احمد البهائي
الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 12:18
المحور:
الادارة و الاقتصاد
لم يكن توقيت دفاع محافظ البنك المركزي المصري حسن عبد الله عن نظام سعر الصرف المرن موفقًا، ليس لأن المرونة النقدية خطأ في ذاتها، ولا لأن تجاوز الدولار 55 جنيهًا يثبت وحده فشل النظام، بل لأن الاقتصاد المصري يحتاج في هذه المرحلة إلى ما هو أكثر من تفسير حركة السعر بقوى العرض والطلب. إنه يحتاج إلى سياسة تدير تقلبات سوق الصرف، وتحد من انتقال الصدمات إلى الأسعار والإنتاج والاستثمار، من دون العودة إلى تثبيت الجنيه عند مستوى لا تدعمه الموارد المتاحة.
ففي 22 أكتوبر 2026، ومع تجاوز الدولار 55 جنيهًا، أكد المحافظ التزام البنك المركزي بسعر الصرف المرن، واعتبر أن تحركات العملة استجابة طبيعية لتغير الظروف الاقتصادية، وأن استقرار السعر رغم تغير تلك الظروف قد يكون مدعاة للقلق. لكن هذا التفسير، على صحته النظرية، لا يقدم وحده إجابة كافية عن السؤال الأهم: كيف يمكن للاقتصاد المصري أن يمتص الصدمات الخارجية من دون أن تتحول تقلبات سعر الصرف إلى مصدر متجدد للتضخم واضطراب قرارات الإنتاج والاستثمار؟
المشكلة ليست في مرونة السعر، بل في كيفية إدارة هذه المرونة وتكلفتها الاقتصادية.
أولًا: بين مرونة السعر واستقرار السوق
من الناحية الاقتصادية، لا يعني سعر الصرف المرن أن البنك المركزي يجب أن يقف متفرجًا أمام جميع تقلبات السوق، كما لا يعني السعر المرن المُدار أن يتولى البنك المركزي تحديد سعر الدولار إداريًا أو الدفاع عن مستوى ثابت للجنيه.
الفرق الأساسي أن النظام المرن المُدار يسمح لقوى العرض والطلب بتحديد اتجاه السعر، مع إتاحة تدخل محدود وشفاف من البنك المركزي عندما تتجاوز التقلبات حدود الاضطراب المعتاد، أو تهدد كفاءة سوق النقد الأجنبي والاستقرار المالي.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أهداف مختلفة: أن يكون السعر مرنًا، وأن تكون حركة السوق غير مضطربة، وأن تتوافر موارد دولارية مستدامة. فالمرونة تحدد آلية تحرك السعر، وإدارة التقلبات تحدد كيفية التعامل مع الصدمات، أما استدامة الموارد فتتطلب إصلاحًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد.
ولذلك، فإن المطالبة بسعر صرف مرن مُدار غير مضطرب لا تعني العودة إلى تثبيت الجنيه، وإنما تعني رفض الاختيار الزائف بين سعر جامد لا تدعمه الموارد، وسعر متقلب يُترك وحده لامتصاص كل الاختلالات الاقتصادية.
ثانيًا: لماذا تحتاج مصر إلى إدارة تقلبات الصرف؟
هناك أسباب هيكلية تجعل هذه المسألة أكثر أهمية في مصر منها في الاقتصادات التي تمتلك قاعدة تصديرية متنوعة وموارد دولارية مستقرة.
أول هذه الأسباب اعتماد قطاعات واسعة من الإنتاج المحلي على المواد الخام والمكونات والآلات المستوردة. فعندما تنخفض قيمة الجنيه، لا يقتصر الأثر على تكلفة السلع النهائية المستوردة، بل يمتد إلى تكلفة الإنتاج المحلي نفسه. وقد ينتقل ذلك إلى أسعار الغذاء والنقل والطاقة والسلع الصناعية، ثم إلى القوة الشرائية للأجور والدخول الثابتة.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي الواردة في تقريره لعام 2026 إلى أن انخفاض سعر الصرف بنسبة 1% يرتبط، في المتوسط، بارتفاع التضخم العام بنحو 0.15 إلى 0.20 نقطة مئوية على مدى عام، مع اختلاف الأثر بحسب الظروف الاقتصادية والسياسات المصاحبة. وهذه العلاقة لا تعني أن كل انخفاض سيؤدي آليًا إلى النتيجة نفسها، لكنها تؤكد أن تقلبات الصرف ليست مجرد تغيرات مالية منفصلة عن حياة المواطنين.
والسبب الثاني هو حساسية الاقتصاد المصري للتغيرات المفاجئة في التدفقات الرأسمالية الأجنبية. فالأموال التي تدخل للاستثمار في أدوات الدين المحلية قد توفر تمويلًا وسيولة دولارية في فترة معينة، لكنها تظل معرضة للخروج عند تغير أسعار الفائدة العالمية أو ارتفاع المخاطر الجيوسياسية أو تغير شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
وقد أظهر تقرير صندوق النقد عن المراجعة السابعة لبرنامج مصر أن حيازات غير المقيمين من الدين الحكومي المحلي ارتفعت إلى نحو 39.1 مليار دولار في 18 فبراير 2026، ثم تراجعت إلى 22.2 مليار دولار في 8 أبريل، قبل أن تتعافى جزئيًا لاحقًا. ويكشف هذا التذبذب حجم حساسية التدفقات المالية للظروف الخارجية، ومدى أهمية الاستعداد لتقلباتها.
لكن إدارة هذه التقلبات لا تعني منع خروج رؤوس الأموال بالقوة أو ضمان سعر محدد للجنيه. إنها تعني بناء سوق صرف أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات، مع توافر أدوات التحوط والسيولة والاحتياطيات المناسبة، وتجنب تحويل كل تغير في التدفقات إلى اضطراب واسع في السوق.
ثالثًا: الاحتياطي الدولاري لا يغني عن إدارة المخاطر
عرض المحافظ ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي من نحو 33 مليار دولار إلى 57.3 مليار دولار، إلى جانب تحسن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، وتراجع التضخم من مستويات قاربت 38% إلى نحو 13%.
هذه مؤشرات تستحق الاعتبار، ولا يصح تجاهلها عند تقييم السياسة الاقتصادية. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الاقتصاد أصبح بمنأى عن ضغوط النقد الأجنبي، كما لا تثبت أن كل التحسن المسجل نتج عن نظام سعر الصرف وحده.
فالاحتياطي الإجمالي ليس مرادفًا للأموال المتاحة بلا قيود للدفاع عن الجنيه، وتحسن صافي الأصول الأجنبية لا يعني بالضرورة انتهاء مخاطر السيولة أو الاستحقاقات المستقبلية، كما أن زيادة التحويلات لا تعوض تلقائيًا ضعف الصادرات أو استمرار الاحتياجات الاستيرادية.
ومن ثم، فإن السياسة السليمة لا ينبغي أن تستهدف الدفاع عن سعر معين باستخدام الاحتياطي، بل أن تستخدم مواردها المتاحة بحساب لمواجهة اضطرابات السوق، مع الحفاظ على قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الخارجية.
وهنا تظهر أهمية النظام المرن المُدار: ليس باعتباره وسيلة لإخفاء اختلالات السوق، بل إطارًا للتعامل مع التقلبات المؤقتة التي قد تزيد تكلفتها الاقتصادية إذا تُركت تتفاقم، مع السماح للسعر في الوقت نفسه بتصحيح الاختلالات الأساسية.
رابعًا: هل يتعارض هذا الاقتراح مع صندوق النقد الدولي؟
ليس بالضرورة.
يركز صندوق النقد الدولي على مرونة سعر الصرف باعتبارها خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية وتقلبات رؤوس الأموال. وتستند حجته إلى أن الدفاع المستمر عن سعر غير متوافق مع ظروف السوق قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي، وتراكم طلبات الدولار غير الملباة، وظهور سوق موازية، ثم إجراء خفض حاد ومكلف للعملة.
هذه مخاطر حقيقية لا ينبغي التقليل منها، خصوصًا أن مصر عانت سابقًا من نقص النقد الأجنبي واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
لكن تقرير الصندوق نفسه يقر بأن تدخل البنك المركزي يمكن أن يكون مناسبًا لتخفيف اضطرابات سوق الصرف، بشرط أن يكون محدودًا وشفافًا ومتسقًا مع إطار السياسة النقدية، وأن يستند إلى احتياطيات كافية وعالية الجودة.
وبذلك، فإن الاختلاف الحقيقي لا يتعلق بمجرد السماح بالتدخل أو منعه، بل بحدوده وأهدافه. فإذا كان المقصود بالمرونة المُدارة هو توجيه الجنيه إلى سعر مستهدف رغم اختلال العرض والطلب، فإنها قد تعيد إنتاج مشكلات التثبيت المقنع. أما إذا كان المقصود السماح للسعر بالتحرك مع التدخل للحد من التقلبات المفرطة، فلا يوجد تعارض ضروري مع الإطار الذي يطرحه الصندوق.
والأهم أن السياسة الاقتصادية المصرية لا ينبغي أن تكتفي بتطبيق قواعد الصرف، بل أن تقيم نتائجها وفق ظروف الاقتصاد المحلي، وتكلفة انتقال الصدمات إلى الأسعار والإنتاج، وقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
خامسًا: ما المطلوب من البنك المركزي والحكومة؟
إن تبني سعر صرف مرن مُدار غير مضطرب ينبغي ألا يتحول إلى شعار بديل عن الإصلاح، بل إلى إطار عملي واضح يتضمن خمسة عناصر:
1. قواعد معلنة للتدخل: تحديد الظروف التي تستدعي تدخل البنك المركزي لتخفيف التقلبات المفرطة، من دون إعلان سعر مستهدف أو ضمان مستوى معين للجنيه.
2. الشفافية في استخدام الاحتياطي: نشر بيانات دورية تتيح تقييم أثر التدخل على الاحتياطيات والسيولة الدولارية، مع التمييز بين الاحتياطي الإجمالي والموارد المتاحة فعليًا لمواجهة الالتزامات.
3. تقليل الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل: تحسين إدارة الدين الخارجي، وتطوير أدوات التحوط من مخاطر الصرف، وعدم اعتبار تدفقات الأموال الساخنة بديلًا عن الموارد الدولارية المستدامة.
4. زيادة القدرة الإنتاجية والتصديرية: توجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على إحلال واردات يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة، وزيادة القيمة المضافة للصادرات، وتنويع مصادر الإيرادات الخارجية.
5. حماية القوة الشرائية: تنسيق السياسة النقدية مع السياسة المالية والإنتاجية والاجتماعية، لأن استقرار سوق الصرف يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا ظل التضخم يضغط على الدخول الحقيقية ويقوض الاستهلاك والاستثمار.
ولا يمكن لأي نظام لسعر الصرف أن يعوض غياب هذه السياسات. فإدارة السعر قد تخفف تكلفة الصدمة، لكنها لا تخلق صادرات ولا تخفض تلقائيًا فاتورة الواردات ولا تعالج اختلالات الإنتاج.
الخلاصة: المطلوب مرونة منضبطة لا سعر جامد ولا سوق مضطربة
لم يكن موفقًا أن ينصب خطاب محافظ البنك المركزي، في توقيت يتجاوز فيه الدولار 55 جنيهًا، على الدفاع عن طبيعية تحركات سعر الصرف، من دون أن يحتل تفسير أسباب التقلبات وحدود إدارتها وخطة تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي المساحة التي تستحقها.
فالاعتراف بأن مصر لا تمتلك مقومات تثبيت دائم لسعر الصرف لا يعني أن كل تقلب في الجنيه يجب أن يُترك للسوق من دون إدارة، كما أن رفض التعويم الجامد لا يفرض الاختيار بينه وبين تعويم حر لا تصاحبه أدوات كافية لاحتواء الاضطرابات.
مصر تحتاج إلى سعر صرف مرن مُدار غير مضطرب: سعر يسمح للسوق بتصحيح الاختلالات، ويتيح للبنك المركزي التعامل بشفافية مع التقلبات المفرطة، من دون استنزاف الاحتياطي في الدفاع عن مستوى مصطنع للجنيه.
لكن نجاح هذا النظام لن يُقاس بمجرد استقرار الدولار يومًا أو شهرًا، ولا بانخفاضه المؤقت، بل بقدرته على تخفيف انتقال الصدمات إلى الأسعار والإنتاج والاستثمار، وبالتوازي مع زيادة موارد النقد الأجنبي المستدامة.
فالسؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: كم بلغ الدولار اليوم؟ بل: لماذا تتجدد الضغوط على النقد الأجنبي، وما الذي تفعله السياسة الاقتصادية لتقليل أسبابها؟
إدارة سعر الصرف ضرورة، لكنها ليست بديلًا عن إصلاح الاقتصاد. والمرونة المطلوبة ليست مرونة الجنيه وحده أمام الصدمات، بل مرونة الاقتصاد المصري نفسه في الإنتاج والتصدير وتوليد النقد الأجنبي.
مراجع أساسية
- "أهرام أونلاين، 22 أكتوبر 2026: محافظ المركزي يدافع عن مرونة الجنيه مع تجاوز الدولار 55 جنيهًا" (https://english.ahram.org.eg/UI/Front/Inner.aspx...).
- "مصراوي، 23 أكتوبر 2026: تصريحات المحافظ بشأن نظام الصرف ومؤشرات الاقتصاد" (https://www.masrawy.com/.-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8...).
- "صندوق النقد الدولي، تقرير مصر رقم 26/224، المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد، 2026" (https://www.elibrary.imf.org/.224/article-A001-en.xml).
- "صندوق النقد الدولي، تقرير مصر رقم 26/69، المراجعتان الخامسة والسادسة، فبراير 2026" (https://www.imf.org/.cr/2026/english/1egyea2026001.pdf).
#احمد_البهائي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟