ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 16:35
المحور:
الصحافة والاعلام
ليست أزمة السياسة السودانية أزمة اختلاف في الرؤى والبرامج فحسب بل هي في جانب عميق منها أزمة معايير وضمير سياسي فمنذ عقود تتكرر مفارقة تستحق التأمل إذ تُرفع شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية والوطنية، ثم تتراجع قيمتها حين تتعارض مع مصالح أصحابها أو تهدد مواقعهم ومكاسبهم السياسية.
ما نرفضه حين يصدر عن خصومنا قد نجد له المبررات حين يصدر عن حلفائنا، وما نعدّه تجاوزًا حين يرتكبه الآخرون قد نبحث له عن المسوغات حين نرتكبه نحن. نطالب بالعدل حين نكون في المعارضة ثم نتحفظ عليه حين يقترب من مصالحنا ونرفع شعار استقلال القرار الوطني ثم نغض الطرف عن ممارسات تتعارض معه متى كانت نتائجها في صالحنا. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بصواب موقف سياسي أو خطئه فحسب وإنما يصبح سؤالًا عن قيمة المبدأ نفسه. فما جدوى أن نعلن التزامنا بالعدل إذا كنا لا نحتكم إليه إلا حين يخدمنا؟ وما قيمة المرجعية الأخلاقية إذا كنا نمنح أنفسنا الاستثناءات التي نرفضها لغيرنا؟
ليس من العيب أن يراجع السياسي موقفه أو يغير تقديره حين تتغير الظروف وتظهر معطيات جديدة فذلك من مقتضيات الاجتهاد السياسي. لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين مراجعة الموقف استجابةً للحقائق وتغيير المعيار نفسه هربًا من تبعاته. الأولى قد تكون دليل نضج أما الثانية فتكشف خللًا في العلاقة بين المبدأ والمصلحة.
ومن هنا تبدأ أزمة الضمير السياسي حين يصبح الحق تابعًا لهوية صاحبه، وتتحول المبادئ من قواعد تحكم السلوك إلى شعارات تُستدعى عند الحاجة وتُعطّل عند التعارض مع المصالح.
ازدواجية المعايير في الممارسة السياسية
تتجلى هذه الأزمة في مواقف متعددة لكن أخطر صورها تظهر حين يتعامل السياسي مع القضايا العامة بمعيارين مختلفين لا لاختلاف الوقائع بل لاختلاف الأشخاص والمواقع والمصالح.
الدولة والسلطة والشرعية
من الضروري التمييز بين الدولة بوصفها كيانًا وطنيًا ومؤسسات عامة والسلطة بوصفها الجهة التي تتولى إدارة الحكم والشرعية بوصفها مسألة تتصل بالقانون والتفويض الدستوري والإرادة الشعبية. فالخلط بين هذه المفاهيم يتيح للسلطة أن تصور الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على الدولة كما قد يدفع المعارضة إلى الاعتقاد بأن رفضها للسلطة يمنحها تلقائيًا حق ادعاء الشرعية.
والحقيقة أن الدولة أكبر من الحكومة والوطن أوسع من الأحزاب والقوى السياسية. فالدفاع عن الدولة لا يعني منح السلطة حصانة من النقد والمساءلة كما أن معارضة السلطة لا تمنح المعارضة حق تجاوز القانون أو احتكار تمثيل الشعب.
والمعيار العادل يقتضي أن تُقيّم المواقف وفق مشروعيتها وأدلتها وآثارها في المصلحة العامة لا وفق هوية أصحابها. فلا يصبح الفعل مشروعًا لأن حليفنا ارتكبه ولا يتحول إلى جريمة لمجرد أن خصمنا أقدم عليه.
السيادة الوطنية حين تصطدم بالمصلحة السياسية
تظهر ازدواجية المعايير بوضوح حين يرفع بعض السياسيين شعار السيادة الوطنية واستقلال القرار السوداني بينما ينخرطون في اتصالات بالسفارات والمبعوثين الأجانب ويسافرون إلى الخارج للمشاركة في مشاورات ولجان تُطرح فيها مقترحات وخرائط طريق تتصل بمستقبل البلاد ثم يستعينون بالعلاقات الخارجية للضغط على خصومهم أو إقصائهم من المشهد السياسي.
ولا تكمن المشكلة في التواصل الدبلوماسي أو الاستفادة من العلاقات الدولية في ذاتهما فهما من أدوات العمل السياسي المعروفة وإنما في طبيعة هذا التواصل وأهدافه وحدوده وفي مدى استقلال القرار الوطني عن الإملاءات الخارجية.
فكيف يستقيم أن يرفض السياسي التدخل الخارجي حين يُستخدم ضد جماعته ثم يقبله حين يتيح له إضعاف خصومه؟ وكيف يصبح ما يعدّه مساسًا بالسيادة حين يفعله الآخرون وسيلة مشروعة حين يمارسه هو؟
إن المعيار هنا ليس مجرد الاتصال بالخارج، بل مدى اتساق الممارسة مع المبدأ المعلن ومدى احترام استقلال الإرادة السودانية ورفض تحويل العلاقات الخارجية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية الداخلية.
فالسيادة التي لا ندافع عنها إلا حين تخدم موقفنا ليست مبدأً راسخًا، وإنما موقف تحكمه المصلحة.
الحقوق والحريات بين المبدأ والانتقائية
وفي مجال الحقوق والحريات قد يطالب حزب بحرية التعبير حين يكون في المعارضة ثم يضيق بها حين يصبح قريبًا من السلطة. وقد يدافع عن استقلال القضاء حين تأتي أحكامه موافقة لتقديراته ثم يشكك فيه حين تصدر أحكام لا ترضيه. وقد يرفع شعار المحاسبة حين تتعلق بخصومه ثم يتحفظ عليها حين تقترب من حلفائه. وهكذا تتحول الحقوق من قواعد عامة تحمي المواطنين جميعًا إلى امتيازات تتسع أو تضيق بحسب هوية المستفيد منها.
ولا يعني ذلك أن الحريات مطلقة من كل قيد قانوني بل يعني أن القيود يجب أن تستند إلى قواعد واضحة وعادلة وأن تُطبّق دون تمييز أو توظيف سياسي. كما أن المحاسبة لا تستقيم إذا اقتصرت على الخصوم ولا يتحقق استقلال القضاء إذا كان احترام أحكامه مشروطًا بموافقتها لأهوائنا.
حين يصبح الانتماء حاكمًا على الحقيقة
لماذا تتكرر هذه التناقضات رغم أن معظم القوى السياسية تعلن تمسكها بالوطنية والعدالة والديمقراطية؟
تبدأ المشكلة حين يتحول الانتماء السياسي من وسيلة للعمل المشترك إلى هوية مغلقة يصبح الدفاع عنها واجبًا حتى حين تخطئ ويغدو الاعتراف بأخطائها نوعًا من الخيانة. عندئذ لا يعود السؤال: هل هذا الموقف صحيح؟ بل يصبح: من الذي اتخذه؟
فإن صدر عن جماعتنا بحثنا له عن المبررات، وإن صدر عن خصومنا بحثنا له عن الإدانة. وتتقدم رابطة الولاء على رابطة الحق، ويصبح الاعتراف بصواب الخصم كأنه هزيمة، بينما يُنظر إلى الاعتراف بخطأ الحليف بوصفه إضعافًا للجماعة.
ويتعزز هذا الخلل حين تحتفظ التيارات السياسية بذاكرة كاملة لمظالمها، بينما تختزل مظالم الآخرين أو تنكرها أو تبحث عن أسباب لتبريرها. فالاعتراف بما وقع علينا من ظلم لا يمنحنا حق تجاهل الظلم الذي وقع على غيرنا، كما أن إنصاف الخصوم لا ينتقص من حقوقنا.
كذلك يُستخدم الخوف من الخصم أحيانًا لتعليق المبادئ، فيُقال إن الظروف لا تسمح بالمحاسبة، أو إن النقد يضعف الجماعة، أو إن البديل أسوأ، أو إن التمسك بالحقوق قد يفتح الباب أمام الفوضى.
وقد تكون المخاطر حقيقية، لكن وجود الخطر لا يجعل كل إجراء مشروعًا، ولا يمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا لتعطيل الحقوق أو الإفلات من المساءلة. فالسياسة الرشيدة توازن بين المخاطر والحقوق، ولا تجعل الخوف بديلًا عن الدليل أو ذريعة لإعفاء الذات من المحاسبة.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: هل ندافع عن مبادئ نؤمن بها، أم عن مصالح نتبناها ثم نبحث لها عن مبادئ تبررها؟
حين يدفع الوطن ثمن التناقض
لا تتوقف آثار ازدواجية المعايير عند أصحاب المواقف أنفسهم بل تمتد إلى الحياة السياسية كلها. فعندما يفقد المواطن ثقته في الشعارات المعلنة يصبح من حقه أن يتساءل عما إذا كانت القوى السياسية تؤمن حقًا بما تدعو إليه أم أنها تستخدم تلك المبادئ للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.
وحين تتحول المحاسبة إلى أداة لمعاقبة الخصوم والحقوق إلى امتيازات للأصدقاء والعلاقات الخارجية إلى وسائل لإضعاف المنافسين تضيق مساحة الثقة بين القوى السياسية، ويصبح الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الخلاف أكثر صعوبة.
إن التنافس السياسي حق مشروع واختلاف الرؤى أمر طبيعي لكنهما لا يبرران احتكار الوطنية أو الديمقراطية أو الحديث باسم الشعب. فالمواطن ليس مجرد جمهور يُستدعى للتأييد، بل صاحب حق في المشاركة والاختيار والمساءلة.
ولذلك لا يبدأ إصلاح الحياة السياسية من الاتفاق على من يحكم وحده بل من الاتفاق على القواعد التي تحكم ممارسة السلطة وتحمي الحقوق، وتضمن خضوع الجميع للقانون. فالمشكلة ليست في أن تتغير الوجوه وإنما في أن تتغير الوجوه وتبقى المعايير المختلة والممارسات نفسها.
تحرير المبدأ من أسر الموقف
إن تجاوز ازدواجية المعايير لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بل إلى استعداد حقيقي لتحويل المبادئ المعلنة إلى التزامات تحكم السلوك حتى عندما تتعارض مع المصالح السياسية المباشرة. ويبدأ ذلك بمعيار واحد لا يستثني الحلفاء. فمن يطالب بحرية التعبير عليه أن يقبلها لمخالفيه ومن يدعو إلى استقلال القضاء عليه أن يحترم أحكامه وفق القانون ومن يطالب بمحاسبة المسؤولين عليه ألا يستثني من يؤيدهم ومن يرفض توظيف الخارج ضد خصومه عليه أن يرفض الممارسة نفسها حين تصدر عن جماعته.
ولا يعني توحيد المعيار التسوية بين جميع الوقائع أو المسؤوليات فلكل واقعة ظروفها وأدلتها ولكل فعل مسؤوليته التي ينبغي تحديدها بإنصاف. إنما يعني أن نُخضع الجميع للقواعد نفسها ثم نترك للأدلة والقانون تحديد المسؤولية.
كما يتطلب الإصلاح شجاعة مراجعة المواقف والاعتراف بالأخطاء. فالثبات على المبدأ لا يعني الجمود على الرأي وقد يكون تغيير الموقف واجبًا حين يتبين أن الوسيلة المختارة تناقض الغاية المعلنة. لكن المراجعة الصادقة تقتضي توضيح أسباب التغيير، لا إعادة تعريف المبادئ كلما تغيرت المصالح.
ومن منظور المرجعية الإسلامية فإن محاسبة النفس تسبق مطالبة الآخرين بالمحاسبة والعدل لا يتجزأ بحسب الانتماء والأمانة لا تسقط بتبدل التحالفات. فليس كافيًا أن يطالب السياسي خصومه بالتوبة عن أخطائهم بل عليه أن يقبل مراجعة أخطائه وأخطاء جماعته بالجدية نفسها.
والسؤال الذي ينبغي أن يحكم كل موقف سياسي هو: ما أثره في حقوق المواطنين وكرامتهم ومصلحة الوطن؟ لا من الذي سيكسب منه ولا أي طرف سيخسر بسببه. فالمصلحة السياسية المشروعة لا تنفصل عن المسؤولية العامة ولا يجوز أن تتحول إلى مبرر لتجاوز المبادئ التي يعلن أصحابها الدفاع عنها.
من ينتصر للمبدأ حين يخسر الموقف؟
إن أخطر ما يصيب الحياة السياسية ليس اختلاف الناس في تقدير المصالح ولا تعدد اجتهاداتهم في قضايا الحكم وإنما فقدان المعيار الذي يسمح لهم بالتمييز بين الصواب والخطأ حين تتعارض الأحكام مع المصالح.
فالاختلاف قد يكون مصدرًا للتصحيح والتطور أما ازدواجية المعايير فتحوّل الخلاف إلى انتقائية وتجعل الحقيقة رهينة الانتماء والعدالة رهينة ميزان القوة والمبدأ رهينة الموقع الذي يقف فيه صاحبه.
وليس المطلوب أن تتفق القوى السياسية على رأي واحد بل أن تقبل الاحتكام إلى قواعد مشتركة وأن تدرك أن الاعتراف بخطأ الحليف ليس خيانة وأن إنصاف الخصم ليس هزيمة وأن مراجعة الموقف ليست ضعفًا حين تكون استجابة للحق.
إن المبدأ لا يُختبر حين يخدم مصالحنا بل حين يلزمنا بما لا نهوى. والضمير لا يُمتحن حين ندين أخطاء الآخرين بل حين نرفض لأنفسنا ما ندينه عليهم.
فهل نتمسك بالمبدأ لأنه حق أم لأنه يخدم موقفنا؟ وهل نملك الشجاعة للوفاء به حين يصبح الوفاء له مكلفًا سياسيًا؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للضمير السياسي في السودان أن يكون العدل واجبًا لا يتغير بتغير المواقع وأن تكون الأمانة مسؤولية لا تسقط بتبدل التحالفات وأن يبقى الوطن غاية تتقدم على المصالح الضيقة.
فحين يتحرر المبدأ من أسر الموقف، تستعيد السياسة معناها بوصفها مسؤولية عن الناس، لا مجرد منافسة على السلطة.
#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟