أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - تثبيت الفائدة.. عندما يصبح علاج التضخم جزءًا من تكلفته















المزيد.....

تثبيت الفائدة.. عندما يصبح علاج التضخم جزءًا من تكلفته


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 15:33
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تثبيت سعر الفائدة ليس قرارًا خاطئًا لمجرد أنه تثبيت، لكنه يصبح محل تساؤل اقتصادي عندما تكون مصادر التضخم أكثر تعقيدًا من أن تعالجها أسعار الفائدة وحدها.

وهنا لا تكمن المشكلة في الرقم 19% في حد ذاته، وإنما في السؤال الذي يسبق الرقم: **ما طبيعة التضخم الذي نحاول علاجه؟**

إذا كان التضخم ناتجًا أساسًا عن فائض الطلب المحلي، فإن رفع تكلفة الاقتراض أو إبقاءها مرتفعة يمكن أن يكون أداة منطقية لكبح الطلب. أما إذا كان جزء كبير من الضغوط السعرية يأتي من تكلفة الإنتاج، وسعر الصرف، والطاقة، والواردات، واختناقات العرض، فإن استمرار السياسة النقدية التقييدية قد يعالج جانبًا من المشكلة، لكنه في الوقت نفسه يضيف تكلفة إلى جانب آخر من الاقتصاد.

وهنا تصبح الحسابات القومية ذات دلالة.

لدينا العلاقة:

-[
Y=A+X-M
-]

حيث -(Y-) هو الناتج المحلي الحقيقي، و-(A-) هو الإنفاق المحلي، و-(X-) الصادرات، و-(M-) الواردات.

وبالتالي:

-[
A-Y=M-X
-]

وهذه العلاقة تكشف لنا شيئًا مهمًا عن الاقتصاد المصري.

ففي العام المالي 2024/2025 بلغت الصادرات من السلع والخدمات بالأسعار الثابتة نحو **1.7 تريليون جنيه**، بينما بلغت الواردات نحو **2.3 تريليون جنيه**.

أي:

-[
M-X=2.3-1.7=0.6- تريليون- جنيه
-]

أي أن الفارق بين الواردات والصادرات بلغ نحو **600 مليار جنيه بالأسعار الثابتة**.إذا حوّلنا مبلغ 600 مليار جنيه باستخدام متوسط سعر صرف تقريبي قدره 49.6 جنيهًا للدولار خلال السنة المالية 2024/2025، نحصل على:
-[
-frac{600-text{ مليار جنيه}}{49.6}
-approx 12.1-text{ مليار دولار}
-]
أي نحو 12.1 مليار دولار، كتحويل حسابي تقريبي.

وهذا الرقم لا يعني، بمفرده، أن هناك 600 مليار جنيه من «التضخم الكامن»، ولا يعني أن كل الواردات استهلاكية؛ فوزارة التخطيط توضح أن جانبًا مهمًا من الواردات كان من السلع الوسيطة التي تخدم النشاط الإنتاجي، وأن السلع الوسيطة مثلت 34.5% من الواردات في الربع الرابع، مع نمو وارداتها بنحو 55.3%.

لكن الرقم يكشف بوضوح عن مشكلة أكبر: **الاقتصاد المصري لا يزال يعتمد على الخارج في تغطية جزء كبير من الطلب والاحتياجات الإنتاجية.**

وهنا يجب أن نعيد النظر في طريقة قراءة التضخم.

فإذا كان جزء من الطلب المحلي يتجه إلى الواردات، فإن كبح الطلب بواسطة سعر الفائدة لا يعني بالضرورة أن المشكلة الأساسية قد عولجت. أنت تستطيع أن تخفض الائتمان، وتزيد تكلفة الاستثمار، وترفع تكلفة التمويل الحكومي والخاص، لكنك لم تضف بالضرورة طنًا واحدًا إلى الإنتاج المحلي، ولم تخفض تكلفة الطاقة، ولم تزد الإنتاج الزراعي، ولم تقلل فاتورة استيراد مستلزمات الإنتاج.

بل قد يحدث العكس في بعض القطاعات.

**فائدة مرتفعة → تكلفة تمويل أعلى → تكلفة إنتاج أعلى → أسعار أعلى.**

وهنا يتحول جزء من العلاج نفسه إلى عنصر في بنية التكلفة.

والأمر لا يتعلق فقط بالقطاع الخاص.

فارتفاع سعر الفائدة يرفع أيضًا تكلفة خدمة الدين الحكومي، وكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين زادت الضغوط على المالية العامة، وأصبحت الدولة أمام احتياجات تمويلية أكبر.

وبذلك يمكن أن تتشكل دائرة شديدة الحساسية:

**ارتفاع الفائدة → ارتفاع تكلفة الدين → زيادة أعباء الموازنة → احتياجات تمويلية أكبر → استمرار الضغط على سوق الدين → استمرار تكلفة التمويل المرتفعة.**

ومن هنا فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يكون حاضرًا أمام لجنة السياسة النقدية ليس فقط: **كيف نخفض التضخم؟**

بل:

**أي تضخم نحاول خفضه؟ وبأي تكلفة؟**

البنك المركزي نفسه أشار إلى أن ضغوط التضخم الناجمة عن الطلب ستظل محدودة على المدى القصير، كما أشار إلى أن بعض مخاطر التضخم مرتبطة بارتفاع أثر إجراءات ضبط المالية العامة على الأسعار وبالتطورات الخارجية.

وهنا تظهر المفارقة.

إذا كانت ضغوط الطلب محدودة، وإذا كان جزء من التضخم يأتي من جانب العرض والتكلفة والقطاع الخارجي، فإن تحميل سعر الفائدة العبء الأكبر في عملية مكافحة التضخم يصبح محل نقاش.

فالسياسة النقدية تستطيع التأثير في الطلب والائتمان والتوقعات التضخمية، لكنها لا تستطيع بمفردها زيادة إنتاج الغذاء، أو خفض أسعار الطاقة، أو زيادة إنتاج السلع الوسيطة، أو تقليص الاعتماد على الواردات.

وهذا تحديدًا ما تكشفه أرقام التجارة.

فالواردات الحقيقية البالغة نحو **2.3 تريليون جنيه** لم تكن كلها استهلاكًا، بل كان جزء مهم منها مدخلات للإنتاج والاستثمار. وهذا يعني أن المشكلة ليست ببساطة أن «المصريين يستهلكون أكثر مما ينتجون»، وإنما أن **هيكل الإنتاج نفسه يحتاج إلى قدرة أكبر على توفير احتياجات الاقتصاد محليًا.**

وهنا تصبح المعركة الحقيقية مع التضخم معركة إنتاج قبل أن تكون معركة فائدة.

نحن بحاجة إلى زيادة الإنتاج القابل للتداول، وزيادة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات في مستلزمات الإنتاج، وإصلاح المالية العامة، وخفض تكلفة الطاقة والنقل والتمويل، بالتوازي مع السياسة النقدية وليس بدلًا منها.

فالتضخم ليس مرضًا واحدًا حتى يكون له دواء واحد.

وإذا كانت لجنة السياسة النقدية قد رأت أن الإبقاء على سعر الفائدة الحقيقي الموجب ضروري لترسيخ توقعات التضخم، فإن هذا الهدف مفهوم ضمن إطار استهداف التضخم. لكن يبقى السؤال الاقتصادي المشروع: **ما الحد الذي تتحول عنده الفائدة المرتفعة من أداة لكبح التضخم إلى تكلفة إضافية على الإنتاج والدين والاستثمار؟**

ذلك هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.

فالمشكلة ليست في أن البنك المركزي يحارب التضخم، وإنما في أن يحارب التضخم بأداة لا تستطيع الوصول إلى جميع أسبابه.

**إذا كان التضخم متعدد المصادر، فيجب أن يكون العلاج متعدد الأدوات.**

السياسة النقدية تحارب الطلب الزائد والتوقعات التضخمية، والسياسة المالية تضبط العجز والدين، والسياسة الإنتاجية ترفع العرض، والسياسة التجارية تقلل فجوة الواردات وتدعم الصادرات، والسياسة الاستثمارية توجه رأس المال إلى القطاعات القادرة على توليد الإنتاج والقيمة المضافة والعملات الأجنبية.

أما إبقاء الاقتصاد تحت ضغط الفائدة المرتفعة بينما تظل الاختلالات الهيكلية قائمة، فقد يؤدي إلى نتيجة paradoxical: نضغط على الطلب لكي نخفض الأسعار، فنضغط في الوقت نفسه على الاستثمار والإنتاج، بينما تظل أسباب ارتفاع التكلفة قائمة.

**وهنا لا يصبح السؤال: هل نخفض الفائدة أم نرفعها؟**

بل يصبح السؤال الأكثر أهمية:

**هل نستخدم الفائدة لمحاربة التضخم، أم نستخدمها بدلًا من إصلاح الاقتصاد الذي ينتج التضخم؟**

هذه هي المعادلة التي تستحق أن تناقشها السياسة الاقتصادية المصرية قبل اتخاذ أي قرار جديد بشأن أسعار الفائدة.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وارش وسقف ال6%.. معركة التضخم تنتقل من الفيدرالي إلى سوق الس ...
- مرونة سعر الصرف لا تكفي.. مصر تحتاج إلى سعر مرن مُدار غير مض ...
- 178 مليار جنيه للدعم.. أين ذهبت الحماية الاجتماعية؟ إخفاق من ...
- الدعم المصري للسعودية.. دفاع بلا تورط، وحماية بلا حرب مفتوحة
- التضخم في مصر.. عندما تعجز النظريات الجاهزة عن تفسير اقتصاد ...
- محمد صلاح الملك المصري وعرش الكرة الإنجليزية هل كانت هناك مؤ ...
- رفع الفائدة الأمريكية وعوائد السندات.. عندما يبدأ الصراع الح ...
- إسقاط القيادة أم إسقاط الدولة؟ لماذا يجب على مصر إفشال أي مخ ...
- السعودية والحوثيون وأمريكا: عندما يتحول خطأ التوقيت إلى تهدي ...
- ثلاث أشجار أسقطت عمدة -المحافظ-... وملايين الأشجار لا تُسقط ...
- إلى خبراء البورصة المصرية: عشر سنوات من الإصلاح... كم رأس ما ...
- وزير الاستثمار الذي لا يعرف الاستثمار: عقارات وإجراءات بدلًا ...
- مصر والصين... من مبادلة العملات إلى بناء نظام اقتصادي جديد: ...
- الصين.. مصر قلب طريق الحرير الجديد -من مقال يناير 2016 إلى ا ...
- وارش في جاكسون هول: حين يترك السندات تشد الاقتصاد والبنوك تر ...
- من يخلق النقود في مصر؟ السيولة تتضخم والفائدة تحاول اللحاق ب ...
- كينز يتقدم بالنقاط وفريدمان لم يُهزم: بيانات يوليو تضع وارش ...
- فنجان قهوة مع كينز وفريدمان..ووارش في الفخ:اقتصاد يتباطأ وتض ...
- عندما حذرنا من الاختلالات الهيكلية... أين كان خبراء الاقتصاد ...
- عندما عجزت القوى الكبرى... تذكروا مصر! لكن هل نسي المصريون د ...


المزيد.....




- البنك الدولي: ديون الدول النامية الخارجية تقفز إلى 9.4 تريلي ...
- مؤشر ناسداك يقود تراجعات الأسهم الأمريكية مع تفاقم موجة بيع ...
- بنوك وول ستريت تستعد لرقابة مشددة بعد سيطرة الديمقراطيين على ...
- بنك إنجلترا يعود إلى التشديد النقدي لأول مرة منذ ثلاث سنوات ...
- بوتين يؤكد أهمية إنتاج الأسمدة الروسية للتصدير إلى الأسواق ا ...
- قناة السويس تسجل أعلى إيراد لها منذ أزمة البحر الأحمر
- How Russia-s War Recruitment Machine Became Big Business
- وزيرا الزراعة في مصر وتركيا يبحثان تعزيز الاستثمار وانسياب ا ...
- 6 آلاف دولار.. لماذا ترتفع أسعار الذهب في غزة فوق أسواق العا ...
- إيلون ماسك راهن بقوة للحفاظ على تكساس جمهورية.. فماذا سيحدث ...


المزيد.....

- مصر وفشل التنمية والحمائية الجديدة: المأزق المزدوج لنموذج ال ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - احمد البهائي - تثبيت الفائدة.. عندما يصبح علاج التضخم جزءًا من تكلفته