احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 13:17
المحور:
الادارة و الاقتصاد
في 3 نوفمبر 2016 اتخذ البنك المركزي المصري قرار تحرير سعر صرف الجنيه، في خطوة اعتُبرت وقتها تحولاً جذرياً في إدارة السياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي. وفي ذلك الوقت كتبت تعليقاً أعبر فيه عن صدمتي من القرار، ولم تكن صدمتي نابعة من رفض مبدأ التعويم ولا من التمسك بسعر إداري لا يعكس حقيقة السوق فحسب، كذلك ايضا الخشية من إطلاق سعر الجنيه لقوى العرض والطلب في اقتصاد لم يكن يمتلك مقومات التوازن في سوق النقد الأجنبي.
كان سؤالي وقتها واضحاً: هل يمتلك البنك المركزي المصري الأدوات والآليات التي تمكنه من إدارة هذا القرار؟ وهل يكفي أن نترك البنوك تحدد أسعار الصرف بصورة مستقلة، وأن نجعل السوق حرة بالكامل، بينما يعاني الاقتصاد من عجز هيكلي في موارده الدولارية، واعتماد واسع على الاستيراد، وضعف في القدرة التصديرية؟
كنت أخشى أن يتحول التعويم من أداة لإصلاح سوق الصرف إلى آلية مفتوحة لانخفاض قيمة الجنيه، وأن تصبح السياسة النقدية عاجزة عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، مهما رفعت أسعار الفائدة أو سحبت من السيولة.
وهذا هو نص تعليقي الأصلي الذي كتبته في3 نوفمبر 2016:
««ما زلت في صدمة القرار، وأوهم نفسي بأنه سعر صرف غير مضطرب، أو كما يقال تعويم مدار.
لو كان تعويماً حراً بمفهوم التراستات النفسي، فتلك هي الطامة الكبرى، أي السماح وقتها لكل البنوك العاملة في مصر بأن تحدد أسعار الصرف الخاصة بها بصورة مستقلة، وكذلك أن تصبح سوق الصرف الأجنبي حرة، وتحدد آليات السوق سعر الصرف، وتقوم البنوك بجميع الصفقات، أي إطلاق الحرية لمعاملات العرض والطلب في السوق لتحديد سعر صرف الجنيه.
فأدوات السياسة النقدية أصبحت بلا جدوى، حتى لو رفع سعر الفائدة 1000 نقطة أساس، الأمر الذي سيتسبب في ارتفاع سعر الدولار بنسبة تقترب من 50%.
هل يمتلك البنك المركزي آليات تنفيذ القرار؟»
نوفمبر 2016»
لم يكن هذا التعليق مجرد تعبير عن صدمة لحظية، بل كان يتضمن ثلاثة تساؤلات اقتصادية محددة: طبيعة نظام سعر الصرف الذي جرى تطبيقه، ومدى قدرة البنك المركزي على إدارة السوق، وما إذا كانت أدوات السياسة النقدية كافية لمواجهة تداعيات تحرير السعر في اقتصاد يعاني اختلالاً في موارده الدولارية.
اليوم، في 3 نوفمبر 2026، وبعد مرور عشر سنوات كاملة على القرار، أعود إلى تلك المخاوف لا باعتبارها انطباعات عاطفية صاحبت صدمة القرار، وإنما باعتبارها تساؤلات اقتصادية كان ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر قبل اتخاذ قرار بهذا الحجم.
لقد قيل لنا إن تحرير سعر الصرف سيقضي على السوق الموازية، ويجذب الاستثمارات، ويشجع الصادرات، ويعيد التوازن إلى سوق النقد الأجنبي، ويمنح الاقتصاد القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وبالفعل، حقق القرار في بدايته بعض النتائج التي لا يصح إنكارها، فقد اختفت السوق الموازية لفترة، وتراجعت أزمة تدبير العملة، وتحسنت بعض مؤشرات ميزان المدفوعات، لكن السؤال الذي لم تتم الإجابة عنه هو: هل تحقق التوازن الهيكلي المستدام الذي كان يفترض أن يكون الهدف النهائي من الإصلاح؟
من صدمة التعويم إلى صدمة الأسعار
الشواهد التاريخية تقدم دليلاً واضحاً على حجم الصدمة التي صاحبت القرار.
فقد وثّق تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يناير 2017، ضمن برنامج التسهيل الممدد لمصر، أن البنك المركزي خفّض قيمة الجنيه في 3 نوفمبر 2016 بنسبة 32.5% أمام الدولار، وأعلن السماح بتعويمه، وحدد سعراً استرشادياً عند 13 جنيهاً للدولار، قبل أن يسجل أول مزاد للعملة الأجنبية متوسطاً مرجحاً بلغ 14.645 جنيهاً. كما أشار التقرير إلى أن البنوك أصبحت حرة في تحديد أسعار الشراء والبيع وفق آليات السوق.[1]
لم يكن ذلك مجرد تعديل رقمي في سعر الدولار، بل كان بداية انتقال صدمة سعر الصرف إلى تكاليف الإنتاج والاستيراد والأسعار المحلية.
ثم جاءت بيانات البنك الدولي لتوثق وصول التضخم السنوي إلى 29.5% في عام 2017 وفق بيانات مؤشر أسعار المستهلكين، بينما سجل التضخم الحضري ذروته عند 33% في يوليو من العام نفسه. وأشار البنك الدولي إلى أن انخفاض قيمة العملة، إلى جانب زيادة ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار الطاقة، ساهم في دفع الأسعار إلى مستويات قياسية، وأن التضخم المتراكم خلال السنوات المالية 2015-2017 أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر.[2]
وهنا تظهر إحدى النتائج التي كان ينبغي تقديرها مسبقاً: تحرير سعر الصرف في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لا يقتصر أثره على إعادة تسعير الدولار، بل ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والاستهلاك ومستويات المعيشة، ويصبح المواطن هو الطرف الذي يتحمل جانباً كبيراً من تكلفة التصحيح.
ولا يعني ذلك أن التعويم وحده كان سبب التضخم، فقد تزامنت معه إجراءات مالية وإدارية أخرى، لكن انخفاض قيمة الجنيه كان أحد أهم قنوات انتقال الصدمة إلى الأسعار.
عشر سنوات ولم تُحل المشكلة الهيكلية
لم تتوقف دلالة التجربة عند صدمة 2017. فبعد سنوات من قرار التعويم الأول، عادت أزمة النقد الأجنبي إلى الواجهة، واضطرت الدولة في مارس 2024 إلى تحريك سعر الصرف مجدداً ضمن انتقال جديد إلى نظام أكثر مرونة.
وتقرير صندوق النقد الدولي الصادر في مارس 2024 يقدم شهادة مهمة على حجم الاختلالات التي كانت قائمة قبل هذا التحول؛ فقد أشار إلى أن توحيد سعر الصرف في 6 مارس 2024 صاحبه انخفاض الجنيه بنحو 38%، وأن الفجوة مع السوق الموازية أُغلقت، كما كشف التقرير عن وجود طلبات متراكمة لتدبير العملة الأجنبية لدى البنوك قُدرت بنحو 7 إلى 8 مليارات دولار قبل التوحيد، ثم جرى تصفيتها بعد ذلك.[3]
ثم جاء تقرير المراجعة الرابعة للصندوق لعام 2025 ليشير إلى استمرار اختفاء الفجوة مع السوق الموازية، وانتهاء تراكم طلبات الاستيراد غير المنفذة، وتحسن التداول في سوق الإنتربنك، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة استمرار مرونة سعر الصرف حتى يقتنع المتعاملون بأن النظام أصبح مرناً بالفعل.[4]
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق المساءلة: إذا كان تحرير سعر الصرف في 2016 قد أسس بالفعل لسوق نقد أجنبي مستقرة ومتوازنة، فلماذا عادت أزمة الاختلالات الدولارية؟ ولماذا احتاج الاقتصاد إلى موجات جديدة من التخفيضات وإعادة ضبط سعر الصرف؟
إن اختفاء السوق الموازية لا يعني اختفاء أسباب نشأتها، وانتهاء تراكم طلبات الاستيراد في مرحلة معينة لا يعني أن الاقتصاد أصبح قادراً بصورة دائمة على توفير احتياجاته الدولارية من موارده الذاتية.
والأهم أن تقرير صندوق النقد لعام 2025 أشار إلى أن عجز الحساب الجاري بلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2023/2024، وأن العجز جرى تمويله بتدفقات استثمار أجنبي مباشر استثنائية بلغت 11.9% من الناتج، كان الجزء الأكبر منها مرتبطاً بصفقة رأس الحكمة.[4]
وهذه نقطة تستحق التوقف: هل يمكن اعتبار تدفق استثنائي بهذا الحجم دليلاً على أن الاختلال الهيكلي في موارد النقد الأجنبي قد انتهى؟ أم أن علينا التمييز بين تمويل استثنائي يسد فجوة مؤقتة وبين قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة؟
المشكلة لم تكن في الدولار وحده
إن المشكلة لم تكن في سعر الدولار وحده، بل في بنية الاقتصاد التي تنتج طلباً متزايداً على النقد الأجنبي دون أن تنتج عرضاً مستداماً وموازياً له.
اقتصاد يستورد جانباً كبيراً من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية، ويعتمد على الخارج في المواد الخام والآلات ومستلزمات الإنتاج، بينما تظل قدرته التصديرية أقل من أن توفر احتياجاته من العملة الأجنبية، لا يمكن أن يعالج اختلالاته بمجرد تحرير سعر الصرف.
والأخطر أن انخفاض قيمة الجنيه لا يظل محصوراً في سوق العملات، بل ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والاستيراد والنقل والطاقة والغذاء، ثم إلى الأسعار والأجور والقوة الشرائية، فتتحول أزمة سعر الصرف إلى أزمة معيشية وإنتاجية ومالية متشابكة.
لقد أثبتت تجربة السنوات العشر أن ارتفاع الفائدة وحده لا يستطيع خلق دولارات غير موجودة، وأن سحب السيولة بالجنيه لا يعالج عجزاً في الموارد الأجنبية، وأن تحرير السعر لا يغني عن إصلاح هيكل الإنتاج والتصدير وتقليل الاعتماد على الواردات.
فالبنك المركزي يستطيع التأثير في الطلب على الدولار، ويمكنه استخدام أسعار الفائدة والسيولة والاحتياطي الإلزامي والتدخل في ظروف اضطراب السوق، لكنه لا يستطيع بهذه الأدوات وحدها أن يعوض ضعف الصادرات أو يعالج العجز المستمر في الموارد الدولارية.
المشكلة لم تكن في تحرير سعر الصرف باعتباره أداة اقتصادية، وإنما في الاعتقاد بأن تحرير السعر يمكن أن يكون بديلاً عن بناء اقتصاد يمتلك مقومات الدفاع عن عملته.
هل كان هناك بديل؟
منذ البداية، لم يكن البديل الذي أتصوره هو العودة إلى سعر صرف إداري جامد، ولا إنكار ضرورة تصحيح الاختلالات، وإنما تبني نظام مرن مدار وغير مضطرب، يسمح بتصحيح تدريجي لسعر الصرف، ويمنح البنك المركزي مساحة لإدارة التقلبات ومنع الاختلالات الحادة، بالتوازي مع إصلاح الإنتاج والتصدير وتقليل الاعتماد على الواردات.
كان ينبغي أن تكون مرونة سعر الصرف جزءاً من حزمة إصلاح متكاملة، لا أن تتحول إلى محور الإصلاح الوحيد، وكأن السوق بمجرد تحريرها ستنتج تلقائياً التوازن الذي عجز الاقتصاد عن تحقيقه.
والسؤال الذي يظل قائماً: لماذا لم نبدأ بمعالجة جذور اختلال سوق النقد الأجنبي، بدلاً من تحميل سعر الصرف وحده عبء تصحيح هذه الاختلالات؟
الخاتمة: لم تكن الصدمة مبالغة.. بل كانت تحذيراً
بعد عشر سنوات، لا أرى أن الصدمة التي شعرت بها في نوفمبر 2016 كانت مبالغة، ولا أن الخشية التي أبديتها كانت بلا أساس. لقد كانت هناك أسباب اقتصادية حقيقية تدعو إلى التحفظ على القرار بصيغته وتوقيته وطريقة تنفيذه.
ليس لأن التعويم وحده مسؤول عن كل أزمات الاقتصاد المصري، فهذه قراءة تختزل المشكلة في عامل واحد، وإنما لأن تجربة العقد الماضي أظهرت أن تحرير سعر الصرف دون معالجة الاختلالات الهيكلية لا يصنع توازناً مستداماً، بل قد ينقل تكلفة الاختلالات إلى الجنيه والمواطن والاقتصاد الحقيقي.
إن مرور عشر سنوات لا يجعل كل المخاوف القديمة صحيحة تلقائياً، لكنه يمنحنا فرصة لمراجعة ما تحقق وما لم يتحقق. وما تكشفه التجربة أن تحرير سعر الصرف عالج جانباً من مظاهر الأزمة، لكنه لم يعالج جذورها الهيكلية.
ولذلك لم تكن صدمتي في نوفمبر 2016 مجرد خشية من ارتفاع الدولار، بل كانت خشية من أن يتحول سعر الصرف إلى متغير يتحمل وحده تكلفة اختلالات الاقتصاد بأكمله. وهذا تحديداً ما كان ينبغي أن ننتبه إليه قبل اتخاذ القرار.
في نوفمبر 2016 كنت أسأل: هل يمتلك البنك المركزي آليات تنفيذ القرار وإدارة تبعاته؟
وبعد عشر سنوات، أصبح السؤال الأهم: هل امتلك الاقتصاد المصري المقومات التي تجعله قادراً على العيش في ظل سعر صرف حر دون أن يدفع المواطن فاتورة كل اختلال جديد؟
عشر سنوات مرت، وما زال السؤال الذي طرحته في البداية أكثر أهمية من القرار نفسه.
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟