ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 10:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل السودان ساحة حرب أم عقدة في صراع إقليمي أوسع؟
ليست كل الحروب التي تبدو داخلية محصورة في حدودها وليست كل كارثة وطنية دليلًا على مؤامرة خارجية وبين هذين الطرفين تقع المساحة التي ينبغي أن يبدأ منها التحقيق الجاد في الحرب السودانية مساحة المصالح المتقاطعة والاتصالات السرية وشبكات المال والسلاح والصراع على النفوذ.
منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 لم يعد السؤال مقتصرًا على أسباب الصدام بين القوات المسلحة السودانية وتمرد الدعم السريع ولا على المسؤول عن إشعال المواجهة أو إطالة أمدها فقد أصبح من الضروري أيضًا البحث في الأطراف الخارجية التي سعت إلى استثمار الحرب والتأثير في مسارها أو توظيف نتائجها لخدمة مصالحها الاستراتيجية. وفي قلب هذا التساؤل يبرز الدور الإسرائيلي بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان وإطلالته على البحر الأحمر وارتباطه بأمن مصر والقرن الأفريقي فضلًا عن موارده الطبيعية وشبكات التجارة العابرة للحدود.
اكتسب هذا الملف بُعدًا جديدًا عقب تقرير نشرته منصة Africa Intelligence في 28 أغسطس 2026 أفاد بوجود اتصالات وزيارات سرية إلى تل أبيب من جانب أشخاص مرتبطين بالمتمردين خلال مايو 2025 وفبراير 2026 وبعقد لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين وفقًا لما أورده التقرير. هذه المعلومات لا يجوز تجاهلها لكنها لا تمنحنا أيضًا الحق في القفز مباشرة إلى القول إن إسرائيل تدير الحرب أو تسعى حتمًا إلى تقسيم السودان.
فالسؤال الأهم ليس مجرد ما إذا كانت هناك اتصالات بل ماذا كان وراءها وما الذي ترتب عليها وإلى أي مدى يمكن ربطها بمصالح إسرائيلية محددة في السودان والمنطقة؟ من هنا تبدأ محاولة الفصل بين الوقائع المنشورة والدلالات الاستراتيجية.
اتصالات تل أبيب والدعم السريع.. ما الذي نعرفه؟
أورد تقرير Africa Intelligence المنشور في 28 أغسطس 2026 تفاصيل عن زيارتين إلى تل أبيب في مايو 2025 وفبراير 2026 شارك فيهما أشخاص مرتبطون بالدائرة المحيطة بقيادة التمرد وذكر التقرير أن اللقاءات شملت مسؤولين في قسم أفريقيا بوزارة الخارجية الإسرائيلية وأفرادًا من أجهزة الاستخبارات. وتناولت تغطية لاحقة في The Jerusalem Post هذه المعلومات نقلًا عن التقرير.
إذا صحت تفاصيل هذه الاتصالات فإنها تفتح بابًا مهمًا للتحقيق في طبيعة العلاقة بين الطرفين ولا سيما أن الزيارات وقعت بعد اندلاع الحرب وفي وقت كان فيه السودان يعيش مواجهة عسكرية واسعة تتجاوز آثارها حدوده.
لكن ما الذي تعنيه هذه اللقاءات؟
هل كانت اتصالات سياسية لاستطلاع المواقف؟
أم محاولات لبناء قنوات اتصال مع طرف مؤثر في مستقبل السودان؟
أم تفاهمات أمنية واستخباراتية؟
هل ترتب عليها تبادل معلومات أو خدمات أو دعم مادي أو تقني؟
لا تكشف المعلومات المنشورة وحدها إجابات قاطعة عن هذه الأسئلة. إن الاتصالات بين الطرفين تستحق المتابعة الجادة لأنها تضع أمام الباحثين سؤالًا محددًا هل كانت إسرائيل تسعى إلى فهم مسار الحرب السودانية فحسب أم إلى بناء علاقة مع أحد أطرافها يمكن أن يمنحها نفوذًا في مرحلة الحرب وما بعدها؟
هذا السؤال المشروع
لماذا يهم السودان إسرائيل؟
لفهم أي تحرك سياسي أو أمني لا بد من النظر إلى البيئة الجغرافية والاستراتيجية التي يقع فيها. السودان ليس دولة هامشية في حسابات المنطقة فهو يمتد على الساحل الغربي للبحر الأحمر ويجاور مصر وإثيوبيا ويرتبط جغرافيًا وسياسيًا ببيئة القرن الأفريقي ويمتلك موارد طبيعية وموقعًا يؤثر في حركة التجارة والملاحة والتوازنات الإقليمية. أما البحر الأحمر فهو ممر حيوي للتجارة الدولية ومجال تتقاطع فيه مصالح دول الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والقوى الدولية الكبرى.
وتكتسب الموانئ والسواحل وخطوط الملاحة ومواقع النفوذ المحيطة بها أهمية أمنية فهو يؤمن العمق الإسرائيلي واقتصادية متزايدة.
وقد تناول المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي أهمية البحر الأحمر في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية بما يشمل التنافس البحري والأمني وتوسيع النفوذ في المنطقة. هذا يوفر أساسًا لفهم اهتمام إسرائيل بالسودان لكنه.
التحليل الاستراتيجي يميز بين وجود المصلحة والسعي إلى تحقيقها والوسائل المستخدمة لتحقيقها. قد تسعى دولة إلى إقامة علاقات مع أطراف سودانية لحماية مصالحها الأمنية أو توسيع نفوذها. وقد تستغل اضطرابًا قائمًا لتحسين موقعها التفاوضي. وقد تحاول التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب وكل دولة تبنى ما تريده وفق ما تقضيه مصلحتها.
أهمية الموقع السوداني تفسر لماذا يستحق الملف التحقيق لكنها لا تعفينا من إثبات ما حدث بالفعل.
هل يمكن أن يكون تفكيك السودان هدفًا استراتيجيًا؟
هنا نصل إلى الفرضية الأكثر حساسية هل تسعى إسرائيل إلى تفكيك السودان أو إضعافه بما يغير ميزان القوى في المنطقة وربما ينعكس على أمن مصر ومصالحها؟
لا ينبغي رفض هذا السؤال لمجرد حساسيته السياسية كما لا ينبغي قبوله لمجرد أنه يبدو منسجمًا مع مخاوف تاريخية أو حسابات جيوسياسية. انهيار الدولة السودانية أو تفكك مؤسساتها يؤدي إلى نتائج خطيرة إضعاف السيطرة على الحدود، واتساع نفوذ الجماعات المسلحة، وتعقيد العلاقات مع دول الجوار، وزيادة هشاشة الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وقد تتيح هذه الظروف للقوى الخارجية فرصًا لتوسيع نفوذها أو تعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي.
لذلك فان فرضية التفكيك الاستراتيجي قائمة.
مصر ومياه النيل.. السودان عمق الاستراتيجي والامني
إن الحديث عن السودان في الحسابات الاستراتيجية المصرية لا ينبغي أن يبدأ من فرضية انهيار الدولة السودانية، فالسودان لم ينهار ولم يفقد مؤسساته الوطنية وإن كانت الحرب قد ألحقت أضرارًا جسيمة بالدولة والمجتمع وهددت قدرتهما على أداء وظائفهما الطبيعية. وهذه التفرقة ضرورية لفهم حقيقة الموقف بعيدًا عن المبالغة التي تساوي بين الحرب وانتهاء الدولة.
فالسودان هو العمق الاستراتيجي والأمني لمصر وأمنه جزء لا يتجزأ من أمنها القومي. وهذه ليست فرضية نظرية، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا السياسية؛ فالدولتان تتشاركان حدودًا طويلة ويربطهما نهر النيل وتتقاطع مصالحهما في البحر الأحمر والقرن الأفريقي كما يؤثر الاستقرار السوداني مباشرة في أمن الحدود المصرية الجنوبية وفي توازنات المنطقة المحيطة بهما.
ومن ثم فإن إضعاف السودان عسكريًا وأمنيًا أو استنزاف قدراته وزعزعة امنه لا يمثل خطرًا على السودانيين وحدهم بل يضع مصر أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا وخطورة. فكلما تراجعت قدرة السودان على حماية حدوده وتأمين أراضيه وصون مؤسساته اتسعت المساحة المتاحة أمام القوى الخارجية للتدخل والتنافس على النفوذ وأصبحت الحدود والممرات الحيوية والموارد الاستراتيجية عرضة لمخاطر أكبر. وهنا تتصل المسألة بأمن مصر المائي أيضًا. فالسودان ليس مجرد دولة تقع على مجرى النيل بل شريك رئيسي في منظومة المصالح المائية لحوض النيل. وأي تأثير في قدرته على إدارة موارده ومؤسساته يضيف تعقيدات إلى بيئة إقليمية تعاني أصلًا من خلافات بشأن مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي.
وتزداد حساسية المشهد عند النظر إلى التنافس الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وإلى العلاقات التي تربط إسرائيل بدول المنطقة ومنها إثيوبيا. فهذه التحركات تستحق الدراسة في ضوء تأثيراتها المحتملة على موازين القوى لا باعتبارها دليلًا تلقائيًا على وجود مخطط واحد بل باعتبارها جزءًا من شبكة مصالح ينبغي فهمها ومتابعة تطوراتها.
إن الخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في استهداف السودان بل في النتائج التي قد تترتب على إضعافه بالنسبة إلى مصر. فانشغال السودان بحرب تستنزف موارده وقدراته تزيد تزيد من عدم قدرته على حماية حدوده ومجاله الحيوي فإن مصر قد تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة على أكثر من جبهة إقليمية في وقت تتشابك فيه تحديات أمن النيل والبحر الأحمر والحدود مع دول الجوار.
وعندئذ يصبح السودان بدلًا من أن يكون عمقًا استراتيجيًا داعمًا لاستقرار مصر مصدرًا إضافيًا للضغط على أمنها القومي. وبعبارة أكثر وضوحًا فإن فقدان مصر لعمقها السوداني الآمن يضعها في مخلب القط ويجعل تطويقها بالضغوط الإقليمية واصطيادها في أزمات متزامنة أكثر سهولة. وهذه نتيجة استراتيجية لغياب الأمن والاستقرار في السودان وليست بحاجة إلى افتراض أن جميع الأطراف تتحرك وفق خطة موحدة حتى ندرك خطورتها.
أما السؤال المتعلق بإسرائيل فلا ينبغي اختزاله في البحث عما إذا كانت هناك وثيقة تعلن صراحة أن هدفها تفكيك السودان. فالسياسات الاستراتيجية تتجلى أيضًا في بناء العلاقات واستثمار الأزمات وتوسيع النفوذ والتأثير في موازين القوى وكلها قرائن أحوال تدل على ما تنويه إسرائيل.
إن حماية السودان ووحدة أراضيه وقدرة مؤسساته الوطنية على أداء وظائفها ليست مسألة سودانية داخلية فحسب بل هي ضرورة استراتيجية لمصر أيضًا. فالسودان الآمن والقادر على حماية أراضيه يمثل عنصر استقرار في محيط مصر الجنوبي بينما يؤدي استمرار استنزافه إلى تغيير البيئة الأمنية المحيطة بها على نحو تستفيد منه قوى إقليمية متعددة.
ومن هنا فإن الدفاع عن أمن السودان ليس تضامنًا مع شعب شقيق فحسب بل دفاع عن معادلة الأمن القومي المصري نفسها. فحين يُستنزف العمق الاستراتيجي لمصر لا تبقى القاهرة بمنأى عن تداعيات ذلك بل تصبح أكثر تعرضًا للضغوط وأقل قدرة على المناورة وأكثر عرضة لأن تجد نفسها محاصرة بأزمات تتقاطع فيها الجغرافيا والمياه والنفوذ والصراع على مستقبل المنطقة.
#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟