أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - ابراهيم عباس البشري - اغتيال الشخصية عقيدة اليسار السوداني















المزيد.....

اغتيال الشخصية عقيدة اليسار السوداني


ابراهيم عباس البشري
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:06
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


ليست أخطر إخفاقات اليسار السوداني عجزه عن إقناع المجتمع بأفكاره أو محدودية قدرته على تحويل شعاراته إلى مشروع سياسي يحظى بقبول واسع فالأخطر من ذلك تلك الثقافة التي تحكم علاقته بمن يختلف معه والتي جعلت من اغتيال الشخصية أداة أصيلة في إدارة الصراع السياسي لا مجرد سلوك عارض يصدر عن فرد أو مجموعة في لحظة انفعال
في ظل هذه الثقافة لا يكون الخصم شخصا يحمل رأيا مخالفا يمكن مناقشته أو مشروعا سياسيا يمكن تفنيده وإنما يتحول إلى هدف يجب إسقاطه معنويا واجتماعيا وسياسيا وتجريده من الاعتبار قبل النظر في أفكاره أو مناقشة مواقفه وكأن القاعدة التي تحكم هذا المنهج هي أن هزيمة صاحب الفكرة أيسر من هزيمة الفكرة نفسها وأن تشويه صورته يغني عن عناء تفنيد حجته
وهنا تكمن المسألة الجوهرية فنحن لا نتحدث عن شتائم متبادلة أو تجاوزات أخلاقية تقع في ساحات الخصومة السياسية وإنما عن منهج متكامل يبدأ بتصنيف المخالف وينتهي بإقصائه معنويا وسياسيا وأخلاقيا ومع تكرار هذه الممارسة وترسيخها داخل الثقافة التنظيمية تتحول من وسيلة إلى عقيدة ومن تكتيك عابر إلى طريقة في التفكير والتعامل مع الآخر
ولفهم جذور هذه الثقافة لا بد من النظر إلى جانب من الموروث الأيديولوجي الشيوعي الذي قام على تقسيم المجتمع إلى معسكرات طبقية وأيديولوجية متقابلة ففي بعض تجليات التجربة الشيوعية التقليدية ولا سيما في التجربة السوفيتية لم تعد هذه التصنيفات مجرد أدوات لتحليل التفاوت الاجتماعي بل تحولت إلى أحكام سياسية وأخلاقية على الأفراد والجماعات فأصبح وصف العدو الطبقي أو الرجعي أو المعادي للثورة مدخلا لنزع الشرعية عن المخالف وتجريده من حقه في الاختلاف والمشاركة السياسية
وفي السودان اكتسبت هذه اللغة أشكالا محلية في الممارسة السياسية والتنظيمية فلم يعد الاختلاف مع الخطابات اليسارية اختلافا في الرؤية أو الموقف بالضرورة بل يجري تحويله إلى اتهام في النوايا والانتماء والمصلحة فإذا اختلفت معك فأنت رجعي وإذا انتقدت موقفك فأنت عميل وإذا امتلكت رأيا مستقلا فأنت مشبوه وإذا خالفت تصورك للمجتمع فأنت عدو للتقدم وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى النيل من الأعراض والاتهام بالانحراف الأخلاقي
وبهذه الطريقة يجري إلغاء المسافة الفاصلة بين نقد الفكرة وتجريم صاحبها فلا حاجة إلى تفنيد ما يقول أو مناقشة ما يطرح ما دام بالإمكان إحاطة شخصه بسياج من الاتهامات التي تجعل الناس ينصرفون عنه قبل أن يستمعوا إليه
وتتخذ هذه العملية مسارا متدرجا يبدأ بالتصنيف الأيديولوجي حيث يوضع الشخص في خانة جاهزة ثم تأتي مرحلة الشيطنة حيث تلصق به الصفات التي تنال من سمعته وأخلاقه ونزاهته ثم تنتهي بالعزل الاجتماعي والسياسي حيث يصبح التعامل معه أو الدفاع عن حقه في الاختلاف سببا كافيا لإثارة الشبهات حول من يفعل ذلك
وهكذا لا يعود المطلوب إثبات خطأ الخصم وإنما جعل الناس يخشون الاقتراب منه ولا يعود الانتصار في المعركة السياسية مرهونا بقوة الحجة وإنما بمدى النجاح في إفساد الصورة الذهنية للآخر
ولعل أركان النقاش في الجامعات السودانية كانت من أبرز البيئات التي ظهرت فيها هذه الثقافة وتطورت من خلالها أدواتها فقد كان من الممكن أن تكون تلك المنابر مدارس لتعلم الحوار والتعدد واحترام الاختلاف لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات لتبادل الاتهامات والتشهير والتصنيف الأيديولوجي ولم تكن الملصقات والمنشورات والعبارات المتداولة مجرد وسائل للتعبير عن المواقف بل أصبحت أدوات لصناعة صورة مشوهة عن الخصم وترسيخها في الوعي الطلابي
والمشكلة أن هذه الثقافة لم تتوقف عند حدود الجامعة وإنما انتقلت مع الأفراد إلى الحياة العامة والمؤسسات الحزبية والسياسية فيكبر الطالب الذي تعلم أن يسقط خصمه بالتهمة لا بالحجة ليجد نفسه لاحقا يمارس السياسة بالأدوات ذاتها التي تشكل وعيه عليها وهكذا تتحول الممارسة الطلابية من ظاهرة عابرة إلى ثقافة سياسية يعاد إنتاجها عبر الأجيال
وهنا تبرز علاقة هذه الممارسة بأزمة اليسار السوداني الاجتماعية والسياسية فالتنظيم الذي يعجز عن توسيع نفوذه بالإقناع وبناء التحالفات وفهم البنية الاجتماعية للمجتمع يجد في الانتقاص من الآخرين وسيلة لتعويض عجزه عن تقديم مشروع قادر على استقطابهم
فبدلا من أن ينافس زعيم القبيلة على ثقة جماعته يختزله في وصف أيديولوجي وبدلا من أن يناقش تجربة رجل الأعمال ومساهمته الاقتصادية يضعه في خانة الطفيلية وبدلا من أن يحاور صاحب الخطاب الديني ويفكك أفكاره يختصره في تهمة الاتجار بالدين ودوما ما ينحدر الخطاب في ممارساته إلى عبارات سوقية واتهامات شخصية من قبيل وصف هذا بالحرامي النتِن وذاك بزير النساء وكأن الإساءة الشخصية يمكن أن تكون بديلا عن الحجة السياسية والفكرية
إن أخطر نتائج هذه الثقافة أنها تفسد معنى السياسة ذاته فبدلا من أن تكون السياسة مجالا للتنافس بين البرامج تتحول إلى صراع على السمعة وبدلا من أن يكون الحزب مؤسسة لإنتاج الأفكار وتطوير الوعي يصبح في بعض ممارساته مصنعا للتصنيفات والاتهامات ويتعلم الشباب أن الطريق إلى إسقاط الخصم أقصر من الطريق إلى إقناع المجتمع وأن التشهير أكثر جدوى من الحوار وأن امتلاك مفردات التخوين يمنح صاحبه سلطة لا يحتاج معها إلى امتلاك الحجة
وهنا تظهر المفارقة الكبرى بين الخطاب والممارسة فكيف يمكن لمن يرفع شعارات التحرر والديمقراطية والعدالة أن يمارس الإقصاء المعنوي ضد المختلفين معه وكيف يمكن لمن يتحدث عن تحرير العقل أن يصادر حق الآخرين في التفكير وأي ديمقراطية يمكن أن تنشأ في بيئة يصبح فيها الاختلاف جريمة ويغدو الدفاع عن حق الخصم في التعبير قرينة على التواطؤ معه
فالديمقراطية ليست أن تطالب بحقك في معارضة الآخرين فحسب وإنما أن تقبل بحقهم في معارضتك وأن تدافع عن حريتهم في التعبير حتى عندما تكون أفكارهم على النقيض من أفكارك
ولذلك فإن اغتيال الشخصية في الممارسة السياسية للأحزاب والتنظيمات اليسارية السودانية ليس تفصيلا أخلاقيا هامشيا يمكن تجاوزه باعتباره سلوكا فرديا وإنما هو سؤال يتعلق بطبيعة الثقافة السياسية التي أنتجته وبالمنظومة التنظيمية التي سمحت باستمراره وتطبيعه فعندما يتكرر السلوك وتتشابه أدواته وتنتقل ممارسته من جيل إلى جيل يصبح من المشروع النظر إليه باعتباره عقيدة عمل لا مجرد انحراف عابر
والحزب الذي يحتاج إلى تشويه خصومه حتى يحافظ على صورته لا يواجه أزمة في علاقته بالآخر وحده وإنما يواجه أزمة في علاقته بالحقيقة وبنفسه أيضا فالأفكار الواثقة لا تخشى المناقشة والبرامج القوية لا تحتاج إلى اغتيال أصحاب البرامج المنافسة والتيارات التي تؤمن بالديمقراطية لا تعتبر الاختلاف تهديدا لوجودها
فحين يعجز الحزب عن هزيمة الفكرة في ميدان العقل ويستبدل الحجة بالتهمة فإنه لا يكون قد انتصر على خصمه وإنما يكون قد أعلن إفلاسه السياسي والفكري



#ابراهيم_عباس_البشري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقلية ركن النقاش كيف حكمت الجامعة الدولة وأفشلتها
- السودان بين موسكو وجدة
- ماذا أنتجت ثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر السودانية؟
- ازدواجية المعايير وأزمة الضمير في السياسة السودانية
- البحر الأحمر بين تنازع القوى الدولية وحماية العمق الإسرائيلي ...
- التدخل الإسرائيلي في السودان بين الوقائع المنشورة وفرضيات ال ...
- هل يحتاج الإنسان إلى الدين كي يكون إنسانًا؟
- وأد الجاهلية في عصر الحداثة
- تفكيك علمي وفلسفي لمفهوم فصل الهوية عن حقيقة الجسد
- العلمانية بين دعوى الحياد ومشكلة المرجعية
- اليسار وأزمة الحقيقة والسلطة
- حين تنحر الديموقراطية نفسها
- بين الداخل والخارج قراءة نقدية في أسباب التمرد والحروب السود ...
- ثورة ديسمبر بين عجز القيادة وصناعة المسار
- في نعى بروف التجانى عبدالقادر


المزيد.....




- المحكمة العليا الأمريكية ترفض طلبا لإدارة ترامب بإلغاء بطاقا ...
- بعد مواجهة مع بن غفير.. اعتداء خطير على الأسير حسن سلامة في ...
- أمير غالب.. حليف ترمب في ميشيغان الذي يحشد الأصوات بعيدا عن ...
- بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا
- ما الذي تكشفه الوثائق الأمريكية عن المساعي الإسرائيلية لتروي ...
- قاض فيدرالي يأمر إدارة ترامب بعدم استبعاد 20 ألف ورقة اقتراع ...
- -أكسيوس-: ترقب محادثات روسية أمريكية أوكرانية في أبو ظبي يوم ...
- كوريا الشمالية تنفي أي صلة لها باختراق بورصة -باينانس-
- ولي عهد الأردن: ندين الاعتداءات الحوثية على السعودية وندعم إ ...
- -بلومبرغ-: واشنطن تريد من حلفاء الناتو تأمين ملياري دولار لت ...


المزيد.....

- نعوم تشومسكي حول الاتحاد السوفيتي والاشتراكية: صراع الحقيقة ... / أحمد الجوهري
- عندما تنقلب السلحفاة على ظهرها / عبدالرزاق دحنون
- إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا ) / ترجمة سعيد العليمى
- معركة من أجل الدولة ومحاولة الانقلاب على جورج حاوي / محمد علي مقلد
- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - ابراهيم عباس البشري - اغتيال الشخصية عقيدة اليسار السوداني