتاج إلى أكثر من الشعارات والمواقف المبدئية وإنها تحتاج إلى الحنكة السياسية والقدرة على التفاوض وصناعة التوافقات.

رابعا: الأزمة الاقتصادية وتآكل الثقة الشعبية
لم تستطع الحكومة الانتقالية تقديم معالجات بالسرعة والفاعلية اللتين انتظرهما المواطنون لتخفيف أعباء المعيشة والتضخم وتدهور الخدمات وقد أسهمت صعوبة الأوضاع الموروث إلى جانب الاضطراب السياسي وضعف التنسيق بين مكونات السلطة، في اتساع الفجوة بين تطلعات الجماهير والواقع الذي عاشته.
فالشرعية الثورية لا تستطيع أن تحل محل الإنجاز والشعارات مهما كانت جاذبيتها لا تعوض المواطن عن تدهور معيشته أو انعدام أمنه وكان من واجب الحكومة أن تصارح الناس بحجم الأزمة وتحدد الأولويات وتعمل على استعادة الإنتاج وتحسين الخدمات ومكافحة الفساد.
ومع تراجع الثقة الشعبية أصبحت المرحلة الانتقالية أكثر هشاشة وفقدت القوى التي تصدرت المشهد جانبا كبيرا من الرصيد الذي اكتسبته في الشارع وهكذا لم يتحول التغيير السياسي إلى تحول ملموس في حياة المواطنين بالقدر المأمول.

خامسا: تعطيل المؤسسات وإطالة المرحلة الانتقالية
أسهم تأخر تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي وغياب المحكمة الدستورية المكتملة في إضعاف البناء المؤسسي للدولة والحد من الرقابة على السلطة التنفيذية وإطالة أمد المرحلة الانتقالية دون استكمال الضمانات الدستورية اللازمة.
وكان من المفترض أن تكون المرحلة الانتقالية طريقا محدد المعالم نحو انتخابات حرة ونزيهة تنتهي بها شرعية التكليف المؤقت وتبدأ شرعية التفويض الشعبي لكن غياب المؤسسات المكتملة وعدم حسم الخلافات حول مستقبل الحكم جعلا الانتقال ساحة مفتوحة للتنافس على السلطة والتمثيل.
إن الدولة لا تستقيم بمجرد تغيير شاغلي المناصب وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحكمها القواعد الدستورية وتضمن تداول السلطة وتفصل في النزاعات وتحمي الحقوق من تغول الحكام والقوى السياسية.

سادسا: اتفاق جوبا واختلال بنية الدولة
كان اتفاق جوبا للسلام محاولة لمعالجة الحروب والنزاعات المسلحة لكن الاتفاقات السياسية لا تحقق السلام بمجرد توقيعها وإنما بقدرتها على دمج القوى المختلفة في مشروع وطني واحد.
وقد أضاف الاتفاق تعقيدات إلى المشهد السياسي والعسكري في ظل تحديات تنفيذ الترتيبات الأمنية وتعدد مراكز النفوذ وتداخل المشاركة السياسية مع الاحتفاظ بالقوة المسلحة ولم تنجح المرحلة الانتقالية في معالجة هذه التحديات ضمن إصلاح شامل يضمن وحدة المؤسسات العسكرية والأمنية ومركزية القرار الوطني.
وليس الاعتراض على مبدأ السلام أو مشاركة الحركات المسلحة في الحكم بل على أن يتحول السلام إلى تسوية لتقاسم السلطة بين مراكز القوة دون أن يصاحبه بناء مؤسسي يضمن احتكار الدولة الشرعي للقوة ويعالج جذور النزاعات ويحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة.

سابعا: تمدد الدعم السريع والتدخلات الخارجية
كان تمدد قوات الدعم السريع أحد أخطر الاختلالات التي واجهت الدولة السودانية وهو اختلال تعود جذوره إلى سياسات سابقة أسهمت في نشوء قوة مسلحة ذات قيادة ومصالح ونفوذ مستقل عن البنية التقليدية للقوات المسلحة.
وخلال المرحلة الانتقالية لم تنجح القوى السياسية والعسكرية في معالجة هذا الواقع معالجة حاسمة وظلت قضية دمج الدعم السريع في القوات المسلحة وتحديد قيادته وصلاحياته والجدول الزمني لذلك موضع خلاف وتنافس حتى اندلاع الحرب.
كما أثارت علاقات الدعم السريع الخارجية والدعم الإماراتي لها تساؤلات حول أثر المصالح الإقليمية في موازين القوة داخل السودان وتذهب القراءات السياسية إلى أن بعض القوى الداخلية رأت في الدعم السريع وسيلة لإعادة تشكيل موازين السلطة و لمواجهة خصومها الإسلاميين.
لقد أدى غياب الرؤية الحاسمة لتوحيد القوات المسلحة وفرض سيادة القانون واستغلال مليشيات الدعم السريع إلى استمرار اختلال ميزان القوة داخل الدولة حتى تحولت التوترات المتراكمة إلى مواجهة مسلحة شاملة في 15 أبريل 2023.

خاتمة: ثورة امتلكت الشارع ولم تنجح في بناء الدولة

لقد امتلكت ثورة ديسمبر طاقة شعبية لكنها لم تنجح في تحويل تلك الطاقة إلى مشروع وطني جامع وكان إخفاقها أعمق من مجرد ضعف الكفاءة الإدارية فقد ارتبط بغياب الرؤية الاستراتيجية وعجز القيادات عن إدارة التوافقات وتعطيل بناء المؤسسات والفشل في حسم الاختلالات العسكرية والأمنية.
ويبقى السؤال المتعلق بطبيعة الثورة ومدى تعرض مسارها للتأثير الخارجي سؤالا مركزيا في فهم التجربة فإن بعض القوى السياسيه قد استثمرت الحراك الشعبي لتوجيه مساره نحو أهداف خاصةوظهر ذلك حليا في التمويل والتدريب والعلاقات والقرارات.

فالثورات لا تُقاس فقط بقدرتها على إسقاط الأنظمة بل بقدرتها على تأسيس دول مستقرة وعادلة وحين تعجز القوى التي تتصدر التغيير عن بناء المؤسسات وصناعة التوافق وحين تتقدم الخصومات على المصالح الوطنية وحين تبقى مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة الموحدة، يصبح الانتقال مهددا بالانهيار.

لقد دفع الشعب السوداني ثمن تلك الإخفاقات حربا ودمارا ونزوحا وتشريدا. ولذلك فإن الدرس الأهم ليس الاكتفاء بإدانة الماضي، بل بناء دولة لا يستطيع حزب احتكارها، ولا تستطيع قوة مسلحة ابتزازها، ولا تستطيع جهة خارجية توجيه قرارها على حساب مصالح شعبها.

فالمأساة ليست أن ثورة أسقطت نظاما ثم أخفقت في إدارة الدولة فحسب بل أن طاقة شعبية عظيمة لم تتحول إلى مشروع وطني يحمي السودان من صراعات السلطة والتدخلات الخارجية وتعدد الجيوش.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في نعى بروف التجانى عبدالقادر


المزيد.....




- جريدة الغد الاشتراكي العدد 54
- الجابري يهنئ أمين عام الاشتراكي بالذكرى الـ48 لتأسيسه ويدعو ...
- رئيس تكتل الأحزاب يهنئ الحزب الاشتراكي اليمني بالذكرى الـ48 ...
- حزب الاتحاد الجمهوري يهنئ الاشتراكي بالذكرى الـ48 لتأسيسه وي ...
- الاشتراكي في ذكرى أكتوبر وتأسيسه: إنهاء الانقلاب الحوثي واست ...
- عبد الحسين شعبان: بشت آشان جرح لم يلتئم وجراح اليسار مفتوح ...
- A New Threshold of American Shame
- Replacing Ambassador Guilfoyle is the Only Way Forward
- Entertainment, Free Speech and Judicial Murder: Hegseth and ...
- When Teachers Lose Trust: The Institutional Crisis Behind Te ...


المزيد.....

- حينما غضب النيل / ماهر الكرارسي
- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - ابراهيم عباس البشري - ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار